هنا دُفن الكلب

حجم الخط
0

ناحوم برنياع

تتحدث احدى القصص الكلاسيكية في حقيبة الأكاذيب عن شاؤول بيبر الذي دخل ليأكل في مطعم فسأل النادلة: ‘ماذا يوجد عندك’ فأجابت ‘رِجل متقرشة’. فأجاب: ‘مشكلاتك لا تهمني’. على هذا النحو بالتقريب يرد الناس حينما يريد الصحافيون ان يلقوا على مسامعهم مشكلات الصحافة. ان عملنا في الحياة هو ان نبلغ الآخرين المشكلات. ومشكلاتنا هي مشكلتنا لأن الجمهور لا يهتم بها.

الى نقطة ما. ان مؤتمر احتجاج الصحافيين الذي عُقد أمس في قاعة السينما في تل ابيب قد ولد عن شعور حقيقي بأن الوضع الذي نشأ يتجاوز المصلحة الضيقة لرابطة مهنية أو قطاع. فالحديث عن روح الديمقراطية.

في كل دولة ديمقراطية تجري بين الساسة والصحافيين علاقة كراهية حب وعلاقة تعلق متبادل. فالساسة مدينون لوسائل الاعلام بحياتهم المهنية لكنها تجلب عليهم احيانا نهايتها. ويتغذى الصحافيون من الساسة لكنهم يتغذون وبقدر لا يقل عن ذلك من الكشف عن عوراتهم. ان السياسي الذي يتملق الصحافيين يخدم ناخبيه خدمة سيئة. والصحافي الذي يتملق الساسة يخدم قراءه خدمة سيئة؛ ومن المؤسف جدا أنه يوجد في اسرائيل غير قليل من هذين النوعين.

النتيجة معقولة جدا مع كل ذلك. فالجمهور في اسرائيل لا يمنح وسائل الاعلام في استطلاعات الرأي العام درجات مرتفعة لكنه يعلم انه يعيش في مجتمع مفتوح مليء بالحيوية: فالصحافيون نشطاء وتنافسيون ويجهدون كل يوم لاحراز معلومة جديدة ونشرها. وهم يضطرون كل من يشارك في الجهاز العام بأن يسلك وكأنه يعيش في واجهة عرض. يتم الكشف عن اعمال فساد وتُطرح اخطاء في جدول العمل العام؛ ان كلب الحراسة ينبح بل يعض احيانا.

ستصوت الكنيست اليوم بالقراءة الاولى على صيغة جديدة أُفعوانية، من قانون التشهير الذي يرمي الى ذبح كلب الحراسة. لا كف جماحه بل ذبحه. وقد بادر الى القانون عضو الكنيست من كديما مئير شتريت وحثه أفراد من اعضاء الكنيست من الحزب نفسه ومن احزاب اخرى. وقد كان لكل واحد منهم حساب شخصي مع صحفي أو مع وسيلة اعلام. قزموهم أو أهانوهم أو قالوا عنهم كلاما بعيدا عن الحقيقة في رأيهم، فبحثوا عن طريقة للانتقام.

ان اقتراح القانون يزيد الغرامة على التشهير الذي ليس فيه إضرار بالمدعي، ستة أضعاف. سأعطي مثالا: اذا كتبت أنا عن عضو الكنيست ياريف لفين مثلا، رئيس لجنة الكنيست وقلت انه يميني متطرف فسيكسب اصواتا فقط في مركز الليكود. وبرغم هذا يستطيع ان يرفع دعوى عليّ وأن يحصل على مبلغ يصل الى 300 ألف شاقل. واذا برهن على أنني لم أطلب منه ردا على أنني أسميته ‘متطرفا’، فيستطيع ان يحصل على مليون ونصف مليون شاقل اخرى.

يُطرح هذا القانون للتصويت عليه في فترة صعبة جدا من جهة اقتصادية على وسائل الاعلام الاسرائيلية. فأكثر وسائل الاعلام، في الصحف المطبوعة والتلفاز، تخسر مالا أو تغطي نفقاتها بصعوبة. فاذا أُجيز هذا القانون فستُخرج وسائل الاعلام من عقود عملها المادة التي تضمن للصحفيين الانفاق على الدفاع عنهم في المحاكم. ولن يستطيع أي صحفي أن يسمح لنفسه بالمخاطرة وهكذا يُقضى على التحقيقات الصحفية. ويُقضى على الجدل الحر مع أصحاب المناصب في السياسة والاقتصاد. ان المنتحرين فقط أو الصحافيين الذين تنفق عليهم جهات فاسدة سيسمحون لأنفسهم بتجاهل هذا التهديد.

قال لي عضو الكنيست لفين في الاسبوع الماضي، انه يؤيد اقتراح القانون لانقاذ الشخص البسيط من التحقير. فقلت له اذا كان هذا قصدك فكل ما يجب عليك ان تفعل هو ان تقول ان القانون الجديد لا يشمل اشخاص الحياة العامة كما تقضي قوانين التشهير الامريكية (ويشمل اشخاص الحياة العامة، عدا الساسة، الصحافيين والفنانين وموظفي الدولة والاجانب وغيرهم). اذا كان الحديث عن حماية كرامة الجارة التي ذُكرت بغير ذنب منها بأنها رمت القمامة من الشرفة، أو شاب ذُكر اسمه خطأ بأنه دخن الغراس، فلتسن الكنيست القانون ولتنقذ كرامتهم.

لا احتمال لذلك لأن اعضاء الكنيست يريدون الحصانة لأنفسهم لا لـ ‘الشخص البسيط’، فالشخص البسيط، أي ناخبهم، يهمهم كالثلج من العام الماضي.

يديعوت 21/11/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية