د. مسعود عمشوشفي روايته الثانية ‘ظلمة يائيل’ يوظف محمد الغربي عمران تقنية الحكاية الإطارية التي تسرد كيفية عثور الراوي الأول على مخطوطة تاريخية قديمة تتضمن نص رواية تدخل في الغالب ضمن جنس الروايات التاريخية التي تسعى إلى تقديم رؤية مركبة وغير مباشرة للحاضر من خلال إسقاط الماضي على الحاضر. وفي الحقيقة استخدمت هذه التقنية منذ ظهور الفن الروائي، حيث نجدها في رواية (دون كيشوت) التي ألفها الإسباني سرفانتس في مطلع القرن السابع عشر، ورواية (اسم الوردة) للإيطالي إمبرتو إيكو (1980)، وفي رواية (شيفرة دافنشي) (2003) لدان براون. ونجدها كذلك في نصوص عدد من الروائيين العرب مثل مؤنس الرزاز في روايته (أموات في البحر الميت)، وأمين معلوف في روايته (سمرقند) (1977)، وعبد الخالق الركابي في نصه (الراووق (1986 ، ويوسف زيدان في روايته (عزرائيل) التي فازت بجائزة بوكر الرواية العربية، سنة 2008. ويبيّن لنا مضمون رواية (ظلمة يائيل) أن استخدام الغربي عمران لهذه التقنية يقترب كثيرا من استخدامها في روايتي (اسم الوردة) و(عزرائيل) اللتين تتضمنان أيضا رحلة طويلة يقوم بها الراوي/البطل لينتهي به الأمر بالوقوع في اضطراب عقائدي ديني ونفسي.
وما يميّز طريقة الغربي عمران في توظيف هذه التقنية هو عدم وضعها في بداية النص الروائي بل في هامشه، وتحديدا في هوامش نحو 14 صفحة من المتن، تقع بين صفحة 10 وصفحة 376. وتذكرنا هذه الطريقة بتضمين بعض النصوص التراثية في الهامش على نص آخر قد يرتبط أو لا يرتبط بنص المتن. ويروي نص الحكاية الإطارية لـ(ظلمة يائيل) كيف أن أحد موظفي وزارة الثقافة اليمنية الذي عيّن عضوا في لجنة مكلفة بجرد محتويات صناديق مخطوطات (الدار الوطنية للمخطوطات والوثائق) عثر على مخطوطة تحتوي على قصة تجري أحداثها في صنعاء عند منتصف القرن الخامس للهجرة. وفيها يسرد جوذر ثمرة زواج بين مسلم كان يعمل مساعداً لأحد زعماء المذاهب الدينية ويُقتل في إحدى موجات النهب والسلب لصنعاء وبين يهودية تـُنبذ من طائفتها اليهودية بسبب زواجها من ذلك الشاب، علاقته بشوذب ابنة مُعلمه النساخ صعصعة، الذي علَّمه إضافة إلى رسم الحروف ونقش الأشكال وتلوينها الكثير من معتقداته الباطنية. وحينما تتعرض شوذب للخطف والبيع كجارية، ويُقتل والدها، بسبب معتقداته التي يحاربها إمام صنعاء الجديد القادم من جبال صعدة، يتم القبض على جوذر ويلقى به في السجن. وحينما يخرج بعد سنوات باحثاً عن حبيبته يكتشف أنها رحّلت إلى مكة، فيرحل إلى هناك للبحث عنها خلفها، ويعود بدونها وهو يعاني من اضطراب نفسي وعقائدي شديد.
أما راوي الحكاية الإطارية فيحكي في نصه الهامشي كيف أنه الجهات الأمنية قد اودعته في السجن بسبب الطريقة المريبة التي تمكن بواسطتها أخذ المخطوطة من صندوق دار المخطوطات جزءا جزءا وتسريب ما فيه من معلومات لنا نحن القراء. وفي السطور الخيرة من نصه يعلمنا أنه ‘قد تم فصله عن عمله بسبب افشاء اسرار العمل وخيانة الأمانة’ص376.