‘هيستيريا شتاء قاهري’ للشاعر جورج ضرغام: فن ‘تهريب الواقع’!

حجم الخط
0

محمود قرنيأحسد جورج ضرغام على ديوانه ‘هيستيريا شتاء قاهري’. أحسده ولا أتمنى أن أكون في مقعده الشعري، ليس لأن مقعده يمثل معادلة واطئة في مكانه، بل ربما لأنه يمثل المرتقى الذي يجعل من الصعب على شاعر أن يطويه، أقصد يطوي قلبه وينام. وبمزيد من الإسراف، تظل تتأجج تحت فراشه كل تلك الحدوس، المعرفي منها والجمالي. أسماء لرموز شكلت مخيلتنا بينما تكاد تحطم الإطار الشعري لتقفز في وجوهنا، نسوة يركضن خلف عشاقهن، رسامون، ثوار، شعراء، مأفونون، أرباب سوابق، أمهات، شهداء، فلاسفة، وخضم متلاطم من الانفلات الذي يفتقر إلى الكثير من الضبط، ربما هذا ما أحال تلك الكائنات إلى ملحمة شعرية حية ومتلألئة، تتوهج تحت مسافات معمقة من الألم والاجتراء والسفور، حتى لو أصابها العور في بعض الأحايين. عشرات الحكايات الهامشية وحكايات أخرى مركزية، تتخلق حولها الشعرية التي تبدو، تحت وطأة المعتقد الجمالي للشاعر، متشظية، مؤمنة بكليتها رغم اعتمادها على ماهو جزئي وقناعتها الكاملة بالفناء، شعرية تنطوي على بلاغتها الخاصة رغم اعتمادها على المعنى الشعري وليس البلاغة اللغوية، مركزية الذات لازالت تلعب دورا يبدو رابطا وحيدا لمفاصل تلك الهيستيريا الشعرية، فضمير المخاطب لا يغيب على مدار القصيدة، هناك إذن منشد وهناك آذان، هناك ملقن ونواه على ضفة، وهناك خطاؤون وأوابون على ضفة أخرى.لا أريد أن أصمم تصنيفا لانحيازات ضرغام الجمالية، لكن ذلك يبدو ضروريا لضبط بعض المفاهيم، لاسيما وأن الشاعر اختار القالب النثري أداة تعبيرية بما يستتبع ذلك من حمولة جمالية وإرث يفرض شيئا من التراتب النسبي. فهل اختيار الطريق حتما يفرض علينا قوانين السير ؟ ربما. لكن المؤكد أن ضرغام لم يكن سهل القياد، فخان أمانة الأسلاف، الذين كانوا موضع احتفائه، بصق على مقولاتهم في الوقت الذي حاول فيه تقديم نفسه كضحية. غير أن هذه الامتيازات التي تعبر عن مطامع شعرية غير محصورة أوقعت الشاعر في أسر نموذج ينطوي لديه على شيء من القداسة هو النموذج الشعري السبعيني، وإن كان ذلك بالقليل من الإخلاص. فالمعرفة شبه المطلقة كانت المسعي الأثير للشاعر .. كفهم متواتر منذ الحقبة السبعينية .. ومنذ أن اعتبر السبعينيون في مصر مقولات أرشيبالد مكليش إنجيلهم الجديد، هذا الرجل الذي اعتبر بدوره أن الشاعر، في حد ذاته، فعل مطلق يرود جبال العالم بحثا عن إجابة لسؤال الخلود .في الوقت نفسه يبدو مطلب ضرغام نقيضا لطموحه الجمالي، بما ينطوي عليه من نسبية، فكيف تلاقحت تلك الكائنات الشعرية بحيث صنعت هذا المزيج الواحد من كثافة التخييل. ربما نلتمس العذر لشاعرنا الذي يدوس بقدمه أرضا زلقة ستظل في حاجة دائمة الى مجسات جلجامش الذي رأي فقرر أن المعرفة تساوي الموت. من هنا أظن أن الاجتراحات الأولي التي تتعمق مع متاهة ضرغام الشعرية، تلهث خلف لؤلؤة مستحيلة هي نفسها المتاهة التي أشار إليها صلاح عبد الصبور عندما رغب في أن يقايض عمره بما ينطوي عليه ‘من التجريب والمهارة .. لقاء يوم واحد من البكارة’.أقول إن مقعد ضرغام العصي والبكر، سيظل في حاجة الى مزيد من الـتأمل طالما استمر في حراكه الذي يبدو جارحا ومجترحا. فهو شاعر لا يعتمد على ابتسار الألم بحيث يختصر ورود العالم في زهرة واحدة كما يقول هنري ميللر، ولايضن على قارئه بالمزيد من الشتم واللعن ووضع مكبرات للصوت أمام حفيف الألم واندلاق المني، والقبلات وشعر العانة والفرج الذي يستطيع أن يستخرج من باطنه رأس أسد بنفس القدر الذي يستطيع به أن يستخرج رأس حمامة. أقول ذلك وأتصور أن عنوانا يحمل كلمة ‘تهريب’ الواقع، على غرابتها، كما أشار إليها الشاعر الفلسطيني خيري منصور في إحدى مقالاته عن القمع في الثقافة العربية، ليس أمرا سهلا، خاصة إذا تصورنا أن الواقع نفسه: الشاعر، أمه وأبوه، أنا وأنتم، مواقعنا المرئية وغير المرئية، لابد لها من معادلات خاصة من الكثافة لتمر عبر حنجرة القارئ المسكين الذي ينتظر رحيقا من مخلب قط بدلا من أن يذهب بطلبه الى زهرة أو نحلة.فالواقع الذي أراد الشاعر تهريبه إذن لا تمثله تلك الوقائع الغفل في هيئتها الأولى، وإنما على الأرجح تمثله ذاكرة شعرية شديدة الجدة والطزاجة تعلن عن سفورها دائما وبلا خجل وتقول لأنصار الشعرية المعقمة ماقاله خيري منصور في المقال المشار إليه ‘الشعرية المعقمة هي تلك التي تشبه أطعمة المستشفيات، لا شوائب ولا جراثيم وفي الوقت نفسه لاطعم ولارائحة، تقول لهم: الحيوانات دائما قادرة على استخدام أعضائها وعملياتها الحيوية بشكل يمثل حرجا بالغا لسدنة الأخلاق’، فهل نحن مدعوون إذن الى حيوانية جديدة طالما سيسمح لنا حراس الفضيلة بمزيد من الحرية. ربما لذلك يقول بعض النقاد إن المحذوف من المدونة الشعرية العربية هو شعرها الحقيقي وما بقي على قيد الحياة هو زيفها الأصيل. وقد أحسن الشاعر صنعا بتلك المساحات الضيقة من الهواء النقي الذي دفع النهد لأن يكون رديفا للفاشية على مافي التعبير من مفارقة وطرافة ص 4، النهود التي لابد لها أن تتخلص من البراغماتيين حتى تمارس حريتها ص7، الشاعر العالمي الذي لا تصنعه سوى امرأة مازوخية ص 8، القاهرة وحدها قادرة على أن تصنع مسافة واسعة جدا بين النهدين ص 11، السيجار الكوبي الذي أصبح تعبيرا مثاليا عن العضو الذكري ص 16، الأنبياء الذين يتقدمون باستقالاتهم الى الرب ص 24، مومس مجنونة تسرق حذاءه لتسأله أين كان يقضي ليلته أمس ص 36، الرسام الذي أخلص للرب والمرأة فرسمهما عاريين ص 43، رأس الأسد التي تصبح تعبيرا حداثيا عن الفرج، وهكذا على مدار الديوان تتوالى صورة جديدة مجترأة ومجترحة للشعرية، ترفض التكيف في كل أحواله وهي في كل ذلك قادرة عبر تلك السرود على تسجيل دقائق حياتية تبدو أحيانا في هامش ذاكرتنا وهي الهوامش التي احتقرها الشعر العربي على مدار تاريخه، رغم أنها، كما يقول ‘ييتس’ من يملك الخيوط الموصلة الى الأبدية.وإذا كانت الإلماحات والإشارات المتوارية الى تأثر جورج ضرغام بالنموذج الشعري السبعيني قد بدت مبكرة، إلا أنني أستطيع الجزم بأن الشاعر نفسه يقود انقلابا ضدها عبر مكاشفاته ومباشرته في أحايين كثيرة، وعبر السخرية، وروح التهكم، أما الأقنعة المتعددة التي انطوي عليها ديوان ‘هيستريا شتاء قاهري’ فلم تكن، في أية لحظة، ضد الانكشافات الغامرة للمعني، أقصد بساطة التعبير الشعري، كملمح أول لتلك التسمية، وهذا ربما يتبدى في غياب الثقة المطلقة بالوظيفة الشعرية عكس ماكان راسخا لدى الشاعر التقليدي، كما يتبدي الملمح التاريخي لهذا القصيد الطويل الذي يمثل عنوانا لحقيقة مرة تتعلق بتلك الهيستريا التي لا ترتبط أبدا لدى الشاعر بهيستيريا الشتاء القاهري وحده بل بشتاءات ربما ضمت العالم. فاستخدام الشاعر لمفردتي ‘وقت ثلجي’ على مدار الديوان كأنها تميمة معرفية تبدوان في الحقيقة مظلة للاحتماء من هجير تلك الشعرية المتقدة، من هنا بدت كأنها خديعة تشي على مستوي قريب بأنها تعبير عن الانكماش والرغبة في الاختباء في الوقت نفسه تلعب دورا نقيضا، فهذا الوقت الثلجي دائما مايبدو وقتا حارقا وسط أجواء تلك الشعرية المستعرة والمتوهجة. يقول الشاعر : وقت ثلجي / أكره البدايات فهي ملك الرب / وأصحاب نظرية الثقوب السوداء. ص 59، الوقت الثلجي إذن يداري غبار الكون لحظة خلقه الأول. ثم يقول ص 41 : وقت ثلجي / الرغيف بارد جدا على رف المخبز / المزدحم بالجياع / والجثث طازجة كل صباح على النيوز بار ‘ الوقت الثلجي ثانية يواري سوأة صراع الجوعي من أجل البقاء وحرارة الجثث التي تعني بالضرورة استمرار إسالة الدم. وقت ثلجي أيضا جائزة نوبل التي يجب أن تمنح للصعاليك وبينهم كمايذكر الشاعر : عروة بن الورد ومالك بن الريب، الشاعر هنا يقايض وقته الثلجي برفقة هي جزء من تاريخ يكتظ بالحيوية والسفور والخروج على تقاليد المدونة البالية التي يحتقرها الشاعر. الوقت الثلجي إذن متعدد ومتنوع، مراوغ قدر وضوحه، يقيني قدر تشككه. ولعل إشارة الشاعر جورج ضرغام شديدة النثرية والتقريرية الى ذلك الخسران الذي يسم وقته الثلجي هذا يتجلي في قوله ص 30 ‘ ‘يخسر الثائر لأنه أكثر مثالية من قاتليه’ وهو ربما، أو هو كذلك فعلا، مقول مكيافللي المؤثر الذي شاع فقط على لسان اسحق دويتشر: الأنبياء المسلحون قاموا بالفتوحات أما الأنبياء العزل فقد ماتوا صرعي. ربما أيضا نجد تفسيرا لهذا الوقت الثلجي في الكثير من الاستغاثات وخطابات الرفض عالية الصوت التي يوجهها الشاعر للعالم. فقد بدت استعانته بالشعراء طيلة الديوان كمعين على الخلاص من قبح العالم إلا أنه لايتحرج من إهانتهم : لن أحل في معانيكم / لقلة البياض في الأبجدية والتناسخ / أريد أن أرحل فقد خدعنا الشعراء والسياسيون. ص 31. أيضا يتوقف دون إشارة أراها واجبة في هذا الموقع ومواقع أخري عندما يأخذ جملة افتتاحية يقول فيها ‘ خذ بيدي / أظافرك المقلمة لا تنهش / ولا تتجمل بالمساحيق. والحقيقة انها جملة افتتاحية مستغيثة أيضا لوالت ويتمان من قصيدته الشهيرة : ‘سلاما أيها العالم’ التي يفتتحها بقوله ‘آه خذ بيدي يا والت ويتمان’. ورغم ثقل الوظيفة التي يأخذها على عاتقه الشاعر جورج ضرغام إلا أنه ينجو، كنقيض غير جذري للشعرية السابقة عليه، من عدة نواح :أولا: عدم انشغاله بالنظر الى الشعر باعتباره تراكما معرفيا رغم تراكم الرموز التاريخية في ديوانه، ومن ثم لم تكن الوظيفة الشعرية إحدى انشغالاته سوى بالقدر الذي يعزز مساحة الحرية الجمالية ومن يمثلونها معرفيا. ثانيا: أن نص ضرغام يظل الأقرب روحيا الى الشعرية الجديدة والأكثر تماسا معها، لأنه جاء استجابة لعدد من المعايير منها تهميش البلاغة اللغوية في انتاج النص على نفقة البلاغة التي تتخلق من مشهدية متواترة في نص ينحو بطبيعة تكوينه الى الملحمية.ثالثا: أن نص ضرغام لم يُعلِ من شأن الموقف الايديولوجي على نفقة الشعري، ومن ثم انتقل الولاء الشعري الى الموقف الانساني بعامة في صورة الانسان المسحوق والمقهور في مواجهة أنظمة اجتماعية وسياسية قاسية.ربما تتبدي الصورة الشعرية لديوان جورج ضرغام على هذا السواء الذي لايخلو من اضطراب لأنه على رسل أجداده من رواد الحداثة الشعرية يري ان الاراء والنظريات لا تصنع الشاعر، وان الابداع يقلص من سطوة النظرية، لكن المؤكد انه يبجل الوعي المقابل لسطوة السؤال الوجودي ويبجل الجهد البشري المبذول في فك طلاسمه، ولما لا ؟ فالشاعر الذي لا يمتلك مثل هذا الوعي، يقوم في المقابل بتثبيت المشهد وتثبيت السائد. في النهاية، ما الذي يمكن لشاعر كجورج ضرغام أن يقوله إذا صدمته حادثة كتلك التي صدمت شاعر الهستيريا الأكيدة، أقصد شاعر الميتافيزيقا بامتياز ‘أندرو مارفيل’ الذي نكلت به هجائياته للنظام السياسي الكاثوليكي في القرن السادس عشر، وكائناته التي كانت تقتات في وقت مبكر على الزنابق كما كانت، وياللغرابة، تقتات أيضا على النفايات الهائلة التي تحيط بالمدينة العريقة. لقد عانى مارفيل وحدة فريدة بسبب مروقه، غير أن سنوات عمره التي قضاها موظفا حكوميا لم تكن تقترن على الإطلاق بقوة شعره قدر ماتعلقت بقدرته الفريدة على المزج بين الدور الاجتماعي الذي يحفظ للفن شرطا من شروط وجوده وبين الدور الجمالي الذي يحرر كائناته الشعرية من تلك الربقة التي تضعه فيها شروط التكيف مع المنغصات الكونية في صورها المختلفة ليتحول الشاعر الى فيل مطيع، هو نفسه الفيل الذي ابتكره مارفيل ليكون دليلا حيا على موت مفهومه الميتافيزيقي للقيمة. أغريب حقا ذلك الربط بين شاعر أنجلوساكسوني بامتياز كتب في القرن السادس عشر وحفيد له يكتب في القرن الثاتي العشرين ؟ لا أظن أن في الأمر شيئا من الغرابة، فلا زنابق مارفيل تصلح لفيل ضرغام ولا أوقات ضرغام الثلجية ستبدد حرارة الشعر لدي مارفيل، المسألة أن شاعر القرن السادس عشر هو الجد الأكيد للوركا الذي يتحدث عنه جورج ضرغام كأب روحي ويصف نفسه على مدار الديوان ب ‘شبيه لوركا’ وعندما هاتفته لأتأكد من خطل اعتقادي أو خطل اعتقاده أجابني أنه هو بالفعل. لا أنكر على ضرغام طبعا أن يكون شبيها للوركا، لكنني أنكر عليه ان يكون شبيها على أية حال، فلهب الشعر الذي حمله الشعراء على مدار التاريخ طالما أحرق أصابعهم في مشاهد ممعنة في مأساويتها، كما أن الميتة التي كللت روح الجد مارفيل والأب لوركا لم تكن أقل مأساوية من نهاية دانتوس الشاعر الذي أشعل النار في نفسه بعد أن قال: سحقا لمن سبقوني فقد قالوا اقوالي كلها! ما الذي تبقى اذن؟qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية