أحمد طه عاودت الأزمة السياسية في مصر الإشتعال مجدداً، على خلفية الأحكام الصادرة في حق المتهمين في مذبحة بورسعيد التي وقعت العام الماضي، والأزمة الراهنة ليست مستحدثة وإنما هي إمتداد متطور لأزمات مماثلة وقعت خلال الأشهر الماضية تباعاً، وتكشف عن أزمة بنيوية في أداء النخبة الحاكمة والنخبة المعارضة على السواء، والعلاقة بينهما، إلا أن متتالية العنف الآخذة في التصاعد كماً ونوعاً أزمة بعد الأخرى، كفيلة بدق كل أجراس الإنذار للطرفيْن من إستمرار الأمر على هذا النحو الذي يُنذِر بوقوع كارثة كبرى. فالنخبة الحاكمة مازالت أسيرة لضيق عقلية التنظيم وإستعلائه، ولم تخرج منه بعد إلى سعة المجتمع والوطن، ولم تدرك أن إدارة التنظيمات السرية المغلقة تختلف تماماً عن إدارة الدولة، ولسان حالها طيلة الأشهر الماضية أننا نقدر بمفردنا ولسنا بحاجة إلى أحد! ،… كما أن مفهومها للثورة توقف عند إستبدال أشخاص بأشخاص، والإبقاء على هيكل المنظومة القديمة مع إعادة طلائه بلونها، دون أن يمتد إلى تفكيك بنية منظومة الفساد والإستبداد. أما النخبة المعارضة فيغلب على أدائها المكايدة السياسية، فلم تعد تفرّق بين مصلحتها وصالح الوطن، والمعارضة عبر تقديم البديل والمعارضة بغرض النكاية، كما أنها خلطت بين المباديء والمصالح، فبعضها يحتّج على طريقة النخبة الحاكمة في الحكم، والبعض الآخر يحتّج على وجود النخبة الحاكمة في السلطة من الأصل، ويستبطن في خطابه الإطاحة بالرئيس الشرعي المنتخب أو إجراء إنتخابات رئاسية جديدة، وكلا الأمرين ليس حلاً للمشكلة.وتجدر الإشارة إلى أن الجزء الأكبر من المسئولية يقع على من في السلطة، لأنه بقرارته وممارساته يشكل السياق العام لتفاعلات الأحداث، وتحركات الفاعلين على المسرح السياسي، وفقاً لأبجديات العلوم السياسية.وليس بغرض إستحضار نظرية المؤامرة أو بهدف إلتماس الأعذار للنخبة الحاكمة، فالحقيقة أن المشهد الراهن الذي كشف عن مدى الشقوق الرأسية والشروخ الأفقية التي أصابت الدولة والمجتمع بمصر، استدعى تصريحاً شهيراً أدلى الجنرال ‘عاموس يادلين’ الرئيس الأسبق لجهاز الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية ‘أمان’ في أكتوبر 2010 قال فيه: ‘لقد تطور العمل في مصر حسب الخطط المرسومة منذ عام 1979 فقد أحدثنا إختراقات سياسية وأمنية وإقتصادية في أكثر من موقع، ونجحنا في تصعيد التوتر والإحتقان الطائفي والإجتماعي لتوليد بيئة متصارعة ومتوترة دائماً ومنقسمة إلى أكثر من شطر لتعميق حالة الإهتراء داخل البنية والمجتمع والدولة المصرية، ولكي يعجز أي نظام يأتي بعد حسني مبارك في معالجة الإنقسام والتخلف والوهن المتفشي في هذا البلد’. ولكن العجيب حقاً هو أن النخبة السياسية القديمة بكل ألوانها لم تعِ هذا الأمر، وقفزت على ‘غنيمة’ الثورة لتتنازعها فيما بينها، ولم تدرك أنها تتصارع على بقايا خراب وأرض يباب تمثّلت في مؤسسات دولة مُتحلّلة ومجتمع مُفكّك. فقد كشفت الأزمة عن كم الصدوع والشقوق التي أصابت مؤسسات الدولة، وطبقات المجتمع، بسبب سياسة النظام السابق، فاتسم أداء مؤسسات الدولة بالتخبُّط والإرتباك، لتصير جزءً من المشكلة وليس جزء من الحل.بالإضافة إلى شحوب وضمور مفهوم ‘الجماعة الوطنية المصرية’ لدى النخبة السياسية، وتقلُّص حضور التيار الرئيسي المصري، بسبب رواسب أيدلوجية متكلِّسة، ومرارات تاريخية متراكمة، إلى جانب الحضور الكبير لسوء الظن المتبادل وإنعدام الثقة، بعد عقود طويلة من غياب ثقافة الحوار وروح العمل الجماعي بين تيارات الفكر والعمل، كما أن الأخطاء التي وقعت فيها كل الأطراف بعد الثورة زادت الطين بلّة. أما عن المجتمع، فقد أدى غياب الدولة من جهة، وغياب المشروع الوطني الذي يعمل على تجميع الفئات والطبقات تحت هوية وطنية جامعة لعقود طويلة من جهة أخرى، إلى بروز هويّات فرعية وثانوية ناتجة عن تضخم الذات المهنية، والطائفية، والجهوية، والرياضية، ليكون المجتمع أشبه بجزر منعزلة، بعدما تمكّنت من جسده ‘القوارض’ الإجتماعية التي أدت إلى تفكيك شبكة العلاقات بين فئاته على حد وصف مالك بن نبي. وتقول حصيلة الأشهر الماضية بوضوح، أن تركة الخراب التي خلّفها النظام السابق تركة تنوء بحملها الجبال، فهي من الحجم والكم بما يفوق قدرة فصيل بعينه على أن يحملها بمفرده، كما أكدت غياب الرؤية والمشروع لدى أهل الحكم والمعارضة في مصر على السواء، إذ لم يستطع هذا الفريق أو ذاك أن يقدِّم رؤية مكتملة للتعامل مع كل هذا الكم من المشكلات، خلاف طريقة الإستئثار من جهة، وخطاب النكاية من جهة أخرى.فلابد من الحوار بين الفرقاء، شريطة أن يكون جاداً وحقيقياً على أسس واضحة، وأن تكون نتائجه ملزمة لكافة الأطراف عبر إتفاق مكتوب، وعلى أن يكون الحوار متضمناً لإعتراف كل طرف بأخطائه وقيامه بتقديم ‘إجراءات بناء الثقة’، وقائماً على أرضية تقاسم السلطة والمشاركة وليس المغالبة، وللتوصل إلى إتفاق ملزم يتضمن حلاً للنقاط محل الخلاف مثل تعديل بعض مواد الدستور، وصياغة قانون الإنتخابات الجديد، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني يكون من مهامها التعامل العاجل مع المشكلات الإقتصادية والإجتماعية، والإشراف على الإنتخابات البرلمانية القادمة.فعلى جميع القوى السياسية أن تُقدِّر مدى دقة وحساسية اللحظة الخَطِرة التي تمر بها مصر، وحجم التحديات التي تواجه الثورة والمرحلة الإنتقالية الصعبة التي نمر بها، وأن تُقدِّم مصلحة الوطن العليا على ما سواها من مصالح ضيقة، فسفينة الوطن إن نجت نجونا جميعاً، وفي مصر مُتسَعٌ للجميع. لَعَمرُكَ”ما”ضاقَت”بِلادٌ’بِأَهلِها’==’وَلَكِنَّ أَخلاقَ الرِجالِ تَضيقُ’ كاتب من مصرqmdqpt