هنا ليس السودان

حجم الخط
0

صحف عبريةمثل الشمس المرتقبة في الشرق كل صباح، مثل السأم المرتقب للبث الاذاعي في الصيف، مثل خيبة الامل المرتقبة في كل مرة يلعب فيها منتخب الارجنتين في مباريات كرة القدم الكبرى هكذا أيضا الانفعال الجارف، المرتقب، لما يفيد به الاستقلال المفرح لجنوب السودان على باقي العالم وعلينا. هكذا شرح صراحة في المقال الافتتاحي لصحيفة ‘هآرتس’: ‘على اسرائيل ان تتعلم دروس السودان… ان تستوعب بان التقسيم الى دولتين باسناد من الاسرة الدولية هو السبيل الوحيد لحل نزاع دموي مثل النزاع الاسرائيلي الفلسطيني’. هكذا المح، بشكل مبطن أيضا، في ما كتبه هنا أمس نداف ايال: ‘النزاعات يمكنها أن تصل الى اتفاق. حلول وسط أليمة من أجل كلمة ضائعة ‘السلام’ – توقع وتنفذ’. ولكن قبل القفز الى هذه الاستنتاجات المتسرعة التي تستخلص دون تمييز ‘السلام’ من ‘السلام’، ‘النزاع’ من ‘النزاع’، ‘الحل’ من ‘الحل’ هاكم رغم ذلك بضعة امور من المجدي معرفتها عن الفوارق بين السودان وبين اسرائيل. أحيانا تكون هذه فوارق ثقيلة المعنى والوزن، لدرجة يمكنها أن تخرب على الحاحية الاستنتاج العابث هذا، السطحي، عديم الاتصال بين ما حصل في افريقيا وبين ما لن يحصل في الشرق الاوسط في الاشهر القريبة القادمة. مثلا، من المجدي أن نعرف بان الاكتظاظ السكاني في السودان هو 16 نسمة للكيلو متر المربع. في اسرائيل يتشارك في الكيلو متر مربع الواحد نحو 330 شخصا. بمعنى، هناك توجد مساحة أوسع بكثير لتقسيمها على قدر أقل بكثير من الاشخاص. هنا لا يوجد. وهذا ليس موضوعا فنيا هذه فجوة جوهرية. يجدر بالذكر أيضا انه في الحرب الاهلية في جنوب السودان قتل نحو 2.5 مليون شخص. النزاع الاسرائيلي الفلسطيني جبى حياة عزيزة لنحو 7 الاف شخص في العرض الاخير. كثير ومع ذلك، فأقل بكثير. وفضلا عن ذلك: اسرائيل وان كانت اتهمت (في أحيان بعيدة فقط عن حق) بجرائم في المناطق الفلسطينية. ولكن حتى أشد المعارضين للاحتلال على الاقل اولئك الذين الى جانب معارضتهم أبقوا أيضا بعضا من فهمهم سيضطرون الى الاعتراف بانه لا يوجد وجه شبه بين سياسة اسرائيل، مهما كانت بشعة، وبين ما تفعله حكومة السودان. حكومة يترأسها رئيس متهم بالمسؤولية عن الابادة، الاغتصاب، النفي بالملايين. هذا نزاع آخر، هذه منطقة اخرى، هذه مشاكل اخرى. وعن الاغراء الموضة لعقد المقارنات، استخلاص الدروس، يجدر بنا ان نتغلب. اسألوا المبعوث الامريكي الخاص جورج ميتشيل. فقد ظن ان نزاعنا يشبه نزاعا آخر في حالته كان هذا النزاع في ايرلندا الشمالية. ظن أنه سيحل نزاع ‘نا’ مثلما حل نزاع ‘ه’. بعد سنتين انسحب. يتبين أن ايرلندا الشمالية ليست اسرائيل، التي ليست السودان. من يقول خلاف ذلك مشبوه باحد بندين: الاول التحيز السياسي، الثاني السطحية. وبتعبير آخر: من يفرض على الواقع مقارنات مرفوضة يجب أن يقرر اذا كان هو شريرا أم مجرد غبي. على أي حال، فان الانفعال من النجاح الدولي في حل الازمة في السودان يجب هو أيضا أن يأتي مع التذكير لمن نسي بتسلسل الفصول السابقة. الفشل المتواصل والاهانة التي تلقتها الاسرة الدولية من الرئيس السوداني. حقيقة أنه رغم ادانته في المحكمة الا انه لم يقبض عليه ولم يعاقب ابدا. حقيقة أنه رغم ممارسة الضغط عليه الا ان المهمة في دارفور واصلها لسنوات طويلة دون عراقيل حقيقية. الاستنتاج: الحلول الوسط الاليمة بالفعل توقع، ولكن من السابق لاوانه جدا القول انها ‘تنفذ’ ايضا. الاستنتاج: ذاك ‘القسم الى دولتين’ لا يزال بعيدا جدا عن ان يحقق ‘الحل لنزاع دموي’. ومثلما كتب أمس الخبير في الشؤون الافريقية جون كامبل، من مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة: ‘أكثر مما هو حل للازمة السودانية المتواصلة، فان الاستقلال بالاجمال يفتح فصلا جديدا في قصة معروفة ومرتبة’. وبتفكير ثانٍ، بهذا السودان بالفعل تشبهنا قليلا: فهي تحتفل بالمصافحة على الابسطة الحمراء وبانفعال ينسي للحظة كم هي معقدة الازمة. وهذا بالتأكيد يذكرنا ايضا بلحظات الماضي التي ليست ناجحة بالضرورة لدينا.

معاريف 11/7/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية