منذ حوالي أربعة عشر مليار سنة، نشأ الكون، ليكون مستقر الإنسان، وليكون هذا الإنسان مخلوقا فريدا لا يشبه شيئا آخر في العالم تبعا لمنظور جان بول سارتر Jean – Paul Sartre» وبمعزل عن نظريات نشوء الكون (بطليموس، كوبرنيك، كيبلر) وبمعزل عن الجدل العلمي حول كيفية وجوده، فإني أميل إلى الأسئلة الحارقة المرتبطة بالغاية من وجوده، وبالإدراك الأنطولوجي لهذا الوجود. وربما كانت «رسالة في النزعة الإنسانية» لمارتن هيدغر Martin Heidegger مرجعا للتفكير في ماهية الوجود، بعدما كشفت جائحة Covid-19 نهاية أسطورة المدينة الفاضلة، والحياة المثالية، وأصبحنا في قارب واحد منشغلين فقط بممكنات الوجود الإنساني، بدل المطالبة بتجويده، بقيم الأنوار، وعلى نحو خاص بالديمقراطية، والحريات، والعدالة الاجتماعية والمجالية. واليوم بعد أن توقف الفرد، والمؤسسات عن ما يسميه جورج باتاي Georges Batailleالنفقات غير المنتجة، فإن تحول السلوك الاجتماعي لا يمثل هروبا من أشكال الفرح الجماعي، أو الفردي، لأن الحق في الفرح لا يمكن التنازل عنه مهما كانت سطوة القوانين. وتبعا لمنظور السوسيولوجي مايكل فاسيل Michaël Fœssel، فإن الأمر يرتبط بوسيلة للهروب من السلوك الاجتماعي العادي، نحن إذن أمام تحول جذري في مفهوم الاحتفال وفي أنساقه الاجتماعية والنفسية والثقافية، لذلك فإن أشكال الاحتفال «المرتجل» يتوافق مع نمط العيش الجديد (بشكل مؤقت). وبموجب ذلك فإن أنماط الاحتفال الخاص، يتيح قدرا من الفرح، دون الحاجة إلى أبهة الحشود، فيما يشبه الكرنفال، ما دام الأمر يقتصر على الأهم، ومحاولة تجريب طرق أخرى لفن العيش. غَيْرَ أنَّ الاحتفال بعيد الميلاد بوصفه فرحا صغيرا، لا يرتبط بمعهود التحقيب الزمني، والقطيعة الإبستمولوجية مع السابق، ذلك أن علاقة الكائن بالزمن لا تتحدد على النحو الرومانسي الذي يقدمه الكثير من الآراء الساذجة، أو الرؤى المتسمة بالسطحية والتعميم، التي تربط عيد الميلاد بالدور البيولوجي لحياة الفرد، لأن هذا الأخير لا يملك سلطة تأسيس بداية جديدة، منظورا إليها من تصور الفيلسوفة الألمانية حنة آرندت Hannah Arendt في كتابها «وضع الإنسان الحديث» الذي يتضمن مقولات «الحياة العملية النشيطة: الشغل، الصنع والعمل والممارسة الفعلية. وهم البداية الجديدة مرتبط بالفهم البدائي للزمن، وهو تمثل قد يؤدي إلى السقوط في مستنقع المألوف، ومحاولة تدشين قطيعة مع تاريخ الذات والأماكن والذاكرة، لأن الذات لا تفقد التواريخ السابقة، ولا تنفصل عنها، ما دام الزمن شيء معين بالحركة. ولأن الزمن متعلق بالديمومة بتعبير إدموند هوسرل Edmund Husserl، فإن الخطوة الإضافية تقتضي تجاوز التصور البيولوجي، والتوجه نحو التجربة الأنطولوجية، ليصبح الفرح إرادة واجب الواجب، تزود الذات بقوى الفعل بوصفه مرتكزا لوجود الذات في هذا العالم الذي لا نعرف مستقرا آخر غيره. وهذا الفرح (الذي غاب عنه ديونيسوس) رغم صغره وطابعه النسبي، يبدو مكتملا لدى الذات المدركة لذاتها.
الاحتفال بعيد الميلاد، لا يحتاج إلى أخصائي العلاج الذاتي، وإلى المنظورات الثيولوجية، فالبقاء على قيد الحياة لا يعني العيش فقط، لأن الأمر أشبه بالبحث عن الشموس الصغيرة في غابة الحياة، الشموس الصغيرة التي تنير عوالم الذات دون نسيان شجرة الليمون المزهرة. وتبعا لهذا السياق يبدو الفرح عاطفة مركزية، تقاوم اختلالات التوتر، وتحمل الأمل في الأوقات العصيبة، من غير أن يكون أمرا زجريا، أو مطلبا إضافيا.
لا أمتلك تفسيرا فينومينولوجيا، وربما كان الجدل وطاقة التفكيك سبيلا لرصد حقوق الذات والموانع المضادة لهذه الحقوق، ومنها الحق في الفرح. لكن ما يجعل الحياة أبَدع مما كان ليس العقل وحده، وليس الحدس وحده، وليس بالضرورة التيه مرتبطا بالشوارع الفسيحة والفضاء العام المفتوح. الأزقة الضيقة، ودروب المدينة القديمة تكشف إيقاعا مخصوصا، إيقاع الحياة الذي يشبهنا.
تتساوق الرغبة في الاحتفال بالطموح نحو التحرر والتنوير، والخطوة الأولى هي أن نفهم ذواتنا، كما أظهر سيداهارثا غوتاما المعروف ببوذا Buddha (567 قبل الميلاد) في تعاليمه، الحياة هشة ومأساوية في الوجود الدوري (الجسد؛ المشاعر؛ التمييز بين الأشياء وصفاتها، العواطف والمواقف والعوامل العقلية الأخرى؛ الوعي). إن تحقق فهم عام للوجود الدوري وأسبابه، و»النيرفانا» بوصفها طريقا نحو السلام، سيمكننا من تحقيق الفرح الروحي العميق. بيد أن الفرح لا يتحقق خارج الجسد، وأفعال التذويت ترسخ الشرط الأنطولوجي للكائن، فلا وجود للفرح خارج الذات، لأن الأمر لا يشبه بتعبير مطاع صفدي أشخاص الرواية أو الحكاية الشعبية، هم موجودون دائما دون أجسادهم.
الاحتفال بعيد الميلاد يمثل – في تقديري مداهمة علنية للحياة، الذات هنا تنازع فوضى معهودها، لتشرع في تبني الذات عبر الحركة؛ الصوت؛ اللغة؛ الفعل الحيوي البيولوجي. وشروع الكائن في استشعار الذات بوصفها هوية قائمة بذاتها لا يرتبط بالكشف عن التطابق بين الذات وماضيها، وما فقدته، بل في التمفصل مع تحديات الراهن، ومحاولة تجاوز التماثل والانوجاد الصامت (تاريخ الذات، الذاكرة) لصالح صخب الفرح والحياة. الرؤية ليست رمادية، يمكن العثور على الفرح في خضم الفوضى، بآلامنا وصدماتنا. هذا القول الرائع لفردريك نيتشه Friedrich Nietzscheمرده الإرادة الصلبة للكائن الحامل للفوضى في داخله والباحث عن النجم الوضاء. الفرح متوافق مع تقلبات الوجود. كما يكشف برغسون Bergson Henri، وتقلبات الحياة تزداد قوة وشراسة، وربما لهذا السبب وصف برغسون الفرح بالمعجزة لأنه يكشف انتصار الحياة، لكن هل نتجرأ على طرح السؤال السبينوزي Baruch Spinozaعلى أنفسنا، ما الذي يجلب لنا الفرح؟
وفق منظور الفيلسوف برونو جولياني Bruno Giuliani فإن سبينوزا يحصر الفرح في كونه انتقال المرء من كمال أقل إلى كمال أكبر، لكن كيف نجعل حالة الفرح دائمة ولا نهائية؟ هناك طريقان متكاملان، الأول فهم الذات نفسها ويطلق عليه فرح التحرر، والثاني ينطلق تجاه الآخرين (فرح التشارك). وفق هذا التصور فالذات مدعوة للحد من الانفعالات السلبية، لأنها تؤدي إلى السقوط في العبودية. ولا يتعلق الأمر بثنائية الخير والشر، بل بتعزيز الطاقة المضادة والبحث عن الفرح والحرية ( Spinoza, L’Éthique, Livre III, XI, scolie).
كل ذات تفتقد إلى الفرح؛ تفتقد إلى جوهرها. الفرح مفعول الذات وبرهانها على انوجادها؛ وعلى العقل الفعال المفارق للأحوال اليومية والمتاخم لها في الآن نفسه. وظيفة العقل أن يكون الجسد في أحسن أحواله، ووظيفة الذات عبر المدركات الحسية هو تلافي عوائق فرح الذات. المنظورات الثيولوجية تخبرنا أن الجسد فان، وأنه علينا الشروع في الاستعداد للرحيل، لكن هل الفرح باق، والجسد يتبدد؟ إن العلة الميتافيزيقية، ومنظورات حتمية الفناء ليست جديدة، سقراط لم يكن ناجيا من حتمية الفناء، على الرغم من كونه فيلسوفا، يميز بين الوجود والعدم (كل إنسان فان؛ سقراط إنسان؛ سقراط فان). ورغم ذلك كان الإنسان وما يزال معنيا بتحقيق وجوده سواء عبر الفرح، أو عبر مختلف الأشكال التعبيرية الدالة على أفعال الذات وعلى تجاربها، وعلى نوازع الأنا العملية ارتباطا بالكائن، وتحققاته الأنطولوجية.
رعاية العقل للكائن تقتضي وفق منظور إيمانويل كانط Emmanuel Kant مصاحبة الكوجيتو لمختلف التصورات التي ينشئها العقل المحض، لكن هل يستطيع الكوجيتو مرافقة الذات هي تنزاح عن معهودها، وعن السديم المتعالي؛ وعن الألم المقنع؛ ونسيان الوجود. في حمأة هذا التأويل نستحضر جهد شوبنهاور Schopenhauer تخليص الحياة من أقنعة التوسط المتداخلة، والممارسات المحرفة، بغية تصوير الحياة في حقيقتها، والشروع في تعريتها من وعثاء معهودها. ربما كان الأمر يشبه «الرقص مع الذئاب Dances with Wolves» حسب الرؤية السينمائية لكيفين كوستنر Kevin Costner، الرقص مع الذئاب وليس قتلها، ولا حتى ترويضها. ومقاربة الفرح بالتأويل وليس بالتعريف مرده الرغبة في إدراك التماعات الجوهر، بدل العارض والمزيف. ومنذ نزول زرادشت من أعلى جبله لم يحقق الكائن الفرح المشتهى. وظل يعاني من ضجر معهود الحياة، وظل السؤال معلقا ومحيرا؛ كيف يفوز الكائن بوجوده؟
لا أمتلك تفسيرا فينومينولوجيا، وربما كان الجدل وطاقة التفكيك سبيلا لرصد حقوق الذات والموانع المضادة لهذه الحقوق، ومنها الحق في الفرح. لكن ما يجعل الحياة أبَدع مما كان ليس العقل وحده، وليس الحدس وحده، وليس بالضرورة التيه مرتبطا بالشوارع الفسيحة والفضاء العام المفتوح. الأزقة الضيقة، ودروب المدينة القديمة تكشف إيقاعا مخصوصا، إيقاع الحياة الذي يشبهنا. الخروج من المنزل بمحاذاة مسجد الحي في اتجاه المقهى، أو في اتجاه فضاء آخر مرتبط بتاريخ الذات التي لا تفارقه. وربما كان الفرح تعبيرا عن التحرر من القيد والتوجه نحو العالم الصاخب، بدل التوجه نحو الداخل الصامت.
كاتب مغربي