العراقيون في هولندا اكثر حرية من بلادهم… والسينما اعظم علاج لمداواة الصداع البشري!
إسلام.. وحديث عن استشراق إدورد سعيد ومساجد بلا مكبرات صوت وحرية دينية
سعد القرش بدا مطار سخيبول في امستردام، هذه المرة، اقل اتساعا مما كان العام الماضي. لعل الفة المكان جعلته اكثر دفئا، بما يساعد علي اجتياز مسافة كبيرة، في طقس شديد البرودة.
يعد المطار مدينة كبري، وسوقا يباع فيها كل شيء، اللهم الا الطائرات. هنا تجد تراث السينما العالمية، وبعض المأكولات الشعبية، وتمثلها سمكة تأتي في هذا التوقيت الي بحر الشمال، وتبيعها سيدة ترتدي زيا هولنديا تقليديا لم يعد موجودا في الشارع. اما البرج فتري منه مشهدا كليا للمطار الذي يعد الاوسع في العالم، كما تري علي المدي جنة الله في ارضه. ولعل قول المستشرق الهولندي بيتر شورد فان كونينجسفيلد، لي فيما بعد: هولندا دار الاسلام، تشير ولو ببعض المزاح، الي ان هذا البلد، الاشبه بجنة تجري من تحتها انهار كثيرة، هو الروح الطليقة.
والروح لا سلطان عليها: تتحرر من الجسد، لتعود اليه في صدمة الاستيقاظ. وما دام الجسد قويا، فهو قادر علي تحمل الروح حين ترتديه، واذا اصيب بالعطب، تبحث الروح عن جسد آخر.. فتيّ قادر علي تحمل نزواتها. لهذا وجدت البوذية حلا لمشكلة الموت، فالميت واهله لا ينزعجون من فناء جسد يرونه مجرد وعاء لم يعد صالحا، ويجب في احدي المراحل التخلص منه، كي تبحث الروح عن جسد تتجدد معه.
هولندا هي تلك الروح المتجددة: روح قوية، او تكتسب قوتها من القانون، او العقد الاجتماعي، الذي اقره الجميع ويخضعون له طواعية، باحترام يؤكد انسانيتهم، بعيدا عن الرقابة، او الخوف من العقاب. لهذا يمكن ان تتجول اسبوعا، في ثلاث مدن كبري، ولا يخدش عينيك، مشهد مصري بامتياز، تصطف فيه عشرات السيارات المصفحة، وتفرض طوقا امنيا حول مبان مخصصة لانبل المهن، كالقضاء والصحافة والمحاماة. حدث هذا في القاهرة، اكثر من مرة في الاشهر الاخيرة، وبدا الامر كأنه مشهد في فيلم عبثي، ديناصور في مواجهة انسان: اسلحة تكفي للرد علي (او الثأر من) قتلة الجنود المصريين في رفح، في مواجهة شرفاء يحملون قلما، او يرتدون وشاح العدالة. ربما يشعر الديناصور ان غيابه احد قوانين الطبيعة، التي لا تحتمل بقاء امثاله، ممن يمكن القضاء عليهم بوخزة قلم، لينهار التمثال، ويسقط سليمان علي عصاه.
يتخذ القانون في مصر غطاء لحماية الفساد، وفي هولندا اصبح القانون كالماء والهواء، جزءا من حياتك، تتنفسه ولا تشعر به، وربما يمر وقت طويل حتي تشعر بالحاجة اليه، فانت مثلا لن تلجأ اليه مختصما الشرطة، لانك لن تفاجأ بضابط وظيفته تطبيق القانون، اصيب والعياذ بالله بالجنون، او عمي الالوان فيخلط بين الرئيس والدولة، ويتصور ان مظاهرة سلمية كفيلة باسقاط نظام حديدي، فيصاب بالهوس ويبادر الي سحق قاض بحذائه.
هل كان ذلك سبب الصداع الذي لازمني طوال سبعة ايام؟
، ربما. لكن السينما، اعظم انجاز بشري كانت علاجا، يفوق مسكنات واظب علي امدادي بها، يوميا حتي من دون ان اطلب، المخرج الفلسطيني المقيم بالمانيا عبد الرحمن عثمان، والمنتج السينمائي المصري محمد زين.
العلاج بالسينمافكرة جديدة تماما ان اجرب العلاج بالسينما، ان تسرقني الافلام من نفسي ومن الصداع الدائم، وهو جهد يجب ان نحيي عليه القائمين علي مهرجان الفيلم العربي العربي بروتردام: مديره الدكتور خالد شوكات، ومديره التنفيذي الناقد انتشال التميمي، ورئيسه محمد ابو ليل، اما الرئيس الشرفي فهو الكاتب محفوظ عبد الرحمن. بيني وبين خالد مساحة من الصداقة والاتفاق علي قضايا كثيرة، كما نختلف علي اشياء كالاحتلال الامريكي للعراق مثلا. اما انتشال الذي يحمل هم العراق علي كاهله اينما يذهب، فتكفي مقولته التي صارت عنوانا له مشتاقين، لمدّ جسور صداقة تبحث لنفسها عن تاريخ ما قبل اللقاء الاول بسنين. فضيلة انتشال، علي عكس بعض العراقيين، انه لا يملك يقينا فيما يخص عراقا مفتوحا علي كل شيء: المقاومة والعنف الواجب، والارهاب، والاحتلال المهين لبلاد عرفت الكتابة والقانون والحرية وفكرة الدولة، حين كان الامريكيون الاصليون والمرتزقة الوافدون لا يدركون هذه الافكار.
في مجمع سينراما، الذي استضاف عروض المهرجان (30 ايار ـ مايو 2006 حتي 4 حزيران ـ يونيو)، كان يعرض فيلم (شفرة دافنشي)، وقدرت ان الافلام الآتية من عواصم عربية واجنبية اولي بالمشاهدة، فلن تتاح لي فرصة مشاهدتها في مكان آخر، اما (شفرة دافنشي) فيمكن ان اشاهده في القاهرة. كنت افكر بحرية، او ما تصورت انه كذلك، وانا في بلد كل شيء فيه طليق وصريح، ولا شيء يدعو للنفاق او المزايدة، علي الافكار او الايمان. كنت متفائلا اكثر من اللازم، فعند عودتي الي مصر، كانت هناك مفاجأة: صادرت شرطة المصنفات الفنية نحو الفي نسخة مقلدة من الفيلم، باوامر جهات رسمية، ثم في مشهد تعبوي، اعلن مجلس الشعب الحرب علي الفيلم والرواية، في زمن عز فيه اعلان حروب الكلام علي اعداء حقيقيين. وفي حركة استعراضية، اعلن فاروق حسني وزير الثقافة امام اعضاء البرلمان مصادرة الرواية ومنع دخول الفيلم المأخوذ عنها، بحجة اساءتهما للدين المسيحي. وابرأ ذمته موضحا ان نسخ الفيلم الموجودة في مصر، لم تدخل بطريق رسمي، وانما من خلال القرصنة. لم ينس، هو الوزير الحويط، ان يؤكد ان النسخ المتداولة من الترجمة العربية للرواية طبعت خارج البلاد.
في حالة قوة الدولة، هولندا مثلا، قل ما شئت، واعلن والعن من تشاء وما تشاء، واقرأ واكتب وشاهد ما شئت، فمعدة الدولة والمواطنين تهضم كل شيء، ولها ان تستفيد من هذا او تلفظ ذاك، بدون ارهاب صاحبه (الارهاب لغة هو الترويع). هذا بلد مفتوح علي كل شيء، بشرط الوضوح والشفافية؛ فاذا اردت ان تتاجر في الحشيش فلا حرج. حلال عليك الربح وعلي الحشاشين الكيف وعلي الدولة الضرائب. ليس ضارا بالاخلاق، ولا بالصحة ولا بالنظام العام. ادفع الضرائب المستحقة، وتوكل علي الله. واذا اردت ان تذهب الي حي المتعة في امستردام، ستجد امامك كل الوان الطيف، وعليك ان تختار باحترام، ولا تحاول ان تنتهك انسانية امرأة بان تصورها خلسة بكاميرا او هاتف محمول، سيأتيك من حيث لا تتوقع من يطلب اليك بهدوء ان تمسح الصورة، ولن يستخدم العنف المصري في اتلاف الكاميرا او مصادرة الهاتف.
كل شيء يحدث، بدون مزايدة علي الاخلاق، او غيرة مصطنعة علي انهيار النظام الاجتماعي او تكدير السلم العام، او غيرها من المصطلحات المطاطة الاشبه بجسر ملكي تعبر منه كل شرور السلطة، التي تستر عورتها ببعض الفرقعات.
اما حالة ضعف الدولة فتنتقل لا اراديا الي مواطنين فقدوا الامل في الدنيا، فبحثوا عن خلاص فردي في العالم الآخر، ولهذا نجد تفسيرا لازدواجية وزير الثقافة المصري حين دافع بشراسة، في ايار (مايو) 2000، عن رواية حيدر حيدر (وليمة لاعشاب البحر)، بعد ان نشرتها هيئة حكومية، وتسببت في اغلاق حزب العمل الاشتراكي وصحيفته (الشعب). لكن الوزير نفسه ظهر في كانون الثاني (يناير) 2001 في التلفزيون الرسمي، مثل جنرال جريح بادر الي الاعلان عن مؤامرة وهمية احبطها علي الفور. وكشف تفاصيل القضية قائلا ان الهيئة نفسها، التي طبعت رواية حيدر، نشرت ثلاث روايات، اعتبرها خادشة للحياء العام، ولهذا عاقب رئيس الهيئة وعددا من المسؤولين.
وجد طلبة جامعة الازهر في (وليمة لاعشاب البحر) فرصة لتفجير غضبهم واحباطهم، الذي لم تتسبب فيه رواية صدرت في مطلع الثمانينيات وهم رُضّع، ولم يرتد عن اسلامه اي من قرائها. اعتبر هؤلاء الطيبون، في زمن تراجع الانتصارات والانجازات، ان ثورتهم فتح من الله ونصر مبين، وجعلوا من مناسبة ثورتهم علي (الوليمة) عيدا سنويا ويوما لطلبة الجامعة.
الهوس لا يخص طلبة الازهر، والذعر لا يقتصر علي وزير الثقافة، بل يتعدي هؤلاء الي نفاق رخيص يمارسه كتاب كبار السن، لكنهم يتشبثون باي سلطة او نفوذ. فأنيس منصور مثلا كتب، من برلين حتي لا يفوته النقوط في الفرح، في صحيفة الاهرام يوم 18/1/2000، معلقا علي ازمة الروايات الثلاث، التي اصابت الوزير بهستيريا، قائلا انها صدرت خطأ عن مؤسسة حكومية بفلوس الشعب فواجب الدولة الامينة علي ثوابت القيم والدين والحياة ان تحمي الشعب من اهدار امواله وكرامة الناس.. وقد فعل وزير الثقافة ذلك فاغضب عشرة او عشرين.. ارضاء لخمسة وستين مليونا، وبذلك رد اعتبار الملايين الذين دفعوا ثمن هذه الكتب.
لكن الكاتب الذي قال ذلك بيقين لا يحسد عليه ارضاء للوزير، هو نفسه دافع عن (الوليمة)، في الصحيفة نفسها يوم 28/5/2000، وتساءل هل نحرقها او هل نشنق المؤلف، لماذا؟ لان في الرواية تعبيرات لفظية وحركات جنسية بذيئة وتطاولات علي الدين تصدم المؤمنين المهذبين. هذا صحيح. ولكن الفن الروائي يسمح بان نصور المجنون والسكران والمنحل والعارية. نحن فزعنا من رد الفعل المبالغ فيه لانه سوف يؤدي الي تجريم حرية التعبير وخوفا من ان يجيء يوم يرفض فيه طلبة الطب تشريح الجسم الآدمي بعد تعريته لانها قلة ادب وخروج علي الدين. وكتبت آنذاك عن ازدواجية انيس منصور، وشبهته بحصان بلا ذاكرة، يلهب روحه سوط وهمي، لكن احدا لم يجرؤ علي نشر المقال، طمعا او خوفا. وبعضهم للاسف تقدميون سابقون!
شفرة دافنشيلم ار في هولندا احدا يندد بعرض (شفرة دافنشي)، او يتهم صناعه بالالحاد، بحجة انه يتناول قضية لم ترد في الاناجيل، حيث يذهب الفيلم الي ان السيد المسيح تزوج مريم المجدلية، وانجب منها ذرية ما زالت تتناسل الي اليوم.
من الطبيعي ان تنتقد الكنيسة المصرية الفيلم، وتقول انه يزيف التاريخ وعلم الآثار، وتقوم وقائعه علي الاباطيل، وان وراءه فكرا صهيونيا يهدف الي ازدراء الدين المسيحي وقيمه الروحية والاخلاقية والترويج للفكر الصهيوني.
لكن من غير المعقول، ان يصل الجهل النشط بعضو مجلس الشعب، المنتمي الي جماعة الاخوان المسلمين، في جلسة المزايدة علي الايمان بحضور وزير الثقافة، ان يقول نحن مع الابداع. لكن كما رفضنا الاساءة للرسول (محمد في واقعة الرسوم التي سخرت منه في صحيفة دنمركية) نرفض الاساءة للسيد المسيح والسيدة العذراء.
فاذا لم يكن هذا طيفا من عمي الالوان، فماذا يكون؟
الرجل الذي لم يشاهد الفيلم يجد في نفسه من الشجاعة ما يدفعه للاعتراض عليه. ولعل احدا من مرشديه او ملقّنيه لا يعلمون ان الفيلم لا يتعرض للسيدة العذراء. لكن قدرنا ان يمثلنا في البرلمان من لا يجيد التمييز بين مريم العذراء ومريم المجدلية.
في الثمانينيات، حين علت نبرة السلام عقب معاهدة السلام بين مصر واسرائيل، لم يجد اعضاء مجلس الشعب شيئا يعلنون عليه الحرب، فوجدوا ضالتهم في شهرزاد، وشنوا حربا علي كتاب (الف ليلة وليلة)، بحجة انه يتضمن الفاظا جنسية، ويجب مصادرته. والمفارقة انه بعد انتهاء الضجة، ببضع سنوات، صدرت النسخة الكاملة الهندية من الف ليلة، عن الهيئة نفسها التي طبعت وليمة حيدر والروايات الثلاث موضع النفاق الجماعي، ولم يعترض احد.
اينما تكونوا يدرككم صداملا يشعر أحد بالحرية المطلقة التي يتمتع بها بلد مثل هولندا اكثر من العراقيين، ولعل الفضيلة الوحيدة، غير المقصودة بالطبع، لدكتاتور مثل صدام حسين، ان سياساته دفعت هؤلاء الي الخروج من القبو البعثي الي آفاق بلا حدود، فانتشروا في بلاد سمحت لهم بالانجاز اللائق بمواهبهم. في هولندا، للعام الثاني، اشعر بتفاؤل كلما رأيت الصديقين محمد موسي وعبد الرحمن الماجدي. وقبل ان يمتد بيني وبين الماجدي حوار طويل، لا ادري كيف اقتحم صدام، وبلا مناسبة، نقاشاً مع سيدة عراقية، قالت ان العراق تحرر من اكبر دكتاتورية. في تلك اللحظة تذكرت خارطة لبغداد، اطلق علي احد احيائها الشرقية (9 نيسان)، واجهدت نفسي في تذكر المناسبات الوطنية او الثورية، فوجدتها تقريبا وقعت في تموز (يوليو)، الي ان صعقت بتذكر ان 9 نيسان (ابريل) هو يوم الاحتلال الامريكي للبلاد عام 2003! ولم تبال السيدة العراقية بقولي ان مثل هذا التحرر ملعون، والله الغني عن استبدال عشرات العملاء بعميل واحد اسمه صدام. ما معني ان تذهب دكتاتورية محلية الصنع، ويأتي احتلال يدمر في اشهر اضعاف ما دمر صدام في سنوات، ليعود البلد الي ما قبل العام صفر. ما حدث للعراق يشبه زوجة تعاني مرضا نفسيا، يدفعها لان تستبدل بزوج قاس لا تحبه مغتصبين ساديين لا يحترمونها ولا يحبهم ابناؤها. وقال صديق تونسي، ونحن في بهو الفندق: والله هذا عجيب ما نسمعه من بعض اخواننا العراقيين، اذا كانت بلادهم تحررت، فلماذا لا يعودون ليستمتعوا بثمار هذه الحرية؟
بصحبة عبد الرحمن الماجدي، كنت قد تجاوزت الجسر المعلق فوق نهر الراين، وقال لي وهو الشاعر العاشق للحياة انه لا يريد العودة الي عراق ملطخ بالدم. هذا حقه، فلا يتصور ان يقوم بازهاق روحه من اجل اي شيء، او اي احد. وقدرت منطقه، وقلت له ان الحياة تستحق ان نعشقها، وتذكرت عنوان الديوان الاخير لمجدي الجابري (الحياة مش بروفة). وقلت لعبد الرحمن: يجب الا نفرض وصايتنا او تصوراتنا للحياة والحرية والاستقلال علي احد، هناك من يستعدون للتضحية، وعلينا الا نخذلهم بسلبيتنا. ومن السذاجة تصور ان امريكا اتت لتخلص العراق من طاغية صنعته ودعمته حتي بعد اخراجه من الكويت؛ فلو لا مساعدتها له لسقط نظامه عام 1991 في انتفاضة الشيعة وغيرهم. ولن تخرج من العراق الا اذا ايقنت ان بقاءه فيه اكثر تكلفة من انسحابها منه. وذكرته بفيلم تسجيلي عرضه التلفزيون المصري، في بداية شهر آذار (مارس) عام 2003، اعلن فيه الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديغول، وهو يخطب في جيشه عام 1959، بلهجة لا تقل حماسة عن هوس شارون واولمرت بالقتل والتشريد وابتلاع فلسطين، قائلا:
ـ اننا نعيش تمردا دام خمس سنوات وخسارتنا للجزائر كارثة لنا وللدول الاوروبية.
لكن العنف المقدس الذي ادي الي نجاح ثورة استهلكت مليوناً ونصف المليون شهيد، غيّر نبرة الجنرال، في الفيلم نفسه، اذ تحدث عن آفاق التعاون المشترك بين بلاده وبين الجزائر.
المراهنة علي الصمود، كطريق للحرية، ليست مجانية؛ فلم يكن اكثر المتفائلين يتصور ان ينتصر الجزائريون، اذا ما قارن قوتهم بعتاد دولة استعمارية، ليصبح الاستقلال من قبضة الامبراطورية الفرنسية حقيقة. وفي ضوء عناصر القوة بمعناها التقليدي المنظور، كانت المقارنة بين القوتين تثير الرثاء، حيث لا تري القوي العمياء ارادة الشعوب، ولا تعمل لها حسابا. وقلت لعبد الرحمن انه في حالة اختلال موازين القوي لا يجدي التفاوض: فقد خاض آلاف الجزائريين الحرب العالمية الثانية، ضد الغزو النازي، ثم رفضت فرنسا ان تمنحهم الاستقلال الذي وعدتهم به، فانتفضوا في مظاهرات سلمية، واجهها الجيش الاستعماري بارتكاب مذابح راح ضحيتها عشرات الآلاف في مدن قسنطينة وقالمة وسطيف. وفي مصر يحاول السذج ان يحملوا الفلسطينيين مسؤولية ما يتعرضون له الآن، قائلين انهم رفضوا فرصة السلام، في عهد السادات. وتقول الوقائع ان الوفد الاسرائيلي رفض دخول فندق مينا هاوس، الا بعد استبعاد علم فلسطين. فهل كانوا يقبلون وجود ممثلين لمنظمة التحرير، وهم مصابون بهستيريا لمجرد رفع علم فلسطين؟
كنا قد عبرنا الراين، واسترحنا علي الضفة الاخري، والمطر يهطل بغزارة، والريح تشتد، فتسحب الشمسية بقوة في اتجاه النهر. واشار الماجدي الي بطة خرجت من الماء، تلتمس دفقة من شعاع الشمس، وقال ان سيارة اسعاف جاءت، ذات مرة، بعد الابلاغ عن بطة كسر جناحها. ما اسعد حظ البط في هذا البلد!
اقترحت عليه ان يزور القاهرة، مرة واحدة، كفيلة بكسر ساقه، او اتلاف سيارته، بسبب مطبات نبتت في كل مكان، حتي مطار القاهرة انتشرت فيه هذه المطبات، علي الرغم من انه تحت السيطرة!. اسفلت الشوارع في هولندا يخلو من اي مطب، والارصفة ترتفع عن الاسفلت بضعة سنتيمترات. طوال اسبوع قضيته بين روتردام ولايدن وامستردام، لم اسمع منبه سيارة الا مرة واحدة، وحين التفت مندهشا الي مصدر الصوت، وجدت الصديق خالد شوكات هو الذي يفعلها مداعبا! في مصر اصبحت المطبات بديلا عصريا للفتوات والبلطجية، الذين كانوا بنادق للايجار قبل استقواء الدولة، في بداية القرن العشرين. المطبات الرسمية والاهلية المنتشرة الآن في كل الشوارع، تؤكد غياب الدولة، او هشاشتها، تلك التي تتأكد يوميا، من خلال ظاهرة لم تعد تثير انتباه احد، وهي الاعلانات التي يستغيث اصحابها برئيس الدولة لتنفيذ حكم قضائي. تعطيل هذه الاحكام، التي هي عنوان الحقيقة، بفعل فاعل او فاعلين، اهدار لكرامة الدولة، ولا ينتقص من كبرياء القضاء.
كانت سيرة صدام قد اتعبتنا، حتي شعرت ببودار الصداع، والمسكنات في الفندق. ونظر الماجدي الي النهر، وقال ان في هولندا زوجين لا يملكان مسكنا. وقبل ابداء الدهشة اوضح انهما يقيمان في مركب صغير بمثابة بيت متكامل، يتجول بهما في الدول المجاورة كلما ارادا، وعندما يرغبان في الذهاب الي اي مكان في هولندا، فعندهما سيارة صغيرة هنا في روتردام.
موسيقي غير الموسيقيكنت انتظر صديقي عمرو رياض، للذهاب الي الدكتور فان في لايدن. واخبرني انتشال بتأجيل الموعد، واسترحت لان الصداع اشتد، وكان عبد الرحمن عثمان قد وصل، سألني عن الصداع ولم ينتظر جوابا واعطاني بعض المسكنات. كنا علي العشاء، ورأي صاحب المطعم التركي ان يقدم لنا او للرواد تحية، في نهاية الاسبوع، حيث بدأ شابان في الغناء، مع عزف علي الجيتار، تصاعد شيئا فشيئا حتي اصبح صداعا حقيقيا. قلت ان هذا يلائم قوما تمضي ايامهم في هدوء قاتل، وآلية تحتاج قدرا من الجنون المتمثل في كسر الايقاع. يحتاجون الي بعض الصخب لتجديد نشاطهم وحيويتهم. المصريون، الذين تطربهم الموسيقي الهادئة، يعشقون السلطنة مع الكمنجة والعود والآهات، وشمس الاصيل، والأولة في الغرام. لهذا وجدت الحان الشيخ زكريا احمد ورياض السنباطي وبليغ حمدي هوي في نفوسهم، علي عكس الحان محمد عبد الوهاب ذات الطابع الانشائي، ولنا ان نقارن، في اغنيات ام كلثوم وحدها، بين لحن (الهوي غلاب) و(الاطلال) و(سيرة الحب) من جهة و(انت الحب) من جهة اخري. ما عزفه الشابان لون موسيقي لا يناسب مصريين يحيون في هذا الضجيج ليل نهار.. من اشرطة الوعظ او الاغاني القبيحة في السيارات، الي مكبرات الصوت الخارجة من كيانات صغيرة للصلاة اسفل البنايات، تلك التي تضخ باستمرار نفاقا لله. اما الهولنديون فيتقون الله في كل شيء، وليسوا مضطرين لاشهار نفاقهم، هم منضبطون ربما اكثر من اللازم، يعملون بجد في ساعات العمل الرسمية، طوال الاسبوع، فاذا انتهي العمل فلا عمل، ولهذا يستحيل ان تجد في البلد، يوم العطلة الرسمية، محلا واحدا مفتوحا. البلد كله في اجازة، باستثناء المطاعم والبارات.
هممت بالخروج، تجنبا لصداع اهادنه منذ ايام، وقال عبد الرحمن عثمان ان صديقنا السوري احمد حسو وصل من المانيا، وربما يلحق سمير جريس بالسيدة زوجته التي وصلت بالفعل. سألتها عن سمير فقالت انه مشغول بترجمة رواية. لم ار احمد حسو منذ سنوات، حين تقابلنا في معهد غوته بالقاهرة. كان قد انشغل بتحرير مجلة (فكر وفن). اعطاني العدد الاخير، وتوقفت امام دراسة عنوانها (ازمة الصور الكاريكاتورية) للباحث الالماني محمد كاليش، الذي شبه اليمين الامريكي الحاكم بطالبان، وقال ان في الغرب قوي تريد ان يظل الشرق الاوسط بؤرة توترات، وترحب بان يكون الاسلام عدوا مزعوما. وطرح قضية تبدو من فرط ما هي بدهية اشبه بالحقيقة او المسلمات، فحين يتحدث بعض الساسة الغربيين، عن مصالح لهم في منطقة الخليج، يبدو ذلك امرا طبيعيا لا يستوجب المناقشة او التعجب. وتساءل ماذا سيقول هؤلاء يا تري لو صرح وزير الخارجية الايراني بان لايران مصالح في بحر الشمال؟
، ان كل واحد سيري في هذا التصريح غباء ما بعده غباء. وان كان الامر علي ما نقول، فان حديث العالم الغربي عن مصالحه في منطقة الخليج لا يقل غباء. تلك هي بقايا نظرة الغرب الكولونيالية، او ما بعد الكولونيالية، للعالم وفي القلب منه العالم العربي. لكن الغرب ليس كتلة واحدة، فهو يؤوي المضطهدين والارهابيين، ويمد في اعمار اتباعه من الطغاة العرب، كما يريح ضميره، في الوقت نفسه، بحماية ضحاياهم. بيروت.. بيروتاعتذرت لعبد الرحمن عثمان عن عدم تمكني من مشاهدة فيلمه الوثائقي، عن المسلمين في المانيا، حيث عرض صباحا في كنيسة ارمينيس المجاورة للفندق. حدثني الرجل الذي يقيم في المانيا منذ اكثر من 25 عاما عن صعوبات انتاج الفيلم، وكيف ان كثيرا من خطباء المساجد رفضوا دخول الكاميرات، بحجة ان هذا سلوك يحرمه الاسلام!
، الي ان سمح له امام تعرض لانتقادهم الشديد!
قال اننا تركنا الشقاق في بلادنا، لكنه قدر!
، وتذكر ايامه الاخيرة في لبنان، وقال ان بيروت كانت قبلة لكل الثوريين والليبراليين العرب المنبوذين في اوطانهم، بعد انهيار الاحلام الكبري، ولهذا تواطأ كل الحكام العرب علي ضرب نقطة النور العربية الوحيدة، ليستريحوا من هذا الصداع، وسألني عن اخبار الصداع، وكدت ان احكي له عما فعله السادات، وآثرت الصمت تجنبا للشماتة. رفض السادات ادانة الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1978. ويحكي وزير الخارجية محمد ابراهيم كامل، الذي استقال فيما بعد اثناء توقيع اتفاقية كامب ديفيد، انه اتصل بالسادات صباح اليوم التالي للغزو، ليطلعه علي بيان يدين اسرائيل، فسأله السادات: هل اعطوهم العلقة ولا لسه؟
، لان اسرائيل ابلغته ليلة الغزو انها ستؤدب الفدائيين.
كان معنا سينمائي شاب، لا اعرف بلده، ليس مصريا ولا لبنانيا، كانت تطل من نظرته، وهو يستمع الينا، بقايا رومانتيكية. تحمس لعمل فيلم وثائقي عن تلك التجربة الحالة، وقلت له ان معظم الثوريين عادوا الي بلادهم بعد ان هزمتهم المنافي، وفشلت فكرة الخلاص الشخصي، وان انجزوا بجهد شاق بعض طموحاتهم، منهم يسري نصر الله، مخرج (باب الشمس) مثلا، ولم يكن المخرج الكاتب اللبناني محمد سويد حاضرا، وايدني عبد الرحمن في ان تجربة العمل الطلابي، التي كان الصديق الفلسطيني رياض ابو عواد مشاركا فيها بقوة، يمكن أن توفر له مادة مهمة للفيلم، وبقي عليه الاتصال برياض في القاهرة، حيث يمارس الصحافة والكسل باحتراف.
كل من عليها فانكان عليّ الذهاب بالقطار الي لايدن، هناك انتظرني عمرو رياض، الذي انقذه الله من بيروقراطية مصر والازهر، وحصل علي الماجستير من كلية الآداب واللاهوت بجامعة لايدن، وسينتهي قريبا من الدكتوراه حول افكار الشيخ رشيد رضا عن الغرب والمسيحية من خلال مجلة المنار. كان في انتظاري زميلاه محمد غالي الذي يعالج في رسالته للدكتوراه قضية (الاعاقة من منظور اسلامي)، ومحمود الصيفي الذي تتطرق رسالته للدكتوراه الي (فقه الاقليات المسلمة في الغرب). وبجوارهما وقف المستشرق الهولندي بيتر شورد فان كونينجسفيلد. كان عمرو قد حدثني، في القاهرة قبل ايام، عن الدكتور شورد استاذ للدراسات الاسلامية وعلوم الاديان، المهتم باوضاع المسلمين في اوروبا، وله دراسات بالعربية والانكليزية والهولندية عن فقه الاقليات المسلمة، منها (اسطورة الخطر الاسلامي)، و(تاريخ الاسري المسلمين في اوروبا في العصور الوسطي)، كما حقق مخطوطات عربية. بعض دراساته ثمرة تعاون علمي مع الباحث الفلسطيني واصف شديد استاذ العلوم الاجتماعية في جامعتي لايدن وتلبرخ. وبعد العودة الي مصر ارسل لي عمرو، بالبريد الالكتروني، نص كتاب شورد (الاسري المسلمون في اوروبا الغربية خلال القرون الوسطي المتأخرة). من محطة القطار الي بيته، قاد الاستاذ سيارته بصحبة اربعة مصريين، يشرف علي ثلاثة منهم، بعيدا عن تضخم الذات الذي اصبح مرضا في الجامعات المصرية، حيث الاستاذ اله، والطالب يجب ان يمر بمرحلة العبودية، فيذوق الذل، ليصبح بعد الحصول علي الدكتوراه مملوكا صغيرا جاهزا لممارسة ساديته علي طلبة آخرين.
لم اقرأ للدكتور شورد شيئا، بل انني نسيت اسمه، ولم اتذكر منه الا فان، وسألته مداعبا لأفتح ثغرة في حوار يستعصي علي الاسترسال: معظم الناس في هولندا يتخذون من فان اسما لهم، فهل هو مثل محمد في العالم العربي؟. اوضح ان فان ليس اسما، وانما يشبه ياء النسب في العربية، كان تقول: فلان مصري او مغربي او جنايني. وضحك قائلا ان بعض العرب ينادونه دكتور فان.
قدرت في الرجل حماسه لما يؤمن به، ولو كانت زوجته الفنانة التشكيلية العراقية عفيفة لعيبي حاضرة، لبدأنا الحوار من منطقة اخري، عن لوحاتها التي تزين البيت الجميل، والتراث التشكيلي العراقي الذي دمره الاحتلال، وعن جواد سليم وجيل الرواد، وعن تمثال ابو جعفر المنصور الذي تم تفجيره العام الماضي. كانت السيدة خارج البلاد، فوجدت في ادوارد سعيد ثغرة اخري. اسس الدكتور شورد قسم اصول الدين الاسلامي بكلية اللاهوت (الاديان) بجامعة لايدن، لتدريس الفقه والمذاهب والتيارات الفكرية الاسلامية وعلاقة المسلمين بالدول الاوروبية، وستبدأ الدراسة به في ايلول (سبتمبر) 2006، ورصدت له وزارة التعليم في هولندا 2.5 مليون يورو. وسيقوم بالتدريس فيه اجانب وعرب منهم الدكتور نصر حامد ابو زيد. ولهولندا تجربة مبكرة في هذا المجال، اذ بدأت الدراسات العربية بجامعة لايدن في نهاية القرن السادس عشر، حين تأسس بها اول كرسي للدراسات العربية. قال الدكتور شورد انه مهتم بادماج المذاهب والافكار الاسلامية، في نظام التعليم الجامعي في هولندا، ويطمح الي ان يصل الطلاب في دراساتهم، عن وضع الاسلام والمسلمين في الغرب، الي درجة عالية من فهم الخلفيات الفكرية للاقليات الاسلامية في اوروبا. وتتناول مناهج الدراسة بالقسم الجديد علوم القرآن، والحديث النبوي، ودور الفتوي بالنسبة لمسلمي اوروبا، واوضاع المسلمين في الغرب.
وقال الرجل ان 250 طالبا عربيا يفدون لدراسة العلوم الاجتماعية او الطبيعية في هولندا، التي يصدر فيها سنويا نحو 200 كتاب عن العرب وتاريخهم وتراثهم المخطوط، بلغات مختلفة منها العربية، ولا تجد هذه الكتب طريقا الي العالم العربي.
ويقيم في هولندا التي يبلغ عدد سكانها 16 مليونا نحو مليون مسلم معظمهم من اصول تركية ومغربية ويشكلون نحو ستة في المئة من مجموع السكان.
ادوارد سعيد طبعازار الدكتور شورد جامعة محمد بن سعود في المملكة العربية السعودية، وبحث عن كتب تناقش قضية الاستشراق، وذهبوا معه الي خزانة مغلقة، ليس فيها الا الموسوعة الاسلامية والكتاب المقدس، وسأل عن كتب تعالج قضية الاستشراق، ولم يجد جوابا.
سألته عما اذا كان المستشرق لا يزال يؤدي دورا طليعيا في خدمة الحكومات، حيث مهد بعضهم للزحف الاوروبي نحو الشرق، في مرحلة المد الاستعماري، قبل نحو قرنين، فقال ان المستشرق يجتهد، وربما تستعين بأفكاره الحكومة، كما يحدث في الفترة الاخيرة مع المستشرق الامريكي برنارد لويس، الذي تستعين بأفكاره الادارة الامريكية. لم ينكر ان تراث الاستشراق يثبت ان مستشرقين مهدوا لاقتسام العالم العربي، بين بريطانيا وفرنسا، في مطلع القرن العشرين، فيما عرف باتفاقية سايكس بيكو عام 1916. ذكرته بما اورده المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد (1935 ـ 2003) في كتابه (تغطية الاسلام)، عن التعاون غير البريء بين الاستعمار وكثير من المستشرقين، لدرجة يندر معها وجود خبير من خبراء الاسلام لم يكن مستشارا لحكومة بلاده، واستشهد بالمستشرق الهولندي سنوك هوخرونيه (1857 ـ 1936) الذي يتهمه سعيد بانه استغل الثقة التي اولاه المسلمون اياها في تخطيط وتنفيذ الحرب الهولندية الوحشية ضد ابناء شعب اتشيه المقيمين في سومطرة.
قال شورد انه اول من انتقد سنوك هوخرونيه، الذي كان ينظر اليه بكثير من الاحترام في الدراسات الهولندية، وانه سجل بصراحة انه قضي 16 عاما، في خدمة الحكومة الهولندية، لكنه علي الجانب الآخر وضع تصورات لدولة اندونيسيا بحدودها المعروفة: بدون سنوك لا وجود لدولة اندونيسيا، وبدونه ايضا ما كانت تلك الدولة لتصبح مستعمرة هولندية. كان سنوك يقترح ان تكون اندونيسيا جزءا من المملكة الهولندية، ودعا الي عدم التسامح مع اي حركة تقاوم القوات الهولندية. ثم اعلن اسلامه، وحمل اسم عبد الغفار وذهب عام 1885 الي الحج، ومكث هناك بضعة اشهر لدراسة سيكلوجية المسلمين، ووثق علاقاته ببعض علماء مكة، ثم عاد الي اندونيسيا. لكن الدكتور شورد له رأي آخر في الاستشراق السعيدي.
قال انه قابل سعيد، ودار بينهما حوار طويل، وان سعيد اطلع علي دراسته عن سنوك هوخرونيه، قبل ان يكتب (تغطية الاسلام). لكن الاستشراق التاريخي يختلف عن الاستشراق السعيدي، كتب سعيد مهمة، ولكنها لم تقل الكلمة الاخيرة في قضية الاستشراق، لانه لم يطلع علي الاستشراق الالماني، الذي لا تكتمل دراسة في هذا الشأن الا به. وقال ان سعيد اعتمد في دراسته عن الاستشراق علي مصادر ادبية، باعتباره، في الاساس، ناقدا ادبيا.
تناولنا بعض الحلوي، مع شاي اعده الاستاذ لي وللطلبة الذين يشرف علي رسائلهم، ثم قاد الرجل سيارته، وتوجهنا الي منزل عمرو رياض، تلبية لدعوة علي غداء اعدته السيدة زوجته. لحق بنا هناك، طالب رابع للاستاذ شورد، هو المغربي سمير قدوري ورسالته للدكتوراه عن تحليل نصي نقدي لكتاب (الفصل في الملل والاهواء والنحل) لابن حزم الاندلسي. واهداني سمير تحقيقا لكتاب (التبيين في معرفة دخول الشهور والسنين) لاحمد بن محمد اليحصبي القرطبي. ثم جاء الباحث اللبناني عبد الله صوفان، خريج الجامعة الامريكية في بيروت، ورسالته للدكتوراه عن (تاريخ المنطق الاسلامي). كانت الجميلة جومانة عمرو رياض التي اتمت عامها الاول، تنتقل من يد الي يد، وقال عمرو انها تنسجم مع ذوي البشرات القمحية، العرب، اما اخوالها الهولنديون فلا تستجيب لهم بمثل هذه السهولة.
سألني الدكتور شورد: كيف تروننا؟
فاجأني السؤال، اذ جئت لاستمع. كان في كلام الرجل مودة ودفء، وقلت له ان المصريين لا يحملون ذكري استعمارية لهولندا، والمثقفون الملتزمون يستبعدونها ايضا من شبهة التواطؤ مع اسرائيل، فلا تثير امستردام في النفوس ذكري تطبيعية، مثل تلك التي اصبحت مستقرة كلما جاء ذكر كوبنهاغن. علي سبيل المثال، يكفي ان تقول ان فلانا من جماعة كوبنهاغن. اما في الضمير الشعبي، فتأتي الدنمارك في مقام العدو الديني، بعد ازمة الرسوم الاخيرة. هنا في هولندا حرية تسمح لكل صاحب ديانة بممارستها، والتبشير بها، واعلان نتائج هذا التبشير، والفخر باسلام بعض اتباع الديانات الاخري. يؤمن الجميع، بان الله ليس حكرا علي احد، وان الارض تتسع للجميع، وانك حر في كل شيء الا ان تؤذي غيرك. رويت حكاية مؤذن جامع في قريتنا، اسمه الشيخ عثمان، كان صوته عذبا، وهو يقرأ القرآن او يؤذن للصلوات، من فوق مئذنة، فنسمعه في الغيطان، علي بعد الفين او ثلاثة آلاف متر، قبل ان تضيق المآذن بالمؤذنين حسني الصوت، وتتسع لمكبرات معدنية يتباري في زرعها، بلا داع، كثير من الذين لا تعرف مصادر اموالهم. كان ابي حريصا علي صلاة الفجر كل يوم، لا يحول دون ذلك برد شديد، او مطر تزل بسببه الاقدام. لا احد يجرؤ الآن علي المطالبة بان يكون مكبر الصوت في المساجد للاذان فقط، حرصا علي المرضي والنيام. المفارقة ان المكبرات التي تعمل قبل اذان الفجر بساعة، لم تفلح في زيادة اعداد المصلين. هم انفسهم الذين يذهبون الي صلاة الفجر في ليالي البرد والمطر، حين تنقطع الكهرباء وتتعطل مكبرات الصوت.
قال ان مكبرات الصوت ممنوعة، الا يوم الجمعة، وداخل المساجد فقط، وليس في هذا عداء للاسلام، فالدولة علمانية، لا تمنح المسيحيين ميزة تمنعها عن المسلمين. حق الفرد مقدس، كما كرمه القرآن. قلت ان المسلمين هنا محظوظون، وعليهم ان يثبتوا جدارتهم بالحرية، هبة الله للعالمين، بعيدا عن تقسيمات عنصرية مارستها معظم الحضارات المنتصرة، حيث الانا مركز العالم، والآخرون اغيار كما يعتقد اليهود، او بربر همج كما صنفهم الاوروبيون في بعض المراحل، او عجم يقيمون بدار الحرب وفقا لنظرة المسلمين في فجر الاسلام. ضحك الدكتور شورد قائلا: بمعني ما فان هولندا دار الاسلام!7