هواجس الكتابة: الاختلاف القصصي
سعيد بوكراميهواجس الكتابة: الاختلاف القصصيالي القاص الراحل سعيد الفاضليفـ 1 ـيقف اليوم بعض النقاد والقراء من التجريب في القصة موقفا متبرما أو معاديا ففي نظرهم اذا أسرفت القصة في التجريب ضاعت وتلاشت معالمها. قد تكون وجهة نظرهم صحيحة ما داموا ينطلقون في تمثلهم للقصة من المرجع والنموذج الذي ما يزال مسيطرا علي ذوقهم القرائي الثابت. لهؤلاء نقول ان الكتابة الابداعية بصفة عامة والكتابة القصصية بصفة خاصة محكومة بقانون التطور وما يلي في الزمن من كتابة مخالف قلبا وقالبا للذي ولي من كتابة قد تكون خيوط رفيعة تربط هذا بذاك وقد يتنقل طابع أو أثر من نص الي آخر لكن لكل تجربته التي لا تشبه تجربة الآخرين. كل قاص يقص تجربته من مرجعياته العامة والخاصة وكلما أدرك العالم الذي يحيط به ويعيش داخله في شموليته، كانت تجربته وتجريبيته في مستوي النمذجة والتمثل. وبالتالي فالمجرب في القصة اليوم يغدو نموذجا في الغد.لا مناص اذن للتجربة الابداعية من الدخول في هذه الصيرورة الحتمية التي تخترق جميع المجالات التي تعرف الخلق والابداع، وكأن ابداعية الانسان منذ القديم والي اليوم ما هي سوي تجربة واحدة تتناسل في دورة الحياة والابداع الي ما لا نهاية. يد واحدة تؤلف سيرة العقل والوجدان.ـ 2 ـالقصة القصيرة لا تكتب من أجل الحكاية فقط بل من أجل أشياء أخري نريد أن نوصلها الي قارئ افتراضي، كأن تقف مثلا وسط القصة لتتأمل هذه اللغة التي تتشكل أمامنا، أو نغوص في نفسية الشخصيات أو نتركها تتسطح بأدوارها في حياد تام حسب وجهات نظر معينة مع العلم بأنه ليس هناك كاتب محايد علي الاطلاق. قد يختفي وراء سرّاده لكنه حاضر بألاعيبه السرية. يحذف هذه الكلمة، يمطط هذا الحوار، يختلق تصورات، يتخيل مواقف، ينحت كلمات ويخرق تراكيب، يضلل بواقعية (تعيين أسماء أمكنة حقيقية، وصف أمكنة واقعية،توظيف أحداث واقعية..).ـ 3 ـكتابة القصة القصيرة تشبه الوقوف أمام بحيرة وأنت في أشد الظمأ غير أنك لا تستطيع الشرب منها ولا حتي خدش وجهها. قد تقضي عمرك وأنت تعيش تجربة النظر عن بعد أو عن قرب. تبصر الماء المسطح بالصمت أو المكسر بالضوء فقط لأجل متعة أخري وتجربة خاصة جدا وأنت تري أنك تري بحيرة بدون ماء بينما الأعماق المجهولة تتكشف لك حجرا، عشبا، مقابر غرقي سبقوك في الشرق والغرق وتسرع الارتواء.ـ 4 ـلا ينبغي أن تتحول القصة القصيرة لأجل قول أشياء كثيرة الي بازار مكتظ مغبر ومطلسم، يجاور مالا، يرهب أكثر مما يرغب. يفتح شهية السياح الراغبين في التذكارات الغرائبية التي تنتهي غالبا اكسسوارات في غرف النوم أو المراحيض.ينبغي أن تكون القصص مثل غرف الكراء، جزءا من كل، فضاء ضيقا جدا رحبا جدا بحيوات وأنفاس وأحلام. صحيح له مرحاض واحد لكن القصة لا تطرح فضلات بل تسكن الأحياز الضيقة الأركان الخافتة التعقيدات العمرانية. ما يشيد فيها من أحياز لا يتوافق أبدا مع من يعيش فيها. صراعهم الدائم يتمثل في رغبة مكثفة في خيوط شمس دافئة أو نافذة مستحيلة.ـ 5 ـيمكنني أن أدلكم علي قصة قصيرة رأيتها ذات مساء تطل من نافذة عمارة قديمة من أربعة طوابق وست عشرة نافذة. تطل بدورها علي ثكنة بحرية وبحر يختفي وراء مسجد عملاق.سألتها عن عشقها المفرط للنافذة، فقالت: لا تتصور كم تعاركت لأجل الحصول علي هذه الغرفة المطلة علي الشارع وكم قدمت من هدايا لصاحبة البيت كي تسلمني مفتاحها. الخاسرات منا من يعشن في الغرف الصماء.ومع ذلك لم أستطع حقا معرفة سبب رغبة هذه القصة القصيرة في غرفة بنافذة تطل علي الشارع والبحر.هل من أجل الانتحار ذات يوم ؟ هل من أجل دفء الشمس أم من أجل البحر؟ هل من أجلي أنا المخبول بمراقبتها؟ هل من أجل البحارة النحيلين داخل بزّات الرطوبة والملح ؟ لن أعرف أبدا مهما توقعت وتخيلت. ـ 6 ــ الحقيقة كي أكتب عنهم. قالتـ من هنا، من فوق، دون معايشتهم. قلتسكتت قليلا وأضافت: كل الاحتمالات واردة ليس شرطا أن أعايشهم. اللغة والخيال يعوضان كل شيء. اللغة أهم من الحكاية نفسها. مضي زمان ادهاش وامتاع واسعاد القارئ. حان وقت صفعه و تمريغه في التراب وتجريده من ملابسه وكشف عورته وأفاعيله السوداء.يحق للقصة الآن أن تقتل قارئها الذي لا يفهم الا بعد موت الجميع. القارئ المجاني عهده انقضي والقصة التي لا تجد قراءها اليوم ستجدهم في المستقبل.ـ 7 ـيتهم بعض النقاد القصة القصيرة الجديدة بأنها لا تأخذ في حسبانها النظريات النقدية حول السرد بصفة عامة والقصة بصفة خاصة. نقول لهؤلاء ان النظريات النقدية لم تصنع أبدا مبدعين والا كان جميع النقاد والمنظرين مبدعين حتي أنني قرأت من يقول ان النقاد هم مبدعون أيضا لكنهم فاشلون.النظريات النقدية كانت وما زالت بالنسبة للقصة القصيرة ضبابا انكليزيا كثيفا وباردا يحف بالغموض والمتاهة. القصة تحتاج حدائق وبساتين وغابات وعمرانا ومعمارا وبحيرات، لتصير معبرا منسابا بين تجارب من سبقونا ومن يعيشون بيننا. تلك التجارب الابداعية التي تهوّس حياتنا بحضور السؤال الأبدي: كيف استطاع احياءنا و كيف نستطيع قتله؟ـ 8 ـيمكن أن يقع كاتب القصة طوعا أو قسرا تحت تأثير عوامل واكراهات خارجية وداخلية. يمكن أن تكون منبهات ومنشطات مدمرة أحيانا ينساق اليها القاص طلبا للمعاناة والكشوفات الابداعية ويمكن أن تتحول الي حالات نفسية (عصاب، اكتئاب، شيزوفرينيا، تضخم الأنا، نكوص طفولي مرضي..). لكن رغم تلك المؤثرات فأحيانا تغيب في قصص البعض حتي لا تكاد تلحظ. وتظهر في قصص أخري حتي تكاد تكشف صاحبها.علي العموم سيكولوجية القاص مهما تستّرت وراء حيل وألاعيب وأقنعة الكتابة فانها ضرورية للقصة والحفر في تاريخها الشخصي المنسي يعد خصوصية غنية تثري التجربة القصصية. وعلي القاص أن يسعي وراء حمولته النفسية وتجاربه الشخصية ليفهمها في شموليتها وسط محيطه المحلي وداخل محيطه العالمي.أقول لا تترك نفسك خارج القصة فبكل ما تملكه من حمولات اخترق لنفسك سراديب خفية داخلها ثم ضع طلسمك الخاص وراءك للذين سيأتون بعدك قراء كانوا أو مبدعين.ـ 9 ـيري القاص اليوم أنه حالة خاصة لهذا لا يستطيع العيش مثل باقي البشر فاذا استعان بمنبهات للاوعيه ومسكنات لوعيه فلأنه يكتب أدبا لا يمكن للناس العاديين ـ أو حتي غيره من المبدعين ـ أن يأتوا بمثله واذا كانت شخصيته مركبة وغير عادية فلأنه أدرك أشياء لم يدركها غيره.صحيح أن المبدع الحقيقي شخصية نادرة جدا. وكانت فيما مضي تصر علي اختلافها بجميع الأشكال والأفعال الجنونية أو البطولية أو التراجيدية. لكننا اليوم نعيش عصرا مختلفا، عصر الكاميكاز بامتياز. عصر الانسحاق الكلي. قد يقضي الكاتب دون أن يحس أحد بغيابه وقد يكتب كتبا رائعة دون أن يهتم بها أو يقرأها أحد.أعتقد أنك أيها القاص في مثل هذا العالم الموبوء تحتاج جسدك كاملا قادرا علي تحمل الكبوات ومحتاطا أبدا من الهوّات. انس لذة الموت من أجل الكتابة، انس الفكرة المدغدغة للموت المبكر للكتاب العباقرة. تلك مجرد صدف نادرة. ولا تنس أن ماركيز ما زال يكتب عن عاهراته الجميلات ونجيب محفوظ عن أحلامه الصافية كبلور الثلج. فبدل أن ترسل السم الي عروقك أرسل السم في كتابتك وبدل أن تنهار في غياب أدني الشروط الانسانية للعيش الكريم والثقافة والابداع الحر، اعكس الأمر كي تنهار أقنعة الزيف والقهر والمسخ المحيطة بك، خرب استراتيجيتها الجهنمية بماء قصصك المترع بالانسانية والحرية، اجرف الأصنام والأساطير وحطم داعي الانتحار الواقف فوق رأسك. ـ 10 ـ القاص الحقيقي ينبغي أن يكون مثقفا عضويا، يعري الواقع ويفضحه، ليس واعظا طبعا أو مرشدا أو فقيها يكرر نفسه في ديمومة فكرية من التواطؤ والتنازلات تلك الأفكار التي لا يؤمن بها حتي هو نفسه.والتي يكتبها والندم يفترسه. تعساء يعيشون ويعبرون . أما القاص الحقيقي فلا يمل من نقد نفسه ومحيطه. علامات قصصه الرفض والتضاد والجرأة والخرق. لن يكون أبدا رومانسيا، ولا بوهيميا ضائعا بين استيهاماته وواقعه، لا واعيا بفعله الابداعي ومحيطه السوسيوثقافي. يقظا أكثر من اللازم لكي يدرك أن (الحكومات في الواقع لا تزال تضطهد الناس بجلاء، كما أن انتهاكا خطيرا للعدالة يستمر بالحدوث. واختيار المثقفين من قبل السلطة لغير أدوارهم واحتوائهم يستطيع أن يستمر بتهدئة أصواتهم علي نحو فعال، وانحراف المثقفين عن رسالتهم لا يزال هو القضية ذاتها غالبا)1. هذا لا يعني أن يكون القاص منخرطا في أحزاب أو مؤسسات سياسية بل عليه أن يكون ملتزما بابداعه وقيمه الانسانية راسخا في مواقفه التنديدية تجاه الفقراء والأغنياء، المغلوبين والطغاة علي حد سواء.هذا الكلام يعطي انطباعا ان فكرتي شريرة ومزدوجة وتدعو الي ثورة قصصية بينما الأمر لا يعدو أن يكون دعوة الي استقلالية قصصية في الفكر والابداع و اندماجا انسانيا في الواقع بمظاهره الجميلة والقبيحة والمخيفة.الاختلاف القصصي جميل ومسعي مشروط للوعي الذاتي والجمعي، الفكري والانساني.ـ11ـقال لي أحد العازفين الشبان علي آلة القيثار: تحتجون علي أزمة القراءة وأنتم تكتبون أشياء لا يفهمها أحد بل أجزم أنكم أنفسكم لا تفهمون ما تكتبونه.كان سؤاله حاسما وقاسما وأضاف: أنا أقسم لك أن الكتب الحقيقية والمفهومة توجد عند أغلب الناس. اكتبوا ما تحسونه وتعيشونه بصدق وتلقائية. أنتم الآن تكتبون لغير هذا الكوكب.وضعني هذا الشاب في مأزق حقيقي كيف أفسر له أن الكتابة هي ذاتها محاولة لفهم الصمت والغامض والملتبس والمعقد واللامرئي والمسكوت عنه. هي نفسها تحاول أن تؤول ما لا يؤول غالبا. انها تقع بين السطور تحاول أن تتمثل العالم المتعدد، فتفشل في ذلك ولا تستطيع الخروج من مأزقها، تتشذر وتتشظي في القبح والجمال. دائمة البحث عن خصوصيتها وتميزها عن باقي المكتوب والسائد. ـ12 ـالكتابة بصفة عامة نخبوية تكتب للنخبة. لا يمكن للأدب الا أن يكون نخبويا في واقع ضرير بنسبة تفوق الستين في المئة من الأمية. غصة هذا الواقع المرير وكذلك معضلة القراء المنقرضين يوميا تدفع بعض الكتاب الي تقديم التنازلات تلو التنازلات لكي يسهلوا القراءة علي قراء وهميين وهم بذلك ودون وعي منهم يلتحقون بطابور الأدب السطحي. هل فكر بورخيس في يوم من الأيام في مجتمعه الرابض تحت الجهل؟ هل فكر فيما سيلاقيه قراؤه في أنحاء العالم من مشقة لتفكيك دهاليز متاهاته؟ بل علي العكس فقد أسرف في تضييق المتاهات واغلاق المنافذ ليجعل من قصصه حدائق متشعبة من الأحلام والتاريخ والكتب؟! كاتب من المغربهوامشقاص مغربي متميز مات في مقتبل العمر منتحرا في الرباط. 1 ـ ادوارد سعيد: الآلهة التي تفشل دائما. ترجمة حسام ألين خضور. دار الكتاب العربي دمشق ـ القاهرة 2003 ص30.0