هنري زغيب: ليل بعلبك الأزرق أثبت للعالم حقيقة لبنان الفن العالي

ناديا الياس
حجم الخط
0

يدير ندوات افتراضية من “مركز التراث اللبناني” لتكريس المقاومة الثقافية عن بُعد

 بيروت-“القدس العربي”:في الوقت الذي يلّف لبنان سواد قاتم من أقصاه إلى أقصاه بسبب العتمة التي تظلّله نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية والمالية غير المسبوقة، والتي تزامنت مع جائحة فيروس كورونا المستجد التي شلّت الحركة الناشطة في البلد وفرضت التباعد الاجتماعي، برز فجر نور مغاير من مركز التراث في الجامعة الأمريكية بإدارة الشاعر اللبناني المبدع هنري زغيب، الذي لا يتطّلب أيّ تعريف عنه لانّ إسمه يدّل عليه. هو الذي خطّ ولا يزال بريشة قلمه الذهبيّ أجمل القصائد والأعمال والكتابات النثرية الوطنية والوجدانية والأنسانية، وبات أشبه بنبع لا ينضب من الشعر والجمال والإبداع، أضاء على منارات الذاكرة التراثية والحضارية والثقافية التي يختزنها لبنان في ندوة رقمية حوارية قرّبت المسافات بين لبنان وباريس ولندن والتي سنتحدت عنها مع الشاعر هنري زغيب الذي التقيناه في “القدس العربي” وأجرينا معه هذا الحوار:

* في هذه الظروف العصيبة التي يمرّ بها لبنان على الصعد كافة، ولاسيما جائحة كورونا، آثرتم أن تبرزوا وجه لبنان الحضاري والثقافي والتراثي عبر ندوة تواصلية رقمية عن بُعد بعنوان “المتاحف في لبنان مناراتُ الذاكرة التراثية”.  كيف انطلقت الفكرة لإعداد هذه الندوة، وكانت لها أصداء إيجابية؟

**هذه هي السابعة في سلسلة ندوات افتراضية تواصلية عن بُعد، أُعدُّها من مركز التراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأمريكية، كنتُ بها أول من افتتح في لبنان النشاط الثقافي على منصات إلكترونية، بعدما تعطّل النشاط الثقافي المكاني كما في الحالاتِ العاديةِ السابقةِ الجائحةَ الكورونية. فحين تيقَّنْتُ أن الندوات والمحاضرات والمؤتمرات في قاعاتها العادية لن تعود إلى تداوُلها المألوف خوفاً من الاختلاط  الخطير، وبعدما بدأَت المدارس والجامعات تتعامل مع تلامذتها وطلّابها عن بُعد، بدا لي أن أنتقل توازيًا بالنشاط الثقافي إلكترونيًّا، لدافعَين: الدلالة على أن الثقافة تستحق الاهتمام بمواصلة نشاطها أُسوةً بسائر القطاعات السياسية والتربوية والاقتصادية، والدافع الآخر ألّا يتوقف النشاط الثقافي معاقًا بجائحة كورونا. ولأن المسارح والقاعات الكبرى ستبقى – عندنا كما في معظم مدُن العالم – مقفلةً لوقت طويل. هكذا بدأْتُ بهذا النشاط في سلسلة لقاءات عن بُعد أطلقتُ منها حتى الآن سبع ندوات هي: “التراثُ واحةُ تَقارُب ثقافـي بين الشعوب: أَيُّ مفهومٍ له في زمَن التباعُد الإجتماعي؟” و”كيف نَحمي تراثنا الشفوي في زمن المنصات الإلكترونية؟” و “تحديات المسرح اللبناني في زمن المتغيِّرات” و”العروض الأوركسترالية والكوريغرافية في العصر العالمي الجديد” و”ماذا بقي من دولة لبنان الجديد؟ وأي لبنان نهيّئ للمئوية الثانية” و”الزجل اللبناني على لائحة الأونسكو للتراث العالمي” وختامًا “المتاحف في لبنان منارات الذاكرة التراثية”.

* ماذا عن المشاركين في الندوة الأخيرة، وما دار فيها؟

**شارك في هذه الندوة من باريس الباحثة هناء الصمَدي نعمان مؤَلفة كتاب “على دروب المتاحف في لبنان” (الصادر بالفرنسية سنة 2018 في 252 صفحة حجمًا وسَطًا عن منشورات غوتنر في باريس) ومن لندن الدكتورة كلود ضومط سرحال مديرة البعثة الأَركيولوجية للحفريات الأَثرية في مدينة صيدا، ومن بيروت آنّْ ماري مايلا عفيش المديرة العامة لــ”الهيئة العامة للمتاحف” وتاليًا المسؤولة عن المتحف الوطني اللبناني في بيروت، وسليم ميشال إِده مؤَسس متحف “ميم” للمعادن النادرة في العالم والمتحجرات البحرية في لبنان وهو في حرم جامعة القديس يوسف في بيروت، وزينة عريضة مديرة متحف سرسق في بيروت. وعرض كلٌّ من المنتدين ظروف إنشاء المتحف، وخصائصه المتعلقة به، وأجنحته المختلفة وماذا في كل جناح منه، أيام العمل وساعات الدوام، بطاقات الدخول، نوع الزوّار، دور كل متحف في الحياة الثقافية والتراثية اللبنانية، وأهمية المتاحف عمومًا في ترقّي ونهضة الشعوب لاكتشاف تراثهم والمحافظة عليه.

* ماذا عن جديد أنشطة مركز التراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأمريكية؟

** حاليًّا ولوقت مقبل غير محدّد الزمن، سيتولى مركز التراث اللبناني مواصلة هذه الندوات عن بُعد، وسيواصل إصدار منشوراته عن قطاعات مختلفة من التراث اللبناني، منها مجلة “مرايا التراث” الـمحَكَّمة نصف السنوية، وكتاب جديد عن جبران في كتابات رفيقة سنواته الأخيرة الشاعرة باربرة يونغ، وفيه ترجمة كتابها النادر “هذا الرجل من لبنان” ونصوص أخرى بالعربية والإنكليزية (مترجَمةً إلى العربية) غير منشورة عن جبران الخالد.

* ما رأيك بالاحتفال الموسيقي الأخير داخل معبد باخوس في هياكل بعلبك، وهو وجَّهَ رسالة حبّ وأمل وسلام من لبنان إلى العالم في هذه الظروف العصيبة؟

**كان شعار الاحتفال: “عَلّي صوت الموسيقى” ونحن فعلًا “علَّيناه” في ليل بعلبك الأَزرق، ليلةً خالدةً أثبتت للعالم حقيقةَ أَنَّ لبنان الفن العالي هو لبنان الحقيقي الذي يتردَّد في صوت عاصي الرحباني: “… وازرعيهُن بالوعر أَرز وسنديان، مَلْوى الزمان، وقوليهُن: لبنان، بعد الله يعبدوا لبنان”. في أمسية بعلبك تناهَت الموسيقى والحناجر من كاميرات التلفزيون إلى كل الدنيا كي يعرف العالم كلُّه أَن لبنان لا يقاس بالديموغرافيا السكانية ولا بالجغرافيا السياسية بل بالإِبداعوغرافيا الخالدة التي هي وحدها أَيقونة لبنان اللبناني.

* كيف تقيّم المهرجانات التي كانت تشهدها المناطق اللبنانية؟

**خجولةٌ هي بسبب الجائحة الكورونية، ويحاول المؤمنون بالأعمال الثقافية والفنية أن ينشطوا وسْع إمكاناتهم. لكن المستوى يتفاوت كثيرًا بين الأعمال الراقية وتلك التجارية البحتة التي لا قيمةَ فنيةً لها.

* ما هو المستوى الفني والثقافي في لبنان؟ وما رأيك في المسلسلات اللبنانية التي تُعرض على الشاشات؟

** المستوى الثقافي حاليًّا، معظمه ثرثار، وقليله ذو مستوى جدير بالبقاء. أما المسلسلات التلفزيونية فهي معادة ولا جديد فيها، ورأيي أنها متشابهة المواضيع بين خيانات زوجية وكومبينات تجارية ثعلبية وتطويلات مطاطة لزيادة عدد الحلقات بشكل يصبح مملًّا ومزعجًا بعد عدد من الحلقات المستطيلة البطيئة. رأيي أن ينصرف كُتَّاب السيناريو إلى تراثنا الأدبي والروائي فيحوِّلوا الكثير من رواياته وقصصه مسلسلات تنبع من داخل تراثنا وتاريخنا وإرث لبنان الغنيّ، عوض اللجوء، كما يحصل الآن، إلى ترجمة مسلسلات أجنبية (معظمها تركي، ولو هو ناجح جدًّا في نسخه التركية الأصلية).

* كان لدينا برنامج “استديو الفن” لاكتشاف المواهب. أين هو من البرامج الحالية على الشاشات العربية: “أحلى صوت” و”آراب غوت تالنت” وسواها؟

** برنامج “استوديو الفن” كان رائدًا لأن مؤسسه سيمون أسمر كان رائدًا، وتعاون مع لِجان تحكيمية من الاختصاصيين في كل حقل فني. البرامج التالية فيما بعد، جاءت في معظمها استعراضية باهرة الشكل ضئيلة المضمون مع لجان تحكيمية غير اختصاصية. لذا لم أعد أتابعها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية