هوامش من يوميات رحلة باريسية

حجم الخط
0

د. إبراهيم صحراويبداية الرِّحلة في البهو الداخلي للمطار وقبل عبور الحدود الأمنية والجمركية دعوت صديقي وزميلي وجاري رابح الذي أوصلني إلى هناك إلى تناول قهوة في أحد المقهيين الموجودين في الطابق الأرضي. عند الدَّفع بحثت جيِّدا في الواجهة عن لوحة الأسعار فلم أرَ شيئا. سألت النادل فقال إن الأمر مجرَّد إهمال لم يُنتبَهْ إليه. غير أنَّني سرعان ما انتبهت إلى الحقيقة بعد ذلك: ثمن فنجان القهوة هنا 100 دينار بالتمام والكمال، أي ما يعادل ثمنها سبع مرات في مقاهي المدينة مع أنها ليست أحسن منها في شيء، بل ربما يكون العكس هو الصَّحيح. وعلى الرغم من اعتيادية الأمر إلى حدٍّ ما لأنَّه يحصل في كلِّ مطارات العالَم، فإن غير العادي هو الاحتيال غير المباشر على الزبائن والمتمثِّل في عدم إشهار الأسعار لأن عكس ذلك سيثنيهم بطبيعة الحال عن تناول أي شيء في المشرب.. لم أُقاوِم رغبتي الشديدة في مُصارحة الشخص القائم على الصندوق بهذه الملاحظة.. نظر إليَّ نظرة فهمت أنَّها غير ودية وابتعدت.. في الطائرةأُسافر بالطائرة منذ ثلاثين سنة تقريبا إلى باريس والعواصم العربية المختلفة بمعدَّل ثلاث إلى أربع مرات في السنة، غير أن ذُعرا شديدا انتابني هذه المرَّة ( على غير العادة).. كانت كلُّ مقاعد الطائرة مشغولة. أزيد من نصف الركاب نساء وأطفال، عائلاتٌ كانت تقضي عطلة شهر شباط ( فبراير) المدرسية ( الفرنسية) في الوطن. كانت الأحوال الجوية مضطربة فكان على الطائرة أن تعبُر منطقة الاضطرابات محدثة اهتزازات شديدة ومرعبة نظرا للمطبات الهوائية كما يُقال، ومع إيماني العميق بأن ‘ لكلِّ أجلٍ كتاب’ كما قال تعالى إلاَّ أنَّني لم أتحكَّم في خوفي، عندها فهمت سرَّ ما نسمعه عن كثير من الشخصيات التي لا تركب الطائرة، أي المُصابة بالخوف ( أو فوبيا) من الطائرة، لم أتمالك نفسي عن التصفيق مع كلّ ركاب الطائرة عند نزولها على أرضية مطار أورلي تحية لقائدها وطاقمه الجزائري الخالِص، كما لم أتمالك نفسي عن الأسف لهجرة هؤلاء والتحاقهم بشركات طيران عربية وأجنبية. على كلّ، سأبقى أسافر بالطائرة إلى ما شاء الله.. تجمُّعات وتخلُّفعند الانصراف من مسجد باريس بعد أداء صلاة الجمعة ( 04 / 03) كان بعضهم يوزِّع أوراقا. استلمت إحداها فإذا هي دعوة إلى تجمُّع سيعقده ‘ تحالُف الحرية والكرامة’ الليبي في إحدى القاعات في الدائرة الحادية عشرة، على الساعة السابعة مساء لمناصرة الشعب الليبي في ثورته بحضور ‘ وجوه من المعارضة الليبية وشخصيات عربية وفرنسية’. كانت الورقة تحمل كل المعلومات اللازمة باستثناء معلومة واحدة ( أساسية) لم أنتبه إلى غيابها إلاَّ عند اصطدامي بهذا الغياب على أرض الواقع. ذهبت مساء إلى مكان التجمُّع مُناصرةً للشعب الليبي من جهة وأملا في رؤية بعض الأصدقاء من جهة أخرى خصوصا الصديقة سعاد و. إحدى الناشطات الليبيات هذه الأيام في باريس، وكنَّا قد خطَّطنا للقاء قبل ذلك على هامش وقفة احتجاجية أمام سفارة فنزويلا في نواحي شارع كليبر إلاَّ أن الظروف لم تسعفني في حضورها. المهم، وصلت إلى المكان، سألت عن القاعة التي يُعقد فيها التجمُع فإذا بعامل الاستقبال يعلمُني بأنَّه مُبرمَج لمساء الغد السبت ( 05 / 03)، عدت أنظر إلى الورقة مرَّة ثانية فإذا هي لا تتضمَّن أيَّ إشارة إلى تاريخ التجمُّع إطلاقا، والأكيد أنَّني لست وحدي من عانى من هذا الإهمال. صورة من صور التخلف العربي وأين؟ في باريس حيث يمشي كلُّ شيء بحساب وتدور كلُّ دواليب الحياة بتخطيط مُسبق، والمُحزِن أن الخطأ وقع في إعلان عن حدث يتصِل بأحداث أخرى جسيمة يتوقَّف عليها مصير وطن وشعب وأمَّة. ومع ذلك وجدت ألف عُذرٍ للجماعة وعُدت مساء السبت ( 05 / 03) إلى المكان المذكور. بدأ المتدخِّلون في إلقاء كلماتهم. أعطى هيثم منَّاع ( مُنشِّط التجمُّع) الكلمةَ لأحد من كانوا على المنصَّة والذي كان مُنتظرا منه تقديم شهادات ميدانية حيَّة. بدأ حديثه مُبشِّرا بالثورة التي ستعُمّ البلادَ العربية وراح يُعدِّد بعضَها حتى أتى على ذِكر الجزائر. لم أشعر بنفسي إلاَّ وأنا أقول له بأعلى صوتي: ‘ خليك في ليبيا يا أخانا’، وخرجت مُنسحبا، ونظرات الحضور ( القليل) تُشيِّعني. صحيح أنَّني لست من مُناصري النِّظام في الجزائر ( كما أنَّني لست من معارضيه) وليس بيني وبينه أيُّ وُدٍّ، غير أنَّني ككل جزائري لا أحب أن يتحدَّث أحد عن بلدي من غير أهلها حديثَ تحريض أو تشنيع سيما في الخارج. نختلف فيما بيننا بحدَّة، نتشاجر، لكن نُسوِّي مشاكلنا فيما بيننا أيضا وبلا أي تطفُّل من أيٍّ كان.

انسحبت إذن دون رؤية الشخص الذي كنت أبحث عنه غير أنَّ فرصة أخرى لاحت وفي ظرف مُشابه. وقفة احتجاجية أمام وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية في ‘ رصيف أورسيه – Quai dOrsay ‘ لنشطاء ليبيين وعرب، على الساعة السابعة من مساء يوم الثلاثاء ( 08 /03). ذهبت في الموعد المُحدَّد. لم يكن عدد الحضور كبيرا. مجموعة صغيرة حوَّلتها الشرطة عن المكان المُحدّد بدءا إلى الشارع الخلفي، شارع الجامعة في الساحة المقابلة للواجهة الخلفية لقصر بوربون مقرّ الجمعية الفرنسية ( البرلمان). طوَّقتها الشرطة وكاميرات التلفزيون. تعرفت ضمن الحضور على هيثم منَّاع. كانت هتافات المجموعة ( بمكبِّر الصوت) مُناهضة للقذافي ساخرة منه ومندِّدة بساركوزي وبالتخاذُل الأُممي وسكوته عمَّا تعتبره مجازر ضدَّ الشعب الليبي. بقيت بعيدا بعض الشيء واقفا أمام المقهى المقابل للساحة مُتجنِّبا الكاميرات حتَّى نهاية التجمّع.. التقيت سعاد. تحدَّثنا بعض الشيء متبادلين الاعتذار عن عدم مناسبة ظروف اللقاء وعدم اعتياديتها.. عبَّرت لي عن خيبة أملها وأسفها الشديد من قلَّة عدد الحضور لأنَّه في رأيها قِلَّة اهتمام من الجاليات العربية كبيرة العدد في باريس، وعدم تقدير منها للدَّم الليبي الذي يسيل أنهارا وعدم اهتمام بتضحيات الشعب الليبي كما قالت. خصَّت بالعتب الجالية الجزائرية التي تقارب المليون في تقديرها.. هدَّأتُ من روعها قائلا إنَّ لكلّ ٍ عُذره ومشاغلُه، وإنَّ المهمَّ في الثورة هو عمل الداخل وليس تجمُّعات الخارج.. الخ. لم تقتنع بكلامي ولم تُخف مرارتها وتشاؤمها، سيما وأن أخبارا وصلتهم في ذلك اليوم مفادها أن القذافي يُحضِّر لِعمَلٍ ما ضدَّ الزاوية.. افترقنا بعدها. اعترضني شرطي كان في المكان. سألني إن كنت من المتظاهرين فأجبته بأنَّني مجرّد مارٍّ فسمح لي بالعبور إلى الرصيف المُقابل.. والانصراف. مُحاضرةقرأت في إحدى الصُّحف الصباحية المجانية التي تُوزَّع في كبرى محطات المترو الباريسي وفي بعض المقاهي ومطاعم الوجبات السريعة صباح هذا الاثنين ( 07 / 03) أن الكاتب الجزائري ياسمينة خضرة سيكون ضيف جلسة اليوم من ‘ محاضرات المحامين’ الذي تنظِّمها نقابة محاميي باريس في قاعة مكتبتها في قصر العدالة المقابل لشارع سان ميشال والقريب جدا من كنيسة السيدة الباريسية ومقر مقاطعة شرطة باريس ومقر بلدية باريس ومواقع مهمَّة أخرى.. سَعِدتُ بالإعلان واعتبرته فرصة لرؤية هذا الكاتب والاستماع إليه، ذلك أنَّني لا أعرفه إلاَّ سماعا. لم أره ولم أقرأْ له ولم أتحدَّث إليه سابقا. لقاء اليوم هو الجلسة الثامنة من سلسلة لقاءات تعقدها النقابة وتحمل اسم ‘ الدور الأول من مسابقة المحاضرة’ يتبارى فيها المحامون والمدعوون في إلقاء محاضرات بليغة في الموضوع المُحدَّد سلفا للجلسة. يكون التدخُّل أطروحة th’se – و/ أو نقيضة – anti th’se تليها شميلة -synth’se يُلقيها مقرِّر الجلسة. كان موضوعا اليوم هما: 1. هل يمكن اختراق جدار الصَّمت؟ 2. الأحلام، هل هي وعود بفجر جديد؟.. وقفت في طابور طويل من أشخاص كانوا ينتظرون دورهم لدخول القصر هم أيضا. بعد إجراءات التفتيش الصارمة تبعت بعضهم حتى دخلت القاعة فإذا هي غاصَّة بالحضور وكلُّهم تقريبا ممن كانوا في الطابور.. القاعة فخمة. تصطف رفوف الكتب ( وهي رفوف خشبية من الطراز القديم) على طول جدرانها الأربعة. في صدرها طاولة كبيرة توجد مقابلها وعلى جانبيها مقاعد خشبية طويلة مكسوة بقطيفة حمراء تتسع لقرابة ثلاثمئة شخص أو أكثر كانت مشغولة عن آخرها. بدأت الجلسة بإجراءات وطقوس تشبه تلك التي تُفتتح بها جلسات المحاكم. دخل رئيسُها ( وهو نائب النقيب) يتبعه عدد من المحامين وكلُّهم يلبسون روب المحاماة. اصطفوا على حافة الطاولة / المنصَّة المُشار إليها ثمَّ أخذوا أماكنهم بعد أن أمر رئيس الجلسة الحضور بالجلوس وكان الجميع قد قام احتراما عند دخولهم القاعة. افتتح الرئيس الجلسة مُرحِّبا بالكاتب ياسمينة خضرة مُثنيا على أدبه قبل أن يُحيل الكلمة إلى المتدخِّلين الآخرين الذين تعلَّقت نصوصهم بالموضوع الثاني: موضوع الأحلام وما إذا كانت واعدة بفجر جديد، إذْ لم يهمَّ الموضوع الأول أيَّ متدخِّل كما أشار إلى ذلك رئيس الجلسة. ألقى المتدخِّل الأول وكان مُحاميا شابا نصَّا بليغا كان ردّا بالإيجاب عن السؤال الموضوع. تلته مقرِّرة الجلسة التي قرأت بدورها نصَّها وكان جميلا وبليغا أيضا، قبل أن تُحال الكلمة إلى ياسمينة خضرة نجم الحفل والذي كان جلُّ الحضور ( وكانوا خليطا من فرنسيين وعرب منهم جزائريون كثيرون) قد أتوا من أجله. هنا كانت الخيبة والمفاجأة غير المُنتظرة. قال صاحبنا أنَّه ليس بليغا بالقدر الذي يسمح له بإلقاء محاضرة عن نفسه وعن أدبه، وأنَّه يُفضِّل أن يكون الحوار بينه وبين قرائه مباشِرا. هم يسألون وهو يُجيب. وأردف أنَّ إحداهن قالت له بالحرف الواحد: الحمد لله أنَّها قرأت له قبل أن تسمعَه.. ساد القاعة سكون عميق للحظات، إذْ لم يسأل بطبيعة الحال أحدٌ. فكَّرت شخصيا في إلقاء سؤال بخصوص تصريح له عن ترجمة رواياته إلى اللغة العربية وغيرها من اللغات الأخرى، غير أنَّني أحجمت عن ذلك في اللحظة الأخيرة لأنَّني كنت في حقيقة الأمر في رحلة علمية أكاديمية ( رسمية) ومثل هذه الرحلات المُقيَّدة يحكمُها واجب التحفُّظ المِهني الذي يدفعك إلى التقليل من الظهور العلني قدرَ المُستطاع.. بعدها أحال رئيس الجلسة الكلمة لأحد المحامين ممن كانوا على المنصَّة لتقديم برنامج الجلسة المقبلة.. قبل أن يرفعها وينصرف الحضور وكلُّهم أسف كما خُيِّل لي ـ وكما كنت أنا شخصيا – لقِصرها ولعدم تمكُّنهم من إشباع فضولهم تجاهَ ضيف الشَّرف فيها. وقياسا على المثل العربي الشهير ‘ تسمع بالمعيدي خير من أن تراه’ خرجت مُردِّدا: تقرأ لياسمينة خضرة خير من أن تسمعه أو تراه.

حنين وطقوسكلما زرت باريس يقودني الحنين إلى حيِّي السابق فيها: الدائرة الرابعة عشرة ومحيط شارع داقير وفروادفو خصوصا، فأقيم هناك طيلة فترة تواجدي. أبدأ نهاري الباريسي بتناول قهوتي الصباحية في مطعم ماكدونالد الموجود بالحي لأشرع بعدها في أعمالي حسب البرنامج المُسطَّر. كما يقودني الحنين أيضا إلى أماكن كثيرة كنت دائم التردُّد إليها، فلم أتمالك نفسي هذه المرة عن دخول مكتبة جامعة السوربون الجديدة ( جامعتي سابقا / باريس الثالثة) مع أنَّني أشتغل عادة ( وككلّ مرة) في مكتبة معهد العالَم العربي لاحتوائها على بعض المراجع التي نحتاج إليها من حين لآخر إضافة إلى إمكانية قراءة الصُّحُف العربية فيها. كنت أتردّد على مكتبة جامعة باريس الثالثة بكثرة أيام الدراسة والشباب، كما زرت جامعة باريس الثامنة في ضاحية سان دوني حيث كنَّا نحضر ( زملائي وأنا، ومعظمهم من النقاد والدارسين النشطين اليوم) درسَ المرحوم جمال الدين بن شيخ بحثا عن كتابٍ نقدي من مطبوعاتها نفد من مكتبات باريس العامَّة.. مطعم الحيّ الجامعي الدولي استهواني هو أيضا هذه المرة فتعشَّيت فيه مرات عديدة، خصوصا عندما لا أذهب إلى المطاعم العربية في حيِّ بارباس.. ومع تغيُّر الأجواء فيه واختلافها عمَّا كانت عليه شعرت كأنَّني ‘ لا رحت ولا جيت’، كأنَّني ما زلت مقيما في باريس كما كنت منذ أزيد من عشرين سنة.. من طقوس هذه الزيارة أيضا ـ مثل الزيارتين السابقتين، وكنت مصحوبا فيهما بالمدام – الجولة اليومية الليلية في شارع الشانزليزيه إلى ساعة متأخِّرة، من مخرج محطة مترو النجمة / شارل ديغول، الملاصق لمقر السّفارة القطرية – إلى أسفل الشارع عند حدود ساحة الكونكورد، نزول وصعود يتخلّلهما ارتياد للمحلات الكثيرة التي يغصُّ بها الشارع مُعاينة للمعروضات ممَّا قد يعنيني، سيما وأنَّني مُطالَب كما في كل مرة بأشياء بعينها من ابنتي خصوصا وهي صعبة الذوق والاقتناع تُدقِّق كثيرا في جزئيات ما تطلبه.. أخيرا.. إجراءات التفتيش عند آخر حاجز أمني قبل ركوب الطائرة في مطار أورلي مُقلقة كثيرا لكنَّها إجراء لا بدَّ منه. رحلة العودة كانت في الموعد المُحدَّد بالضَّبط ـ وهذا شيء نادر ومُدهش ومفاجئ كثيرا، من شركة الخطوط الجوية الجزائرية، وكنا في رحلة القدوم قد تأخَّرنا، في مطار هواري بومدين أزيد من ثلاث ساعات. أول مفاجأة كانت حديثَ قائد الطائرة للمسافرين بعربية سليمة جدا ـ حتَّى لا أقول راقية – وبدايتَه هذا الحديث بالبسملة، وهو ما أسمعه للمرَّة الأولى على متن خطوطنا الجوية.. الطائرة على كِبرها كانت شبه فارغة لا يزيد عدد الركاب فيها عن الثُّلُث.. الأحوال الجويةُ لم تكن مضطربة، ومع ذلك لا تملك عندما تحطُّ الطائرة على أرضية المطار إلا التصفيق مرَّة أخرى تحية للقائد وطاقمه والاعتزاز بكون هذا الطاقم ـ الطيار ومعاونيه – من أبناء بلدك وإطاراتها الكُفؤة، كما لا تملك أيضا إلاَّ الأسف لرؤيتهم يَهجرون بلَدَهم وشركَتََهم العمومية إلى بلدان أخرى وشركات خاصَّة تُوفِّر لهم ما يضنُّ به عليهم بلدُهم وأهلُه. كاتب من الجزائر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية