‘هيروشيما’ توثيق سينمائي للجريمة وتحاشي المجرم

حجم الخط
0

في مهرجان الأفلام اليابانية في القاهرة:

محمود عبد الرحيمثلاثة أفلام اتيح لي مشاهدتها قبل أيام في القاهرة خلال مهرجان الأفلام اليابانية الذي يحمل عنوان ‘ هيروشيما’، تكاد تكون واحدة، من حيث الرسالة المطروحة، ونفس لغة الخطاب، وإن اختلف القالب الفني ما بين الوثائقي والروائي، وزمن الانتاج، فبعضها يعود انتاجه لسنوات قليلة بعد الحدث التاريخي الشهير المتمثل في ضرب مدينة هيروشيما اليابانية بالقنبلة الذرية إبان الحرب العالمية الثانية، والآخر جرى انتاجه حديثا، ولذا لا نعجب أن نرى أفلاما بالأبيض والأسود، وأخرى بالألوان.

والأفلام الثلاثة، الوثائقي ‘ هيروشيما.. صلاة أم’، والروائيان ‘ أطفال القنبلة الذرية’ و’ بلد أزهار الكرز’، يركز صانعوها بشكل أساسي على إبراز هول ما قام به القصف الذري على الحجر والبشر على حد سواء، والذي امتد لسنوات ليست بالقليلة، وترك جرحا غائرا في جيل أو جيلين على الأقل من الشعب الياباني، ليس جسديا فحسب وإنما نفسيا كذلك، على نحو يبدو كما لو كان توثيقا تاريخيا لهذا الحدث سينمائيا، ومحاولة للحفاظ على الذاكرة الجمعية، وإبقاء هذه الجريمة ماثلة في الأذهان، غير أن الرسالة في المنظور الأشمل، تبدو مبتورة والوعي التاريخي الذي يراد تصديره للأجيال الجديدة يبدو مشوها بدرجة كبيرة، وتتلاعب به اعتبارات السياسة والتوازنات الإقليمية والدولية، حيث لا ذكر من قريب أو بعيد للولايات المتحدة التي قامت بهذه الجريمة التي لا تسقط بالتقادم ككل جرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية، وكأن تلك الواقعة وقعت من تلقاء ذاتها، وكأن القنبلة الذرية هي العدو وليست واشنطن، وثمة تحاش ٍ من الاقتراب للرؤية الأوسع التي تتجاوز مجرد هدم منازل أو إحراق مزارع أو مصانع أو حتى بشر، إلى التحول المصيري الدراماتيكي لهذه الأمة والتداعيات الكارثية الممتدة الأثر سياسيا واقتصاديا وعسكريا التي لحقت باليابان ككل، وحولته من امبراطورية ذات ذراع عسكرية قوية تتمدد في محيطها الآسيوي، إلى كيان مذلول مجرد من السلاح، عليه أن يقبل بوضعية المهزوم، ويبقى في وضع التابع لواشنطن، التي سرعان ما استولت على قواعد عسكرية لا تزال قائمة حتى اللحظة، وأعادت تشكيل هذا البلد الآسيوي الكبير سياسيا واقتصاديا، بل وتدخلت في كتابة دستوره، لتقضي على أية نزعة استقلالية له، مع قيام إحدى القوى المنتصرة الأخرى (موسكو) في ذات الوقت باقتطاع أجزاء منه، لا تزال محل نزاع إلى الآن.

وهذا الطرح المؤدلج الذي يفتقر للموضوعية بإخفاء جزء مهم من الحقيقة حذرا وخوفا من الفزاعة الأمريكية، يحول هذه الكارثة التاريخية إلى مجرد بكائية ووقوف على الأطلال، على نحو لا يتناسب مع شعب ذي حضارة عريقة كالشعب الياباني، وصاحب نهضة تقنية حديثة المفترض أنها قائمة على المنهج العلمي والعقل النقدي.

ومن يطلع على أدبيات اليسار الياباني، خاصة الحزب الشيوعي، سيجد أصداء لمثل هذه الرؤى التي نسوقها، لكن صوته خافت ومهمش وخارج دائرة التأثير.

وإذا ما ابتعدنا قليلا عن الإطار السياسي، واقتربنا من الفني، نرى أن فيلم ‘ هيروشيما.. صلاة أم’، ينهض في الأساس على تتابع للقطات فيلمية أرشيفية للحدث، وبعض قصاصات الصحف والصور الفوتوغرافية والرسوم التعبيرية أحيانا، وفي الخلفية صوت راو يقوم بسرد الوقائع والتعليق عليها بعبارات وصفية مختارة بعناية بها قدر وافر من المعلومات والإحصاءات، على خلفية موسيقية تعلو وتخفت نبرتها من حين لآخر، لتعمق اللحظة المشهدية وتشحنها عاطفيا، مترواحة بين الترقب والشجن واللحن الأقرب للجنائزية، وثمة شهادات محدودة في عبارات موجزة لبعض شهود العيان ممن تعرضوا للكارثة وتأثروا بها، حيث التركيزالرئيسي على صوت الراوي الثرثار بشكل يدفع على الملل، مع استعراض للمدينة بالكاميرا من زوايا مختلفة لإبراز آثار الدمار والخراب الذي حل بها، ولقطات مقربة ‘ كلوز أب’ باستمرار للضحايا، وموضع التشوه أو الإصابة، سواء في العين أو الأيدي أو الأقدام أو الظهر، خاصة الأطفال كنوع من الحشد النفسي للمشاهد والسيطرة عليه عاطفيا.

وثمة لقطة ذات دلالة انطلق منها الفيلم، لامرأة عجوز تحمل زهورا وتسير في الشارع، ونراها في النهاية جاثية على شاهد مقبرة ابنها لتصلي لروحه، وتذكره ومأساته حتى آخر العمر، سبقتها لقطة مكملة للمعنى لأطفال يغنون للسلام ويضعون الزهور على النصب التذكاري للضحايا، وكأن لقطة العجوز تمثل الإطار الذي يحيط بالحكاية كلها، ويمنحها العنوان والمغزى المراد إيصاله، فيما لقطة الأطفال تشي بتوارث الجيل الجديد لذاكرة الألم وحفظها من الضياع، بل وتحويلها لدعوة إلى السلام ونبذ الحرب.

أما فيلم ‘ أطفال القنبلة الذرية’، فاهتم بالمنظور الاجتماعي والصحي للكارثة، واتكأ على حبكة درامية بسيطة، حيث تقرر معلمة شابة بعد حلول العطلة الصيفية، أن تعود لمدينتها القديمة بعد خمس سنوات من الفاجعة، لتزور قبر أبيها وأمها اللذين قضيا تأثرا بالهجوم الذري، وكلما مرت بمكان تستدعي ذاكرتها مأساة من المآسي التى وقعت.

وقد استغل المخرج تقنية ‘ الفلاش باك’ مع الاستعانة بتداعي الأفكار والمعاني، على نحو يسمح للبطلة بالانتقال من اللحظة الراهنة إلى الماضي بسلاسة، ليتواصل السرد وتمتد خيوطه الدرامية، وننتقل من حكاية لحكاية بشكل بسيط ومؤثر في ذات الوقت، يقربنا من رصد التأثيرات الاجتماعية الحادة، والثمن القاسي الذي دفعه الصغار أكثر من غيرهم.

بدءا من مرور المعلمة بشاطئ البحر، ومشاهدة الأطفال يلهون في الماء، واستدعاء نفس اللحظة قبل خمس سنوات، حيث جرى إحراقهم في الماء، ليطفوا على السطح كالأسماك النافقة.

ثم الاقتراب من مقر بنك المدينة الذي كان أبوها مديره، لتتذكر واقعة تعرض أحد مساعدي أبيها للحرق على بابه حتى كاد ينصهر وفقد بصره، ليقضي بقية حياته حبيس الظلام والفاقة، ثم تلتقيه وهو يتسول في الطرقات.

وحين تذهب للمبيت عند زميلتها السابقة في روضة الأطفال، ويتبادلان أطراف الحديث، يتكشف لها أن صديقتها عاقر بفضل الاشعاع الذري وتسعى لتبني طفل من الناجين، ويشاهدان صورة لثلاثة أطفال من تلاميذها، تسعى بعدها للبحث عن كل واحد منه للاطمئنان عليه.

أولهما تعرض والده للاشعاع ورقد في انتظار الموت، فيما اضطر للعمل في مسح الأحذية، في مظهر مزر ٍ يدل على الفقر والحاجة، والثاني مات أبوه وأمه، وبقيت أخته مشوهة القدم تخشى أن تفقد خطيبها، فيما الثالثة فقدت عائلتها ودخلت لدار رعاية كنسية، ثم سرعان ما ماتت بعد أن هاجم ‘ مرض القنبلة الذرية’ ونهش جسدها النحيل.

وحين تذهب لزيارة حفيد الموظف السابق لدى أبيها، تراه يعيش في حالة بائسة بدار رعاية فقير، يضطر مديره إلى تشغيل الأطفال الصغار في تنظيف وزراعة الحديقة، فتسعى لإقناع جده العاجز عن تولي مسؤوليته بعد وفاة أبيه وأمه في القصف الذري، باصطحابه معها للجزيرة التى تسكن فيها لرعايته، وبعد تردد يوافق الجد البائس، وحين يجد ممانعة من الطفل نفسه يقرر إرساله برسالة للمعلمة، ويقوم بإشعال الكوخ، ليموت حرقا في مشهد شديد الدلالة، حتى يمنح الطفل فرصة لحياة أفضل، ولا يجعل من نفسه عقبة في طريق تحرره من المأساة التي يمثلها.

ويختتم الفيلم بلقطة دالة للمعلمة والطفل وهما على سطح العبارة، ينظران للبحر ويتطلعان للسماء، فيما الطفل يمسك في يده حقيبة صغيرة يبدو فيها رفات جده أو شيء من رائحته، وهو يقول أنه يصطحب معه جده، كما لو كان المخرج يريد أن يخبرنا أننا إن كنا نستحضر المأساة، فهذا من باب التذكر والحفاظ على ذاكرة الأمة، اللذين لا يجب أن يصرفانا عن التطلع للمستقبل والرهان عليه.

ولا يبتعد فيلم ‘ بلد أزهار الكرز’ كثيرا عن ذات التيمة الدرامية، ونفس التقنية، غير أن بناءه أكثر تعقيدا وجاذبية، باعتماده على شخصيتين وليس شخصية واحدة لرواية الحدث، من جيلين مختلفين، هما ابنة الأخ، والعمة، لتمتد فصول الحكاية من العام 1958 وحتى اللحظة الراهنة، وسط تداخل الأزمنة، والتوظيف الجيد لـ ‘ تيار الوعي’ في السرد، وإن قسم الفيلم لحكايتين منفصلتين متصلتين.

في الأولى ركز المخرج على العمة ومعاناتها النفسية بفضل ملاحقة الذكريات الأليمة لها في صحوها ومنامها، خاصة مشهد احتراق اختها الصغرى التي ماتت فوق كتفها، وموضع الحروق الذي شوه كتفها وظهرها، والذي جعلها تخشى الحب والزواج لإحساسها بعقدة النقص، وأيضا لكراهية الحياة التي اخذت منها اختها وتركتها هي.

وقد حرص المخرج على إبراز هذه التفاصيل بسلاسة من خلال مشهد الحمام، حيث نتمكن من رؤية الحروق والندوب بكتفها وظهرها، ومن خلال الكابوس الذي يطاردها باستمرار لفتاة صغيرة محترقة تناديها، والذي نجد تفسيرا له لاحقا، حين يتعلق بحبها شاب ويلاحقها في كل مكان، حتى تصارحه في النهاية بسر الرفض غير المبرر له، في لحظة درامية صيغت بحرفية، واعطت مساحة رومانسية للفيلم، حيث اختلط الحب بالحزن بالذكريات المؤسفة، ثم كان الرحيل موتا بشكل مؤثر.

لندخل في تفاصيل الحكاية الثانية، لكن بمزاج أقل كآبة، وايقاع أكثر سرعة، وكوميديا موقف تتخلل الأحداث، حيث ابنة الأخ الشابة، تشك في سلوك أبيها العجوز الذي يتصل بأرقام تليفونات بعيدة ومكلفة كما تظهرها الفاتورة، فتقرر مراقبته ظنا منها أنه يعيش مرحلة الخرف، وحين تجده يشتري تذكرة سفر لـ ‘ هيروشيما’ تقرر ملاحقته إلى هناك بمساعدة صديقة تلتقيها صدفة.

وخلال هذه الرحلة داخل بلدة أبيها يتداعى إلى ذهنها حكايات الأم الراحلة، والجدة عن ظروف ارتباط أبيها وأمها ورحليهما عن هيروشيما ولحظات الموت، فيما نرى صديقتها تنزف دما، فيذكرها هذا المشهد بأمها التي ماتت بنفس الطريقة، وبجدتها على سرير الموت وهي تناديها كما لو كانت ابنتها التي رحلت ضحية القنبلة حرقا.

ونجد الأب كلما تجول في المدينة تلاحقه كظله بشكل كوميدي يكسر سوداوية المواقف، حتى الوصول إلى النصب التذكاري للضحايا، ليتشارك كل منهما حكاية من حكايات الماضي الأليم، ثم يذهب إلى موضع وفاة أخته ليستعيد نفس اللحظة ويلتقي هناك بحبيبها السابق ليصليا لروحها.

وفي العودة تُفاجأ الابنة بأن ابيها يجلس بجوارها في الباص، ليخبرها أنه كان يعرف أنها تراقبه، وأن اللغز الذي كانت تبحث عنه بات مفهوما، ويعطيها صورة و’ توكة الشعر’ التى كانتا لعمتها الراحلة منذ خمسين عاما، وكأنها ميراث الذكرى الذي يجب أن يسلمها جيل لجيل دون أن يضيع في زحام الأيام.

ويبدو كما لو كان الفيلم يريد أن يخبرنا أن الجيل الجديد ربما تناسى المأساة بفعل مرور الزمن، لكن علينا تذكره باستمرار، لأن هذه المأساة في صميم ذاكرة الأمة وأشبه بالعدو الذي على الجميع أن يتوحد في مواجهته.

ونلاحظ في الأفلام الثلاثة حضور قوي للقطات الانفجار والبحر وبوذا، وكأنها رموز ملتحمة تشكل هوية هذا الشعب، وتؤكد خصوصيته ببعدها التاريخي المأساوي المتمثل في حادث القنبلة الذرية، وببعدها الجغرافي، حيث مساحة الماء أكثر من اليابسة في خارطة اليابان، وببعدها الروحي المتمثل في البوذية. كاتب صحفي وناقد مصريEmail:[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية