القاهرة ـ ‘القدس العربي’ هذه أيام حزينة في حياتنا، لم تتوقف فيها الجنازات والمآتم التي تشيع كل يوم قتلى من قوات الجيش والشرطة على أيدي الإرهابيين، والقبض على العشرات كل يوم منهم، ودخلت الأحزان كل البيوت، لأن الجميع أبناؤنا وأقاربنا وأصدقاؤنا. والمعركة خاسرة لا امل للارهابيين أو لغيرهم في كسبها، فعملية التغيير مستمرة وتترسخ، وأشبه بالبلدوزر الذي سيدوس كل من يعترضه، لا، لأن الجيش والأمن متماسكان وقويان فقط، وانما لأن الأغلبية تريد ذلك وضاقت ذرعاً بما يحدث من تعطيل لحياتنا، وهو واقع لا ينكره إلا من يضع يديه على عينيه حتى لا يراه، وستثبت الأيام القادمة ما نقوله، وقد نشرت صحف يومي السبت والأحد تفاصيل هذه الاشتباكات وحرق سيارات للشرطة، ومظاهرات هنا وهناك تم فيها تبادل اطلاق الخرطوش والرصاص والقبض على المشاركين فيها، هذا وقد أخبرنا امس زميلنا الرسام في جريدة ‘التحرير’ عمرو الصاوي بأنه شاهد بأم عينيه إرهابيا يمسك خريطة، ويحدد لإرهابيين العمليات التي سيقومون بها، وقال:
انت هترمي قنبلة هنا، وعبده هيروح يفجر نفسه، وأنا هدخل أنام عشان افكر للعملية الجاية.
ونشرت الصحف تصريحات وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم التي توعد فيها كل من سيحاول مهاجمة أي كنيسة، أثناء احتفالات عيد الميلاد مساء اليوم الاثنين وكل عام وإخواننا العرب المسيحيين والمسلمين بخير.
وإلى بعض مما عندنا:
مجدي حسين: لا يزال
الانقلاب يتستر باسم السيسي
ونبدأ مع زميلنا وصديقنا مجدي أحمد حسين رئيس حزب الاستقلال وتحرير جريدة ‘الشعب’: ‘كان أمامنا قائد للانقلاب حاكم بالأمر الواقع نحاسبه كشعب، وسوف نحاسبه بالتأكيد ان كان حياً، ولكننا الآن أمام أشباح، فلا يزال الانقلاب يتستر باسم السيسي، بينما لا يظهر السيسي إلا في صور وفيديوهات قديمة أو مضروبة، والدوبلير أصبح معروفاً بالاسم مع ملاحظة ان الدوبلير يكون عادة أكثر من شخص ويتم استكمال أي فروق في الملامح بالمكياج وفن تغيير الملامح وله محترفون في السينما وأجهزة المخابرات، وغالبا ما تستعين المخابرات بخبراء من السينما، وخطورة ما يجرى الآن ان الجميع يعلم ان رئيس الجمهورية المعين طرطور وأن الببلاوي رقم اثنين وأن السيسي هو الكل في الكل، فإذا اختفى فمن نحاسب من الناحية السياسية؟ الرد بسيط، ان المسؤول هو الرجل الثاني في الجيش أي رئيس الأركان صدقي صبحي، وهذا طبيعي ونحن نحمله المسؤولية عن كل هذه الفترة منذ السابع عشر من أكتوبر حتى ظهور السيسي حياً أو ميتاً، والفراغ في السلطة الآن يمكّن من ارتكاب جرائم أخطر من كل ذلك على اساس أن السيسي حيشيلها ميتاً، الوضع خطير، وهم سيفاجئوننا في أية لحظة بتفجيرات كبرى وقرارات خطيرة، لابد أن نحسم الأمر سريعا، مواعيد النصر يعلمها الله وحده، لا تعطوهم فرصة للتفكير وترتيب الصفوف، ما حدث أخيراً من تحرير الرهائن من النساء والأطفال في الإسكندرية وقنا وأسيوط وبورسعيد وسوهاج، وما حدث في السلوك وحوش عيسى، وانتشار الجلاشة ينبئ عن خير عميم، تظاهروا يومياً في كل مكان وأدبوا الشرطة، واجعلوها تلزم جحورها لتتظاهروا بمنتهى الحرية، ارجعوا من جديد للزحف على وسط المدينة في القاهرة، وحشدوا لذلك من المحافظات في مواعيد متفق عليها لتتصاعد الإضرابات العمالية والفئوية، وإضرابات الموظفين والعاملين في المطارات والموانئ وكل أشكال العصيان المدني، لا دفع للضرائب، الاستمرار في عدم دفع فواتير المياه والكهرباء والغاز والتليفونات، مقاطعة صحف وقنوات الحكومة والانقلاب، اكتبوا لا للانقلاب على البنكنوت، قاطعوا بضائع الشركات الأمريكية والشركات المصرية التي تعلن في برامج التوك شو، انها تؤيد الانقلاب، استمرار الاضرابات في الجامعات، ونقول للانقلابيين، المكان محاصر، سلموا أنفسكم، ولكم محاكمة عادلة، ولكن محاكمة بجد، أو أمامكم فرصة للهرب، ودعونا نتعامل مع الصف الثاني أو الثالث من القوات المسلحة، ولكن ليس تحت شرعية كامب ديفيد، ولكن تحت شرعية مصر العربية الإسلامية المستقلة’.
القوات المسلحة هي الحائط
الأخير الذي يحمي الشعب
وقد نشرت صحف السبت نص المقابلة مع محمد حسنين هيكل في حديثه مساء الجمعة مع زميلتنا لميس الحديدي على قناة سي بي سي، وكانت معلوماته مختلفة تماماًَ عن معلومات مجدي حسين، إذ أكد ان السيسي حي يرزق، وبصحة جيدة ويفكر في الترشح للرئاسة، فقد سألته لميس:
هل تتوقع أن يرشح نفسه للرئاسة؟
فقال: ‘حتى اللحظة نحن نقول انه الحل والمشكلة في نفس الوقت هو حل، لأنه حل الضرورة، لم يكن أمامي قادر ولم تكن أمامي زعامة معتمدة، ليس لدي سعد زغلول أو غيره، ولا أحمد عرابي، ليس لدي لا حزب ولا جماعة، لكن عندي حالة ضرورة وطنية الجأت الشعب إلى قواته المسلحة، فالشعب يرى انه بحاجة إلى حماية لكي يستطيع أن يتدبر أمر المستقبل بعيدا عن اللهفة والطوفان الخاص بالشوائب والعوالق، ولا الارتجال الذي أدى إلى مجيء الإخوان المسلمين. واضطررنا على أثره إلى إحداث تغييرين كبيرين خلال ثلاث سنوات وأصبحت هناك حالة فوضى شديدة، فإذا كنت لجأت إلى قواتك المسلحة لتعطيك هذه الطمأنينة بشكل ما، فأنت أمام اختيار ضرورة، ليس ذلك فقط في حقيقة الأمر، لكن لأنه رجل لعب ثلاثة أدوار رئيسية الأول انه توقى ان يدخل الجيش ويطيع في قضية التوريث، وبدا وهو الرجل الذي ظهر والناس تناديه بأن ثمة خطأ كبيرا رافق مجيء الإخوان المسلمين وخرجوا للشارع، وتقدم الرجل واثبت انه قادر، فهو صاحب الخطة الأصلية، التوقي من عملية التوريث ودوره في الثلاثين من يونيو، وكل هذه المعارك كانت دفاعية بالأساس، والآن، هو مطالب بأن يحمي المستقبل في عملية قد تبدو هجومية، والمؤسسة الآن أصبح دورها حيوياً، وأصبح لا بديل لها، وأنا لست مستعدا لاستمرار الشك فيها، فضلا عن أني لا أجد حلا آخر مع الأسف الشديد، فالمؤسسة لابد أن تلعب دوراً مهماً في مرحلة توفير الاختيارات المهمة، وقد تكون هذه الاختيارات صعبة، وقد يواجه في الداخل ببقايا أو رواسب من سياسات قديمة وأفكار قديمة وثقافات لم تتعمق تقول، يسقط، يسقط حكم العسكر، وبعض الناس من دون تمييز يقولون، العسكر، لديهم حساسية سطحية في بلاد أخرى، في ظروف أخرى في زمن مختلف وتركيبة مختلفة، وهناك الخارج الذي يعاني من مشكلة كبيرة جداً، لأن خططه كلها التي كانت مبنية على ظرف معين سقطت مثلا، ونحن نتحدث عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، لم نعرف له وجهاً إلا عندما جاء الإخوان الى السلطة، لأن هناك دولة خرجت لتبني المشروع المقبل، وهي تركيا، ونشاطه كله مركز هناك، وهناك من يقف في الخارج في عصبية شديدة لأنك أسقطت مشروعا أكبر بكثير جدا منك، عندما أنقذت بلدك وغريبة جدا ان تكون الإشارات الواردة من واشنطن واضحة رغم كونها منقسمة، لكن جزءا منها واضح، يقول لك، بلاش السيسي، والمحاذير التي تقع أمامه، عليه مهمة كيف يستعيد ثقة الشعب المصري في نفسه، وسأقول لك نماذج، الناس كلها أمامي تستغيث في طلب الأمن وهم أنفسهم من لديهم حساسية من البوليس ومن الجيش، تحتاجين إلى حكم قوي لكنك تخشين أن يتحول إلى نظام ديكتاتوري، وأنت تريدين استثمارا، لكنك تخشين من المستثمرين، نحن نخشى أجهزة الأمن كلها، لكن في ذات الوقت نستدعي هذه الأجهزة ونصلي من أجلها، والرجل يرى ويسمع من يدعوه ويشعر بأن دور القوات المسلحة مهم جدا في الفترة المقبلة، ويخشى على هذه القوات المسلحة، سمعته يقول لي، وأنا لا أفشي سراً في هذا، استاذ هيكل، أنا لا أريد أن اشعر بأني أُطلب، ثم اتخلى عن المسؤولة، أنا في اعتباري أشياء كثيرة جدا، فأنا حريص على القوات المسلحة، إذا هذه الدعوات الموجودة التي تقول، يسقط يسقط حكم العسكر، وأقول لهم، أين حكم العسكر في ظل حكومة مدنية ورئيس مدني؟ فإذا كنت أنا في السلطة وقيل، يسقط، يسقط حكم العسكر، لأني لا أريد للثقة بين الشعب والقوات المسلحة ان تتدهور لأن القوات المسلحة هي الحائط الأخير الذي يحمي الشعب من الفوضى.
وما سمعته منه مباشرة في المرات القليلة التي قابلته فيها، يُشعر بان الضغوط الموجهة عليه، والرسائل الموجهة إليه مباشرة، مفادها، بلاش، وهناك من يقول، تجنبوا هذا الترشيح، ما البديل؟ لا أحد يقول، ما البديل، أنا أظن انه يتدبر موقفه لكن اظن ان موعد الاستفتاء هو ذات الموعد الذي يراه ضروريا لقطع اليقين لكل هذا الشك’.
السيسي يطرح على من هم حوله
تصوراته للمرحلة المقبلة وتحدياتها
هذا ما قاله هيكل عن السيسي، كما أضاف في نفس اليوم السبت زميلنا وصديقنا عبدالله السناوي في مقاله في ‘الشروق’ معلومة أخرى:
‘الفراغ السياسي يستدعي رجل اللحظة القلقة إلى رئاسة الدولة، والحرب على الإرهاب دعته الى حسم قراره، وقد حقق انجازاً ملموساً في تخفيض مستوى أخطاره ووجوده في القصر الجمهوري يساعد على إشاعة طمأنينة عامة على كسب هذه الحرب في النهاية، بحسب معلومات مؤكدة فإنه بدأ يطرح على من هم حوله تصوراته للمرحلة المقبلة وتحدياتها، من دون أن يتطرق لقرار خوض الانتخابات الرئاسية، ربما أراد أن يكون واضحاً بدرجة أكبر أمام نفسه ومن حوله، أن يمهد لشيء ما يطرحه على اجتماعات أوسع تشارك فيها أطياف سياسية من مختلف القوى، في تقدمه للترشح الرئاسي معضلات تعترضه، فهو بحسب ما هو منقول عنه لن ينضم الى حزب سياسي قائم ولن ينشئ حزباً جديداً، وأنه لا صلة له بأي تجمعات وجبهات تقول إنها تعمل على دعمه، السؤال هنا: بأي ظهير سياسي سوف يتقدم للمنصب الأرفع؟، وبأي رؤية سوف يتقدم للرأي العام؟’.
‘أبوس إيدك اترشح’
والآن الى صحيفة ‘المصريون’ ورأي رئيس تحريرها جمال سلطان عن المرحلة الحالية والصراع الدائر بين انصار السيسي وانصار مرسي كل ذلك نقرأه في مقاله الذي عنونه بـ’ اضطراب القرار السياسي يربك الجميع’ يقول :’ هناك شعور عام بالقلق من غموض المرحلة الحالية وغموض المستقبل القريب في مصر، وهذا الشعور يسيطر على الجميع، أنصار مرسي وأنصار السيسي، ويشمل هؤلاء أيضا الذين يقفون في المنطقة العازلة بين الطرفين، لا أحد يثق في الخطوة القادمة، والقلق أكثر في معسكر خصوم الإخوان، وهو ما يفسر حالة الهستيريا في المطالب المتكررة والملحة للفريق السيسي بالترشح لرئاسة الجمهورية، وهي هستيريا وصلت إلى حدود بالغة الغرابة في التاريخ السياسي، هناك من هو على وشك أن يقول: أبوس إيدك اترشح، والحقيقة أن هذا الهوس مصدره الأساس هو الخوف من المجهول، والقلق من تطورات الأحداث، وشعور البعض بأن الفريق السيسي ومعه المؤسسة العسكرية وأجهزتها هو الوحيد الذي يمنع خطر عودة الإخوان إلى المشهد السياسي وإلى السلطة، في ظل هشاشة القوى السياسية الأخرى وعدم وجود البدائل المدنية التي تسد هذا الفراغ الخطير، غير أن هذا القلق ليس على المستوى الشعبي فقط، بل الأخطر منه أن يكون مهيمنا على القرار السياسي الرسمي نفسه، فلا يوجد أدنى شك في أن هناك اضطرابا في قرارات السلطة تجاه المستقبل القريب للبلاد، وهو اضطراب يشمل أطرافا كثيرة، منها مؤسسة الرئاسة التي تعاني حتى الآن من صعوبة اتخاذ قرار واضح بشأن أخطر مراحل خارطة الطريق بعد الاستفتاء، وهي الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، أيهما يكون أولا، رغم أنها أجرت لقاءات واسعة مع قطاعات عديدة في القصر الرئاسي وناقشت الأمور معهم، والانقسام واضح فيها، وغالبية خصوم مرسي والإخوان يجمعون على ضرورة أن تكون الانتخابات الرئاسية أولا، رغم أن ذلك تلاعب بخارطة الطريق التي حددت البرلمانية أولا، غير أن المعضلة هنا أن هذا الإجماع مرهون بخلفية أخرى، وهي أن يكون المرشح للرئاسة هو الفريق السيسي نفسه، فماذا يكون الموقف إذا قرر السيسي في النهاية احتفاظه بقيادة الجيش والاعتذار عن الترشح للرئاسة، المؤكد أن الصورة ستختلف وهذا الإجماع على تقديم الانتخابات الرئاسية أولا سيتفتت، كما أن الحجة الأخرى التي يطرحها أنصار جعل الانتخابات الرئاسية أولا قبل البرلمانية وهي الحفاظ على ‘وحدة الصف’ لقوى 30 يونيو، باعتبار أن الصراع على مقاعد البرلمان ـ إذا عقدت الانتخابات البرلمانية أولا ـ سيفرقها وينهي وحدتها، فتدخل انتخابات الرئاسة منقسمة ومفتتة ومتصارعة وهو ما يؤثر على إمكانية حسم نتائج انتخابات الرئاسة، غير أن هذه المشكلة ستفرض نفسها على الانتخابات الرئاسية، إذا اعتذر السيسي عن الترشح، لأن اعتذاره سيفتح المجال أمام آخرين يتصارعون بقوة على المنصب، وقد أحرج حمدين صباحي جميع شركاء جبهة الإنقاذ بإصراره على الترشح حتى قبل انتظار قرار السيسي، وهذه المتاهة تفرض نفسها على تفكير الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور…
هي أيام صعبة بكل المقاييس على مصر وشعبها وعلى الدولة وأجهزتها ، ومحفوفة بالمخاطر ، وكل الاحتمالات مفتوحة ، ولا يستطيع أحد ولا جهة الادعاء بأنها تحمل رؤية واضحة ومحددة لخطوات المستقبل القريب، وربنا يلطف بالبلد’.’
فساد الصحافة يضر بالصراع السياسي الوطني
اما الكاتب محمود سلطان فيكتب لنا في العدد نفسه من ‘المصريون’ مقالا عن اعلام الهيافة في مصر يقول:’ في عام 1988، وبعد انعقاد الاجتماع التأسيسي لمجلس التعاون العربي، الذي كان يضم’ مصر والأردن والعراق واليمن، قدم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، لرؤساء تحرير الصحف المصرية المرافقين للرئيس المعزول حسني مبارك، سيارة مرسيدس هدية لكل صحافي.. وكانت فضيحة مدوية، استشعرت حينها مؤسسة الرئاسة بالحرج، ولأنها كانت تعي أهمية الحفاظ على ‘مصداقية’ الصحافة المصرية، لاستخدامها كأداة ردع في أي خلاف سياسي مع الدول الأخرى، أمر مبارك، كل صحافي حصل على سيارة صدام، بنقل ملكيتها للمؤسسات القومية والحزبية التابع لها!
مبارك حتى ذلك الحين، كان بـ’يفهم’.. ولذا حرص على أن يرتق الفضيحة وبسرعة، لأنه كان يعلم، أن فساد الصحافة سيضر بأداة من أدوات الصراع السياسي الوطني.. ولن يصدقها أحد، بل ربما يحتقرها العالم.. ولعلنا نتذكر الخطاب للسفيرة الأمريكية السابقة بالقاهرة آن باترسون، الذي احتقرت فيه صحيفة الأهرام ـ أعرق الصحف الرسمية ـ ووصفت ما تكتبه بأنه ‘ليس صحافة أصلا’. ومنذ أسابيع شاهدت برنامجا يهتم بالصحافة العربية والعالمية على فضائية بي بي سي.. وعندما جاء الدور على الصحافة المصرية، سمعت من الحضور خطابا تهكميا ساخرا على ما تنشره الصحف المصرية، وقال أحدهم : يبدو لي أن غالبيتها تتلقى المانشيتات من جهة واحدة عبر التليفون، وذلك عندما لاحظ تشابه العناوين ولا يكاد يفصل بينها إلا حرف أو كلمة أو كلمتان على الأكثر.
‘والمسألة لا تتعلق بـ’صحافة التعليمات’.. أو كما يطلق عليها بعض المثقفين الآن ‘صحافة الجنرالات’.. وإنما على الخفة الشديدة وعدم التحلي بالمسؤولية، التي بلغت حد استخدام لغة تحريضية قد تورط الأمن القومي المصري بأخطار بلا سقوف.. بل باتت ‘أضحوكة’ في أخبارها وتقاريرها، حين اتهمت ‘أوباما’ بأنه إخواني متطرف وبايع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين في ‘المقطم’!.. أو أن الشاطر شريك السناتور الأمريكي جون مكين في تجارة السلاح، وأن شقيق أوباما نفسه هو مرشد عام الإخوان في عموم أفريقيا.. وان صحيفة الغارديان جزء من الثورة المضادة.. وأن ‘أردوغان’ الذي حقق نهضة تاريخية في بلاده ووضعها في قائمة أقوى اقتصاديات العالم، ‘غيران موت’ من شعبية الفريق السيسي.. وهي في مجملها خطاب أحمق لا يعبأ بعواقب هذا الاستفزاز للمجتمع الدولي في وقت باتت فيه سلطة 3 يوليو.. تكلم نفسها في القاهرة، ولا تجد من قادة العالم من يرفع سماعة الهاتف ليدردش مع الرئيس المؤقت والمعزول عن العالم في قصر الرئاسة. ناهيك عن الانطباع الدولي عن هذا ‘الهبل’ الذي ينشر في الصحافة المصرية، الذي قد يدرجها في قائمة ‘الصحافة الهايفة’.
والمدهش أن الإعلام ‘الهايف’ والصحافة ‘الهايفة’ منذ ليلة أمس الأول، وهي نازلة ردح وشتائم بذيئة في قطر.. واستخدمت لغة استعلائية على الشقيقة العربية، والكلام عنها بعجرفة وغطرسة لم أجد لهما مبررا حتى الآن. وحتى لو كانت قطر مخطئة.. فمن يصدق صحافة وإعلاما.. جعلا من أوباما زعيم خلية إخوانية نائمة في البيت الأبيض؟!.. ومن يحترم ‘هايف’ يترنح ويلوش كمن يتخبطه الشيطان من المس’.
دمية جاسوسة وتحرض على الإرهاب
وتتواصل قصة ابلة فاهيتا وتتشابك خيوطها لتصل الى الصحافة الامريكية والاوروبية التي بدأت تخشى على استثماراتها في مصر، ونقرأ رأي الكاتب عمرو خفاجي في جريدة ‘الشروق’ عدد امس الاحد في مقاله الذي عنونه بـ ‘مواسم السخافة’ يقول:’ حينما بدأت قصة ‘أبلة فاهيتا’ في التصاعد على صفحات التواصل الاجتماعي، لم أفهم القصة بالضبط، وهي تشبه الكثير من القصص التي تنتشر أحيانا بين الناشطين وغالبا لا يتجاوز الأمر كونها قصصا مسلية ساخرة يستمتع بها المتابعون لها، من دون أن ينشغل بها الرأي العام، على اعتبار أنها قصص هزلية تستخدم للمسخرة والنقد العنيف، من دون أن يكون لها أي ظل من الجدية، فتبدو دوما كهزل انتشر كثيرا على صفحات التواصل الاجتماعي في أعقاب ثورة يناير، لكن الصراحة تقتضي أن أشير إلى أن الأمر هذه المرة، للأسف الشديد، كان جديا، وحقيقيا، وأن هناك بالفعل من اعتبر تلك الدمية وسيلة من وسائل التجسس والتحريض على الإرهاب، وأن هناك وسائل إعلام تعاملت معها على اعتبار أنها اكتشفت قضية تجسس كبرى، ثم تم حسم الأمر بتقديم بلاغات للنيابة العامة، التي حولها النائب العام للتحقيق، كإجراء روتيني معتاد، لنصبح جميعا أمام مسخرة غير مقبولة، وبقدر ما فيها من علامات الضحك، بقدر ما تحمل بداخلها ما يدفعنا للبكاء الشديد على الحال التي وصلنا إليها.
أخطر ما في هذه القصة العبثية، أن وسائل إعلام كبرى، مثل فاينانشيال تايمز، والبي بي سي، ووول ستريت جورنال والواشنطن بوست، تعرضت لحكاية أبلة فاهيتا، باعتبارها مؤشرا على ما يمكن أن يتعرض له الاستثمار الأجنبي في مصر، خاصة أن الشركة المتهمة بتقديم الإعلان الداعم للإرهاب، كما تحدث مخترعو القصة، واحدة من كبريات الشركات العالمية في مجال الاتصالات، إن لم تكن أكبرها بالفعل، حتى أن بعض هذه الوسائل تساءلت عن موعد ذهاب مسؤولي الشركة للنيابة، لتتحول هذه الملهاة المحلية إلى مأساة عالمية، تتابعها وسائل إعلام دولية، واللافت للنظر، أن من اخترعوا القصة لم يتراجعوا عنها حتى هذه اللحظة، وكأننا قد أصبنا فعلا بخبل جماعي لم ينجُ منه أحد، خاصة مع إفساح بعض وسائل الإعلام لتصريحات أحد أبطال القصة التي يؤكد فيها أنه لن يترك أبلة فاهيتا إلا بعد معاقبتها بالسجن، وبصراحة أكثر أعترف بأنني حتى هذه اللحظة لا أستطيع التمييز بين الجد والهزل في هذه القصة، وأن هناك من يتحدث فعلا ويطالب بسجن دمية (عروسة) بتهمة خيانة الوطن والتجسس لصالح جهات أجنبية. ورغم حالة الكوميديا التي أنتجتها هذه القصة، إلا أن محرر الإيكونوميست البريطانية، عبر بشكل مدهش عما تعكسه هذه القصة، إذ قال إن مصر تعيش موسما من السخافة، وهو محق في ما ذهب إليه، تماما مثل الذي قاله خالد حجازي المتحدث باسم شركة فودافون صاحبة الإعلان الشهير باسم ‘شريحة المرحوم’، بأن شركته تشعر بالحزن الشديد لأن هناك من يفكرون بهذه الطريقة فى مصر، وأنا أتفق معه أيضا، فما حدث ليس فقط كوميديا سوداء، بل انعكاسا دقيقا لما تشهده مصر من حالة غريبة اختلط فيها الحابل بالنابل والهزل بالجد، والكفر بالإيمان، والثورة بالانتكاسة، والبناء بالتخريب، والحق بالباطل، فعلا مصر تعيش موسما من السخافة.. وعلى ما يبدو أنه سيطول لبعض الوقت، فعلى ما يبدو أن العقلاء تبخروا من هذا البلد، وعلينا أن نحزن جميعا لأن هناك في بلادنا من يفكرون بهذه الطريقة’.
مرحلة حرجة تحتاج إلى زعيم
وننتقل الى جريدة ‘المصري اليوم’ لنقرأ للكاتب عبد المنعم سعيد مقاله ‘في انتظار الرئيس’ يقول:’لم تفلح حجة السيد عمرو موسى بـ(أن ما تحتاجه البلاد هو برلمان للتشريع، وأن مصر بها رئيس فعلي هو المستشار عدلي منصور)، في إقناع زخم هائل من المصريين بأسبقية الانتخابات البرلمانية على تلك الرئاسية. ولم تنجح جماعات قليلة في التأكيد على أن البرلمان أولا، استنادا إلى مرجعية الإعلان الدستوري الذي رسم خارطة المستقبل وأولوياتها، وفي كل اللقاءات التي أجراها رئيس الجمهورية مع القوى السياسية والشعبية المختلفة كانت الأغلبية في صالح الانتخابات الرئاسية. وهكذا قدر الله، وما شاء فعل. وبغض النظر عن الكثير من الصياغات، فإن الحجة السياسية غلبت تلك القانونية أو التاريخية، وجوهرها أن البلاد تحتاج رئيسا، وفي قول آخر تحتاج زعيما يقود البلاد في مرحلة حرجة اشتد فيها الكرب والإرهاب إلى حيث يكون هناك أمان وأمن.
الصياغة هكذا ربما لا تكون كافية، وتحتاج فحصا وتمحيصا أكثر، فلم تكن هناك صدفة أن الإعلان الدستوري الذي أعقب ثورة 30 يونيو كان طريقا إلى ‘المستقبل’، وهذا ينتظر رئيسا للجمهورية يختلف عن كل الرؤساء الذين عرفناهم طوال العقود الستة الماضية. فمهمة الأمن من قبيل تحصيل الحاصل، لأن ذلك كان ما فعله تماما كل الرؤساء السابقين، وحتى تحقيق بعض من التنمية، وإدارة علاقات دولية نشيطة، كل ذلك كان هم الرئيس. هذه المرة فإن ما ننتظره مختلف تماما، وليس تكرارا لمستقبل مضى لا يزيد فيه الأمر على إخفاق تاريخي آخر، من الجائز أن تتحسن فيها أحوالنا بعض الشيء، ولكننا في نهاية المقام نكون في صفوف الدول المتخلفة التي تعيش على المنح والمساعدات، ويتركها أهلها بحثا عن لقمة العيش في بلدان أخرى، إذا وصلوا إليها بالطبع، ولم تلتهمهم مياه البحر أو عطش الصحراء.
الرئيس المنتظر لن يكون رئيسا ما لم يقاوم بشدة تراث سابقيه، ولن يكون ذلك ممكنا ما لم يقتنع الشعب المصري بذلك..
هي ذات القصة المتكررة في مصانع الحديد والصلب والنسيج والصحافة القومية، حيث تدهور الإنتاج من الصلب، وعجزت المصانع عن المنافسة، وتراجع توزيع الصحف والمجلات، ومع ذلك فالمطلوب الضغط على حكومة بلغ العجز فيها 240 مليار جنيه لكي تفي بمطالب العمال والموظفين، أو الاقتراض من البنوك العامة لكي تفي بمطالب الإداريين والعمال والمحررين.على خلفية هذه الحالة التي لا تجعل بلدا ينمو أو أمة ترفع رأسها بين الأمم، منطق عجز كل الرؤساء السابقين عن مواجهته، بل إن منهم من ساهم في ترديه، وآخر قسم الأمر نصفين، فكان يشكو في السر من منطق يجهر به في العلن. المنطق يسير على الوجه التالي: أن جميع البشر- وكذلك المصريين- متساوون، ولما كان ذلك كذلك، فإن ‘العدالة الاجتماعية’ وربما تضاف اليها ‘الكرامة الإنسانية’ تستدعي الحصول على دخول متساوية. المنطق سليم من ناحية، فقد خلق الله ‘بنى آدم’ على أساس المساواة أمام الله، وأمام الحساب في الدنيا (القانون) والآخرة.
ولكن من ناحية أخرى، فإن الله خلق البشر بقدرات مختلفة، من حيث الموهبة والقدرة العقلية والعضلية، وخلال حياة الإنسان فإن هناك من يتعلم، وهناك من يبقى على جهله، وهناك من هو على استعداد للعمل لساعات طويلة، بينما آخر متكاسل لا يعمل، ولا يجتهد. المسألة في النهاية تؤدي إلى اختلافات بين البشر، والمواطنين في الدولة، وليس سرا على أحد أن الأقل قدرة وموهبة وتعليما وجهدا هو عادة من يصر على المساواة، ويعتبر ما عداه فسادا، بل إن المنطق ساد أن كل من اغتنى كان غناه نابعا من فساد، وكل من قاد كانت قيادته نابعة من نفاق، وكل من اخترع أو حصل على جائزة نوبل كان لرضا الإسرائيليين عنه.
النتيجة الطبيعية لهذا المنطق الفاسد أن أصبحت مهمة الدولة و(رئيسها) إدارة الفقر، وليس توليد الثروة…. الرئيس المنتظر عليه مواجهة هذه المعضلة الكبرى، ما بين الحاجة الماسة إلى الموارد، والنزعة المروعة إلى توزيعها حتى قبل أن تصل إلى السوق. وما لا يقل خطورة عن ذلك هو أن تراثا كاملا لم يقم ضد الأغنياء فقط، وإنما ضد جماعة المستثمرين والعاملين في مصر. فالأغلبية الساحقة من الاستثمارات التي جرت في مصر خلال العقود الماضية، وتحديدا منذ عقد السبعينيات، قامت على أكتاف المصريين، ولم تعرف مصر استثمارا أجنبيا كثيفا، وفي قطاعات متعددة، إلا خلال السنوات الخمس السابقة على الثورة الأولى. ..
الرئيس الجديد سوف يكون عليه مواجهة الهجمة التي ألمت بهذه الثروة المصرية القابلة للتطــــــوير والانطلاق، بعد أن يرفــــع عنها لعنة البيروقراطية وموظفي الدولة، والعمالة التي تريد التعامل معاملة موظفي الدولة. ويمكن للرئيس أن يقاوم الفقر، ويزيد من موارد الدولة، إذا ما نجح فى احتضان القطاع غير الرسمي الذي يقدر وفق أكثر التقديرات محافظة بنسبة 35′ من الناتج المحلي الإجمالي. هؤلاء فقراء، ولكنهم يعملون، ويجتهدون، ويحاولون العيش الحلال، ولكنهم مطاردون ملعونون من موظفي الدولة’.