ليس البريطاني ألفرد هيتشكوك من المخرجين المفضلين لديّ، قد لا يخطر لي اسمه إن فكرت الآن – مثلا- بعشرة سينمائيين أحبهم. وليست أفلامه من تلك التي أبحث عنها من وقت لآخر. لكن لا يعني ذلك أن ليس لهيتشكوك مكانة المخرج العظيم في تاريخ السينما، ولأفلامه المراتب الأولى في أعظم الأفلام في تاريخ السينما. المسألة هنا ذوقية تماما، لا يلغي ذوقٌ الآخر.
أسلوب هيتشكوك في صناعة أفلامه (كتابتها وإخراجها) أقرب إلى العلوم منها إلى الفنون، عنده 1+1=2. كل حركة وكل كلمة، موضوعة مسبقا، سُئل مرة عن إدارته للممثلين فقال، إن المسألة بسيطة بالنسبة لهم، هنالك نص، ما عليهم سوى الالتزام به. كما نعلم أنه يعتمد على «الستوري بورد» في تصوير مشاهده، أي أن كل لقطة تم رسمها على الورق (زاوية التصوير، البعد، العمق، إلخ) وما على مدير التصوير سوى الالتزام بها. لتكون عملية التصوير/التمثيل (الصناعة التقنية للفيلم) تطبيقا لما تم مسبقا كتابته ورسمه، والكتابة والرسم لا يقوم بهما هيتشكوك لوحده بطبيعة الحال.
هذا أسلوبه، غير الفني برأيي، لكنه يَخرج بأفلام فعلا عظيمة ولها جمهورها، أفلام صار واحدها مثالا لغيرها، لمخرجين كثر تأثروا بهيتشكوك وصوروا مَشاهد «تكريمية» لتلك الأفلام.
ما أفضله هو ما أبحث عنه لأعيد مشاهدته، هي الأفلام الأكثر فنية، التجريبية، التي يكون فيها 1+1=3. طبعا أُحيل بذلك إلى السوفييتي أيزنشتاين وحديثه عن المونتاج، الذي هو – المونتاج- مسألة مهمة كذلك لدى هيتشكوك، ولكل من المخرجَين «العظيمين» أسلوبه وفهمه الخاص للمونتاج، لكني أنحاز إلى ما هو خارج المنطقي والمدروس والآمن، بالنظر إلى السينما كعمل فني، إذ لا تكون الحسابات «كما يجب أن تكون»، أو لا تكون تطبيقا لعمليات مسبقة يقبلها العقل، أو – باختصار- لا تكون هنالك قوانين جاهزة (سيناريو ورسومات) ما علينا سوى الالتزام الحرفي بها ليصنع، أيٌ منا، فيلما.

حجتي في ذلك هو دائما «العظيم» جان لوك غودار، صاحب – ربما- الرقم القياسي في كسر القوانين السينمائية، هو ورفاقه الآخرون من «الموجـــة الفرنسية» في السينما. لكن غودار، ورفاقا آخرين كفرانسوا تروفو، كانوا معجبين بـ«كلاسيكيين» كهيتشكوك والفرنسي جان رينوار وآخرين، إنما هو إعجاب التلاميذ بالمعلم الذي ستنكسر أساليبه على أيديهم (أو كاميراتهم)، خاصة أن غودار وتروفو وآخرين، جاؤوا إلى السينما من النقد السينمائي، من مجلة «دفاتر السينما»، أي من خلفية معرفية وثقافية كبيرة، وكذلك من روح ثورية تجريبية تزامنت مع زمن الثورة عام 1968.
هيتشكوك (المؤمن) كان بعيدا عن كل ذلك، بقي في مكان آمن، كرر أسلوبه في أفلامه، اعتمد على سؤال واحد هو «كيف سيتفاعل الجمهور؟» وعلى أساسه يبني المشهد التالي، لذلك تنال أفلامه شعبية أكثر من غيره، هي تسعى إلى التلاعب السيكولوجي مع المُشاهد وتوقعاته مما يشاهده. يصنع هيتشكوك أفلامه والمُشاهد في ذهنه، فتكون أكثر شعبية وأقل نخبوية.
كل ذلك لا يعني أنه ليس من بين الأهم والأكثر تأثيرا في تاريخ السينما، هو كذلك، لكنها مسألة أذواق طبعا. هنالك دائما مقارنات بينه وبين أمريكي هو أورسون ويلز، لتجاورهما زمانيا، لاشتغالهما في الولايات المتحدة، ولتبادل فيلميهما «فيرتيغو»، 1958، للأول و«المواطن كين»، 1941، للأخير، في المرتبتين الأولى والثانية في قوائم أفضل الأفلام التي تستمتع بعض الصحافة في إجرائها. أفضل ويلز المغامر والطليعي والمثقف، الذي يهتم بعملية الإبداع أثناء إنجاز الفيلم، وليس برد فعل الجمهور ولا شباك التذاكر.
الأساس في أفلام هيتشكوك هو التشويق، هي أفضل أفلام تشويق نعرفها، لكن التشويق يعتمد أساسا على الحكاية، وسيناريوهات هيتشكوك منقولة، غالبا، عن روايات وقصص. كما يعتمد ثانيا على تصوير لحظات التشويق تلك، وهذه نقطة قوة لدى هيتشكوك، لكن إحدى تلك المشاهد، الأكثر تشويقية في تاريخ السينما (لدى البعض) كان مشهد دخول القاتل إلى الحمام في فيلم «سايكو»، 1960، وقتل امرأة كانت تستحم. هنالك معلومات تشير إلى أن المَشهد، بلقطاته كلها، كانت مرسومة في «الستوري بورد» لقطة لقطة، من قبل آخر، وما فعله هيتشكوك كان تصويرها وحسب.
لذلك، للمساحة الآمنة التي «يخاف» سيد الأفلام المخيفة، الخوض فيها، لذلك كان قانونه الأقوى هو الالتزام بنص السيناريو وصورة «الستوري بورد».
لا أقيم هنا تصفية حساب مع هيتشكوك، هو أحد الأكثر تأثيرا في تاريخ السينما (ولهؤلاء الأكثر تأثيرا أساليب متباينة جدا)، والثقافة السينمائية لأحدنا تلزمه الاطلاع على أفلامه، على أهمها، على الأقل. وبالمناسبة، لا يعجبني كذلك المخرجون الذي يصنعون أفلاما كثيرة، العشرات منها، يكون معظمها رديء وبعضها ممتاز، هيتشكوك من بينهم. الباحث منا في السينما كأعمال فنية، كمنجزات ثقافية، لا كظاهرة شعبية وتشويقات مسلية، ستكون أفلامٌ لهيتشكوك من بين ما يحب، صحيح، لكن بعد قائمة تطول.
في السينماتيك الفرنسية، في باريس، بدأ برنامج استعادي كامل لهيتشكوك في 29 نوفمبر/تشرين الثاني، ولغاية 19 يناير/كانون الثاني. سأحاول المشاهدة وإعادة المشاهدة، إنما بدون متعة خاصة، فأفلام تعتمد على التشويق، على ما سيحدث في اللحظة التالية، على مباغَتة المُشاهد، قد لا تحرض على أن تُشاهَد مرة ثانية وثالثة، لكن سأمنحها تلك الفرصة، إلى أن تبدأ في 2020 عروض استعادية في السينماتيك لاثنين ممن فعلا أحب أعمالهم: الفرنسي جان لوك غودار، والإيطالي فيتوريو دي سيكا.
لنُمزمز قبلهما -إذن- على أفلام هيتشكوك!
٭ كاتب فلسطيني ـ سوريا