خيري منصور
في واقع انعطبت معظم بوصلاته، بحيث صار التمدد العشوائي للهوامش وهي تزحف باتجاه المتون، سواء كان الامر ثقافيا او سياسيا او حتى اقتصاديا، وما أعنيه بالهوامش في هذا السياق ليس تلك القارة المسكوت عنها في حياتنا، لأن الهامش بهذا المعنى هو جذر المتون كلّها، لهذا أعادت الحداثة الاعتبار لهذه الهوامش المهجورة والمنسية على قارعة التاريخ، وما يحدث الآن بسبب الخلل البنيوي الذي لم يسلم منه خيط في النسيج هو تبسيط المعقّد مقابل تعقيد البسيط، فالماضي أصبح قابلا للاختراع والتصنيع، وكذلك المتاحف، وثمة من يخترعون اطلالاً تفوح منها رائحة الكلس والجصّ!
ان تهميش المتون يتجلى ثقافيا في قلب المعايير التي تقطّرت من الخبرة البشرية عبر عدة ألفيات بحيث تلوى اعناقها كي تتأقلم مع حالة التَّسفيل، وهو مصطلح مقترح كمقابل لما سماه سيغموند فرويد التصعيد، فالسّجال الآن سواء كان بالكلمات او اللكمات او انتهى الى حروب محكوم بقوة الغرائز، والقلب هو الذي يتولى التفكير، لهذا فإن الانفعالية الموسمسة هي اول ما يتسم به هذا السّجال، وهذا ما يذكّرنا بأمثال من مختلف الثقافات خلاصتها ان قشرة الرخام ما ان تكشط حتى يظهر تحتها الطين وما يعشش فيه من كائنات العالم السفلي، ذلك لأن الطبع اقوى وأشد نفوذا من التطبع حسب الاطروحة الخلدونية المعروفة، والمثقف العربي الذي يرصع خطابه بما يتوهم انه حجارة كريمة من المصطلحات ذات الاشعاع الفسفوري الخاطف للأبصار سرعان ما يعود الى جبلة بن الأيهم والفارق شكلي بين داحس وأحدث السيارات.. أما السيّدة البسوس فلا بأس في ان تبدو في هذه الحفلة التنكرية وهي ترتدي بنطالا يعتصر ردفيها وترطن ببضع مفردات من معجم اللغات السياحي!* * * * * من يتأمل المعمار الحديث للمدن العربية خصوصا العواصم يجد ان مراكز هذه المدن وسرّاتها الحضارية قد تحولت الى خرائب، اما الضواحي فقد تمددت وتسرطنت معماريا وطبقيا بحيث تفتضح ثقافتها السائدة كل ما يرشح من نوافذها، واحيانا تكفي قراءة حبل غسيل على سطح بيت للتعرف على الخليط الذي تشتبك عناصره داخل المنزل، بدءا من شروال الجدة وكوفية الجد الى الجينز ومشتقاته! وغياب التجانس هذا ليس تعبيرا عن حريات داخل البيت، فمثل هذه الحريات لا وجود لها كما نعرف عن كثب وكما نرى بالعين المجردة، كل ما في الأمر ان مجتمعات تعيش نصف حداثة وربع اتباعية وارتهان للأعراف وربع رعوية في منظومة القيم، تتحول ثقافتها الى ما يسمى طبيخ الشحادين حيث لا يجانس بين محتويات هذا الركام غير قشرة الاناء الذي وضعت فيه!
اذكر ان الشاعرة الراحلة نازك الملائكة كتبت في بواكيرها مقالة لا علاقة لها بالشعر والنقد، فقد كانت عن الكعب العالي الذي تتورط به النساء، ولم يثر هذا المقال اهتمام أحد لأنه ليس من ملكوت ما نتصور بأنه الثقافة، وحقيقة الأمر ان ذلك المقال قد يتفوق على مقالات اخرى كتبتها الشاعرة عن النقد وحدود الحداثة حسب تصورها، وهذا مثال ايضا على ذلك النمط من الهوامش التي تمهد الطريق الى المتون، والدراسات الحديثة او الحفريات التي تعنى بالمقهى والرصيف وشكل الأثاث والمعمار والمقابر تبدو لمن يرون الثقافة حكرا على مقولات مجردة ومطارحات نظرية خالصة كما لو أنها من هوامش الهوامش، لكن ما أن يعرف هؤلاء بأن باحثا آسيويا درس واستقصى تجليات الديكتاتورية والنظام الباترياركي في بلاده على الاثاث والعمران حتى يختلف الأمر… وقد يكون من اللافت او حتى من المدهش ان ثقافتنا العربية بكل حمولتها من مزاعم التحديث تكاد تخلو من دراسات تتقصى أثر عدم تداول السلطة في العالم العربي، فهذا الثبات يؤدي حتما الى استنقاع يشمل كل شيء، اذ ما جدوى أحزاب مثلا اذا كانت مجرد اندية اجتماعية أقصى ما تثرثر حوله هو الإصلاح عن طريق الترميم وبالتالي المدّ من اعمار وصلاحيات الرّاهن!* * * * *لسنا هنا للدفاع عن الهوامش خصوصا من ذلك الطراز الذي وصفه الشاعر الألماني رينر ريلكة بأن الواحد بالمئة منه أهم من التسعة والتسعين بالمئة، وان كان الهامش كما رآه ريلكه ليس مجرد التفصيل العابر، بل ذلك التجلي الذي يعكس الجوهر كلّه او يفتضح غيابه، لأنه اضاف شرطا للهوامش يعدّ من اصعب الشروط وهو أن يكون ذا اشعاع يصل به الى الأبدية!
ومصطلح التهميش كما نتداوله في ثقافتنا العربية يعني بأن ما يجري تهميشه كان متنا او أصلا ثم تحول الى هامش رغما عنه، وقد يليق هذا الاستخدام للمصطلح بالطبقات الاجتماعية خصوصا بعد أن أعلن اكثر من مفكر عربي وداع الطبقة الوسطى، وهي الحاضنة النموذجية والدافئة للحراك برمّته، بدءا من السياسة حتى الثقافة، لكن هذا الفهم يفرض علينا مجددا تحرير مصطلح السياسة من كل ما علق به من ذرائعية ووصولية وفهلوة، فالسياسة في النهاية هي علم تغيير المجتمعات، من خلال بثّ الاستحقاق لمن يعانون من عدم الاستحقاق ويصدقون المواعظ والامثال والحكم الخرقاء التي حقنوا بها منذ الطفولة وهي مدّ الساقين على قدر الفراش وتقبيل الكف تعبيرا عن القبول بما تيسّر… بينما رهان ثقافة الاستحقاق، التي تعيد للإنسان آدميته المهدورة هي في اجتراح الطريق الى ما تعسّر وليس الى ما تيسّر… فالحرية عسيرة وكذلك تحقيق الذات بوعي مفارق وليس مطابقا للسائد من أدبيات التّدجين!* * * * * *قد يكون هناك متون بلا هوامش ومنها على سبيل المثال مرجعيات المعرفة الأولى او ما سماه كارل ماركس بكارة البشرية غير القابلة للتكرار، لكن ما من هوامش بلا متون بحيث تكتفي بذاتها، فهي مجرّد إحالات الى نصوص ومراجع سواء تعلّق الأمر بالاسطورة او التاريخ.
لكن انعطاب البوصلات، وضياع الجهات وهذه الحالة السديمية التي انعدمت فيها التضاريس لأي شيء اتاح لهوامش بعينها ان تصبح متونا، لهذا بدت أقرب الى الفعل المبني للمجهول، حيث ما من فاعل على الإطلاق، بل نائب فاعل يتولى الخيال صياغته كما يشاء!
وهذه مناسبة لاستذكار أطروحة انشغل بها المثقفون العرب زمنا وهي ثنائية المركز والمحيط، تماما كما انشغلوا زمنا آخر بثنائية الأصالة والمعاصرة، وفي الحالتين كان الطرح ملتبسا وبه اساءة فهم للجغرافيا كما انها ليست تاريخا أصابه التصلّب، لهذا لم تنته تلك السجالات حول هذا النمط من الثنائيات الى نتيجة، وبقي الباب مفتوحا على مصراعيه امام طرح جديد يبدأ من اعادة تصويب الاسئلة وصياغتها على نحو تصبح فيه قابلة للإجابة… ان الهامش والمتن من صميم الفيزياء ايضا ومن صلب هذا الوجود وليسا حكرا على التاريخ والثقافة، لكن ما يسمى العنصر المساعد في الفيزياء له مرادفات سياسية وثقافية في واقعنا العربي، فهل نبدأ باستقصائها تباعا؟