بغداد ـ “القدس العربي”:
حذرت الامانة العامة لهيئة علماء المسلمين في العراق في رسالة موجهة الي فصائل المقاومة العراقية من مغبة الاقتتال الداخلي بين الفصائل المختلفة معتبرة انعدام وجود برنامج سياسي موحد هو السبب وراء اختلاف الاراء والتوجهات مذكرة بالاقتتال الذي جري بين فصائل الجهاد من العرب الافغان بعد طرد الروس من افغانستان. وقالت الهيئة في رسالتها التي تسلمت “القدس العربي” نسخه منها لا يشغلن بالكم ما يظهره المحتل من جلادة، وما يطلقه من مزاعم للبقاء طويلا، فهذه مظاهر كاذبة، قوامها التمويه، والتسلي بالاماني، والحقيقة انه في ظرف مرٍ، وواقع اليم، فخيبة الامل تملا جوفه، والرعب يسكن جوانحه، والموت ياتيه من كل جانب وما هو بميت، وهو اليوم ليس له من هم سوي البحث عن وسيلة تيسر له الفرار باقل قدر من الخسائر، فلم يعد يحتمل منها المزيد.
فاستعدوا للحظة النصر، التي تحبونها ((… نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين…))من آية13/سورة الصف.. ولكن.. وهنا نلفت نظركم الكريم الي قضية مهمة، وهي: ان حركات الجهاد والمقاومة في عالمنا الاسلامي كثيراً ما تنجح في تحقيق النصر علي اعدائها، بيد انها ـ في الغالب ـ تفشل في التمكين لاهدافها بعد الصراع.. فهل حسبتم لذلك حسابا؟.
هذا السؤال مهم للغاية، وقد آن الاوان لتضعوه نصب اعينكم.
دائماً كنا نقول لمن يشكو ما ينزل علي العراقيين من البلاء، ان هذا زائل حتما، فوجود الاحتلال في ارضنا من شانه ان يوحد الجهود، ويفضي بالمحصلة الي التحرير، ولكن السؤال الصعب ـ هكذا كنا نقول له ـ ماذا بعد؟ ماذا بعد خروج المحتل؟!
ان الخوف من المجهول يكمن هنا.. والقلق يرد من هذا الموطن! وما لم تفكروا في تلك المرحلة من الآن، وتعدوا لها العدة، وتبكروا في الاتفاق عليها، فقد تفاجؤون بحصاد مر، يجعل شعبنا يحن الي مثل هذه الايام، علي الرغم من مرارتها، اذا ما واجه اياما اكثر مرارة، لا من حيث وجود الاحتلال، ولكن من حيث حصول الفرقة والاختصام، والتردي في جوانب الحياة كافة، تماما كما تلاحظون هذا الشعب بدا يحن الي ايام النظام السابق، علي الرغم من انها لم تكن ايام سلام ورفاه.
اذا لم تفعلوا ما تقتضيه المعالجة منكم لتلك المرحلة، فان ثمة عدة مآلات ستنتهي اليها الاحوال، عليكم التفكير فيها بجدية، وعدم اهمالها، ومنها مآلان، هما في غاية الخطورة:
الاول: ان يقطف ثمرة الجهاد والمقاومة غير اصحابها الشرعيين.
ان المحتل قد يخرج من الباب بفعل الجهاد والمقاومة، لكنه من الممكن ان يعود من الشباك بفعل من سيخلفه في ادارة البلاد، وهو من دون شك حين يقرر المغادرة، يهيئ البديل، والبديل الذي يقع عليه اختيار المحتل يكون عميلا لا محالة، ليحقق لاسياده، ما عجزوا عن تحقيقه بانفسهم من خلال الحرب.. ومن دون شك فان العميل القادم اذا تسلم السلطة فستكون من اولوياته ضرب عناصر الجهاد والمقاومة، وتصفية هذا التوجه الحيوي لها في رفض المحتل، ولعموم ابناء الشعب.
وها هو ذا المحتل ـ اليوم ـ علي ابواب لعبة سياسية جديدة، يحاول من خلالها استبعاد وجوه، وتقريب اخري، في حركة يائسة منه، لتحقيق شيء مما عجز عن تحقيقه طيلة الفترة الماضية.
فالحذر الحذر من ان تفتنكم بهذا الصدد عروض، قال الله تعالي ((ام حسبتم ان تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولارسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون )) آية 16/التوبةالثاني:
الاقتتال بين الفصائل.
وهذا احتمال وارد للغاية، اذا لم يكن للفصائل برنامج موحد.
لا ينبغي ان ننسي تجربة المجاهدين الافغان، وهذا لو حدث ـ نسال الله السلامة ـ فان تداعياته ستكون جسيمة للغاية.. فمن جهة ستفقد الامة الثقة بابنائها، وربما يتطور الامر الي اهتزاز الثقة بامر دينها.
لنسال انفسنا كم احبطنا عندما تحول الجهاد الافغاني الي اقتتال داخلي في مرحلة ما بعد تحرير افغانستان؟
هذا يمكن ان يتكرر ـ وعلي نحو اشد ـ اذا تكرر الخطا في العراق!!. فالعراق ليس متطرفا في المكان الجغرافي مثل افغانستان، والمعركة فيه حظيت بتغطية اعلامية اكثر بما لا يقاس مما حظيت به المعركة الافغانية، وبالتالي فان التفاصيل التي ستعقب الانتصار، سيطلع عليها الجميع، وعلي نحو اكثر سعة وشمولا، فاذا كانت ـ حينها ـ محبطة، وكاشفة عن نزاع داخلي، وصراع دموي، فمن الممكن ـ والحالة هذه ـ ان ينقلب اهل الجهاد في نظر الناس من حماة للبلاد، يفتخر الناس ببطولاتهم الي محاربين هواة، غايتهم الاستحواذ علي السلطة، وبناء مجد لهم علي الجماجم والدماء.
ولا ننسي ان المحتل انفق كثيرا من الاموال والجهود في سبيل شق صف المقاومين المجاهدين، ولم يياس بعد.
ولا نكتمكم القول: ان ثمة بوادر مقلقة بهذا الشان ـ للاسف الشديد ـ تاتي بمثابة طوق نجاة للعدو، ففي الوقت الذي يبدو فيه الرئيس الامريكي احوج ما يكون الي اقناع الكونغرس الامريكي والشعب الامريكي ودول العالم بضرورة بقاء قواته في العراق، تلوح في الافق مثل هذه البوادر المقلقة.
ان نزاعا من هذا القبيل سيكون ـ حتما ـ طوق النجاة المنشود بالنسبة له، سيقول الرئيس الامريكي لمعارضيه: لقد نجحنا في معركتنا مع اعدائنا، فالانشقاق طفق يدب في صفوفهم، امنحونا بعض الوقت، لننهي وجودهم!!. قال الله تعالي ((ولايزالون يقاتلونكم حتي يردوكم عن دينكم ان استطاعوا)) من آية 217/البقرةلذا نصيحتنا لكم الا تقعوا في هذا الفخ، وقد من الله عليكم بتجاوزه سنوات، لاسيما انكم علي ابواب النصر العظيم باذن الله.
يجب ان تعملوا علي احتواء اي خلاف بينكم بسرعة البرق، وان تتساموا علي الجراح، وان اقتضي ذلك ان تتجرعوا شيئا من المرارة، لان الهزيمة امام المحتل بعد كل هذه التضحيات، ستكون بمنزلة السم الذي سيصيب منا جميعا مقتلا واحدا.
قال الله تعالي ((ياايها الذين آمنو اذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون واطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ان الله مع الصابرين ) )الآيتان 45 ـ 46/الانفالان التوتر الملحوظ هذه الايام في العمل الجهادي بين الفصائل، متوقع وليس مفاجئا، وله اسباب، منها: ان المحتل ـ وقد قرر الخروج من العراق ـ لا يريد ان يخلفه مشروع جهادي ناجح، بل يسعي بما يملك من مكر ودهاء الي دس بذور الفتنة بين الفصائل، الي الحد الذي يبدون فيه امام الناس اصحاب اهواء واطماع ليس الا.
ومع حجم الاموال التي انفقها المحتل في هذه السبيل، واحداث الاختراقات في بعض الصفوف، وما جبلت عليه بعض النفوس من ضعف، وما يعتريها احيانا من اثرة وانانية، فاننا كنا نتوقع مثل هذا التوتر، واحيانا الصراع.
ايها الفضلاء.. ايها الاحبابان المرحلة التي تمرون بها من الخطورة بمكان، فالمحتلون علي وشك الخروج والهزيمة له ـ كما اسلفناـ مقبلة لا محالة، بحول الله وقوته، ومثلما امتحنت الادارة الامريكية في رسم سياسة ناجحة للبلاد بعد احتلالها له، وفشلت في ذلك فشلا ذريعا لاسباب عديدة، في مقدمتها جهادكم وتضحياتكم، فانكم ستتعرضون للامتحان ذاته، وعليكم ان تكونوا بمستوي المسؤولية، وترسموا للبلاد سياسة مستقبلية ناجحة.
وليس الامر بالهين، كما قد يخطر في بال بعض من لم يخبر هذا الميدان، بل ان بينكم وبين الوصول الي ذلك الهدف عقبات.
فانتم بحاجة اولا الي ان تتفقوا علي برنامج سياسي موحد، ترسمون من خلاله مستقبل هذا البلد الذي وثق اهله بكم، وعقدوا من اجل الخلاص من المازق الذي هم فيه آمالا عليكم.
ونؤكد علي ضرورة الاتفاق لانه اول الطريق الي النجاح.
ونحن حين نتابع اطروحاتكم نجد ان لديكم برامج واضحة، ولكن هناك خلاف في الرؤية حول ما ينبغي ان يكون عليه مستقبل العراق.
فبعض الفصائل فيكم تتبني مشروع الخلافة العظمي.
وثمة فصائل تريد للعراق حكما اسلاميا، وتقتصر طموحاتهم علي فعل ذلك داخل حدود بلدهم.
وثمة فصائل اخري تعتمد الخيار الذي يسعي الي تاسيس دولة مؤسسات حديثة، يكون الاسلام فيها الدين الرسمي للدولة، والمصدر الاساسي للتشريع، ولا يسن قانون يخالف ثوابته، وتكون هذه البداية لتحقيق الطموح.
هذا الخلاف يجب ان يسوي من الآن، وقبل ان يخرج المحتل، لان عدم تسويته سيجر اصحابه الي الاختلاف حتما، ومن ثم الاقتتال الذي حذرنا منه آنفا، ومن قبل حذرنا منه رسول الله صلي الله عليه وسلم بقوله: (لاترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) (121)رواه البخاري ونحن في هيئة علماء المسلمين وجهنا نداء عاجلا الي ابناء الجهاد ان يفكروا بهذا الامر مليا، وان يستعدوا للحظة يكونون فيها علي خط المواجهة مع شعبنا في تحمل المسؤولية، كما طلبنا منهم الحوار المبكر فيما بينهم، وابداء المرونة بهذا الصدد، لان الاتفاق بين جماعات تمتلك رؤي متباينة يتطلب ابداء تنازلات من جميع الاطراف، نزولا عند ما يمليه فقه الواقع ومعطياته، وتحقيقا للمصلحة العامة، التي اوجب الشرع مراعاتها.
ومن اجل خطوة في هذا الاتجاه دعونا الي توحيد الفصائل ـ منذ شهورـ علي مستوي اللقاء والتنسيق في اقل تقدير، ونجد الآن ـ بحمد الله ـ مبادرات في هذا الصدد، ونحن نؤيدها وندعمها، ونسال الله سبحانه ان يتم نعمته علي المجاهدين في تحقيق ذلك ويوم يحدث هذا، فسيجد المحتل نفسه مضطرا للتعامل معها بما يحقق الاهداف الكبري للبلاد ـ مباشرة او بالواسطة ـ لانها الجهة التي غدت ـ لتوحدها في الموقف والمشروع ـ قوة كبري لا يمكن تجاهلها، او يضطر الي ترك البلاد لاهلها، وفي الحالين سيكون بمقدورنا توجيه قافلتنا بالاتجاه الذي نريده، وليس بالاتجاه الذي يريده المحتل لهاولعل من المناسب التنبيه علي ان من الخطا الفادح ان تتعجل بعض الفصائل بفتح قناة للحوار مع المحتل قبل انجاز هذه الخطوة، كل علي حدة، وببرامج مختلفة، فهذا كمين يتقن المحتل نصبه بدهاء، ويحقق له اهدافا كثيرة، منها: شرذمة المقاومة لاضعافها، ودق اسفين بين فصائلها لتبتعد عن اللقاء فيما بينها، ومن ثم تفويت الفرصة عليها لتكون قوة فاعلة ومؤثرة علي الارض، ومنها استدراج الفصائل تحت وعود كاذبة بالتمكين لها من الحكم، واغراءات خادعة، وربما تشفع بدعم وتمويل ايضا، لتسير ـ من حيث لا تشعرـ في طريق تنفيذ مشاريع للمحتل، عجز هو بنفسه عن تنفيذها، فالحذر من ان يستمال بعضكم، من قبل اطراف معادية، لتقديم تنازلات تذهب بالدين والدنيا معا.