ترجمة وتقديم: عبد السلام ناس عبد الكريم: هنري دافيد ثوروHenry David Thoreau مفكر أمريكي ولد سنة 1817 ببلدة كونكورد بالجنوب الأمريكي وتوفي بها سنة 1862. وهو يعد واحدا من تلامذة وأتباع الفيلسوف الشاعر رالف والدو أمرسون، الذي شجعه على تعرّف أسرار الفلسفة المثالية المتعالية ذات النزعة التصوفية الفردية. وقد غذى ثورو سمت هذه النزعة من خلال عزلة تأملية في غابات والدن المجاورة دامت أكثر من عامين، سعى من خلالها إلى استشراف حياة متعالية تلوذ بجوهر الطبيعة المانح لقوة الوعي والإحساس بالذات في عمق الأشياء. وقد ضمن أحاسيسه تلك في كتابيه المنشورين قيد حياته : ‘أسبوع فوق نهري الكونكورد’ و’بين غابات والدن’. أما مقالته الشهيرة في العصيان المدني ‘civil desobedience ‘ التي نشرت بعد وفاته، فهي تعكس أسلوبا رائدا في رفع المظالم وطريقة نوعية في انتزاع الحقوق تلخصت معالمها في رفضه الموسوم لسياسة الدولة بصدد حروبها التوسعية في المكسيك، ونداءاته المتواترة لرفع نظام الرق على فئة السود. وكان من شأن تلك النزعة الثورية الموصولة بصلابة الموقف أن تترك أثرها العميق في حركات تحرير الشعوب. ومن بين الذين تلبّسوها وأفادوا منها لاحقا، الزعيم الهندي المهاتما غاندي، وزعيم ثورة السود في أمريكا مارتن لوثر كينغ. ومنذئذ أي منذ أكثر من قرن من الزمان، مازلنا نرى مضامين تلك المقالة حاضرة بعمقها الفكري وبثقلها الإنساني الوازن في تحوّلات الراهن السياسي. كما أن فكرتها المحورية: ‘إن أفضل الحكومات هي التي تحكم أقصر مدة’ تظل حية نابضة في قلب الأحداث، تفضح شهوة الحكام وتعكس أبعادا من السخرية ضد نظم الحكم التي تستلذ البقاء لفرض إرادتها الحاسمة. وفيما يلي ترجمةً لبعض المقاطع المفصلية الهامة لهذه المقالة: ‘إني لأقبل بصدر رحب شعار ‘ أن الحكومة الأفضل هي التي تحكم أقل مدة ‘ولذا ستجدها تحيا بطريقة أسرع وأكثر توازنا. بل إن ما أرمي إليه أبعدُ من ذلك، وهو أن هذه الحكومة الأفضل قد لا تضطر لأن تحكم البتة إذا ما كان الناس يقبلون بها وبدا أنها تناسبهم. فربّ حكومة تسعى في أفضل الحالات إلى أن تكون ‘صالحة’، إلا أن أغلب المحكومين قد لا يوافقونها في ذلك. وما أكثر تلك الاعتراضات ضد نظام عسكري دائم، ولكنها في المقابل تقدم الولاء لحكومة دائمة. مع أن العسكر الدائم ليس سوى عسكر تابع لحكومة دائمة.إن أبسط وسيلة يختارها الناس لفرض إرادتهم يتعين أن تكون أيضا قابلة لأن يحسن استغلالها في الوقت المناسب قبل أن تحرّف ويتم الالتفاف حولها. لذا فإن قيمة الأداء الذي تود الحكومات أن تفرضه على الناس قد لا يلائم في المقابل ما يودّ هؤلاء أن يفرضوه عليها. فالأمر في منتهى الحساسية ويتعين على الجميع أن يتوحدوا في الوفاق حوله.ومع ذلك، فإن هذه الحكومة (الأمريكية) لم يحصل لها قط أن شجعت من تلقاء ذاتها أي مقاولة. فليست هي التي تحفظ للشعب حريته، وليست هي التي تكفل هيبة الوطن وليست هي المعنية بتوجيه وتهذيب المواطنين، بل هو الطابع المتلاحم لفئات الشعب (الأمريكي) الذي اضطلع بكل ذلك وبإمكانه أن يفعل أكثر لو أن الحكومة كانت صالحة، بحيث يمكن لكل واحد بفضلها أن ينعم بالعيش الذي يرضاه. إن التجارة والأعمال إذا لم تتوفر على المرونة الذاتية فإنها لن تكون بإمكانها أبدا أن تقفز على العقبات التي يزرعها المشرعون باستمرار. حتى إذا ما تعينت محاكمة هؤلاء بشكل قاطع حول نتائج أفعالهم وليس على نواياهم، فإنهم يستحقون حينئذ أن يعاقبوا وأن يجعلوا في صفوف المجرمين الذين يضعون العوائق على سكك الحديد.ولكنّي إذ أتحدث كرجل مجرب وكمواطن،عكس أولئك الذين يفضلون أن ينعتوا أنفسهم بالغوغائيين، فإن سؤْلي لن يكون موصولا على التوّ، بمطلب الحكومة وإنما بجدوى الحكومة أي الحكومة الأفضل، وأن يعمل كل واحد منا على معرفة نوع الحكومة التي تدبر شأن احترامه، وسيكون ذلك بمثابة الخطوة الأولى لتحصيلها. ‘