‘نحن بلد كبير وقوي ويتمتع بالسيادة ولا أهمية لرأيكم بالنسبة لنا’ بهذه العبارة الجافة المترعة بقلة الدبلوماسية أجاب الرئيس الروسي مدفيدف نظيره الأمريكي في اتصال هاتفي جرى بينهما بالأمس، بعد انتقاد الأخير لنزاهة الانتخابات الروسية التي جرت مؤخرا، بعد قراءتي لهذا الرد الروسي الصادم الذي نقلته وكالة إنترفاكس للأنباء، تحركت لدي ورغما عني بواعث النشوة الساحرة المشوبة بالغطرسة المحمودة، وبصراحة نسيت أو تناسيت خطورة الموضوع الأصلي الذي قيلت في سياقه هذه العبارة.. جريمة تزوير الانتخابات في بلد (كبير) كروسيا على حد وصف رئيسها. اليوم وعلى معظم قنواتنا الإخبارية كثيرا ما نسمع في ظل ربيعنا العربي عن جرائم البلطجية في مصر أو البلاطجة في اليمن أو الشبيحة في سورية، لكن أن تنتقل البلطجة وفرد العضلات وسياسة العين الحمرا، والتباهي بسيادة القوة وتغليبها حتى في التصريحات بين الدول، والتعامل في ما بينها، فهذا الأمر العجاب الذي يجب الوقوف عنده بروية، التعليق الإمريكي على كلمات سادة الكرملين جاء باهتا للغاية، واكتفى البيت الأبيض بالمرور على الموضوع بصورة أسرع حتى من مرور الكرام، وكأن بلطجية أمريكا (الفتوات)، كبحوا جماح غرورهم أمام شبيحة روسيا (الأبضايات) . كل ما قلته آنفا لا يعنيني بقدر ما يعنيني تفشي ظاهرة وداعة ونعومة الردود العربية، وردة فعل دولنا المتمسكنة تجاه التصريحات المشينة التي تصدر من أي دولة في العالم علا شأنها أم نزل، تطالنا وتصفع سيادتنا وخصوصيتنا بغير اكتراث يذكر، حتى وإن كانت هذه التصريحات متعلقة بتراثنا الثقافي أو أعراقنا ذات الجذور الضاربة في عمق الزمن، بل وبتاريخ نشأتنا على هذا الكون، ولعل آخرها ما كان من تصريحات راعي البقر الأمريكي الهمام غينغريتش، الطامح لسكنى البيت الأبيض في انتخابات بلده القادمة، والذي تفوق على غيره من الساسة، وتميز على أقرانه الساعين للرئاسة، في تشويه سمعتنا والنيل منها، وأهانة العرب والشعب الفلسطيني خاصة بكتلة خرافية من الاتهامات وتزييف التاريخ، دون أن نسمع ردا عربيا واحدا يرقى لمستوى الرد الروسي السابق، المنبأ عن الهيبة واستعادة الكرامة، والحافظ لماء الوجه. دولنا العربية ولله الحمد والمنة هي من صدرت للعالم فلسفة التشبيح والبلطجة والزعرنه وأسست مدارسها بامتياز، وبما أن فاقد الشيء لا يعطيه، فأظن بأن مالكه سيعطيه، وسيعطيه بجدارة أيضا، ولكن يبدو أن دولنا العربية غير قادرة على استغلال هذه الثروة الوطنية من البلطجية إلا ضد ثورات شعوبها الطامحة لتذوق طعم الحرية ولو للحظات قليلة، قبل ذبحهم بسكاكين بلطجية النظام المنظمون المنطون تحت جناحه، ولعل شكي في قدرة دولنا العربية على استخدام موهبة الردع الكلامي، قد يرقى بل ويتجاوز بمراحل تشكيك الشاعر جرير بقدرات عدوه الفرزدق في رد الاعتبار، حين هجاه قائلا:
عم الفرزدق أن سيقتل مربعا.. فاهنأ بطول سلامة يا مربعُ. الموقف الروسي ومن قبله الموقف الكوري الشمالي والفنزويلي والإيراني مؤخرا يثبت بما لا يدع مجالا للشك بأننا نعيش في عالم البلطجة وفرد العضلات، وأن زمن الوداعة واحترام الحقوق وتبويس اللحى الذي نادت به الأمم المتحدة في علاقات الدول بين بعضها قد ولى إلى غير رجعة، هذا إن سلمنا جدلا بأنه كان موجودا بالأساس، وأتمنى بعد كل هذه الصفعات التي طالتنا والتي كانت كفيلة بإيقاظ الموتى، أن يبدأ معشر بلاد العرب أوطاني بتعلم وإجادة هذا النمط الجديد في التعامل مع الدول الصديقة (وليس الشقيقة) إن لزم الأمر، والتحضير من الآن للانضمام السريع لنوادي السياسة الرياضية لبناء الأجسام وتربية وتضخيم العضلات، وتحمير الأعين والجفون استعدادا للمستقبل القادم، الذي قد نشهد معه قيام هيئة الأمم المبلطجة، التي ستنضوي تحتها جمعيات ومجالس التشبيح والزعرنة والوشم على الأكتاف. معاذ فراج