هيكل يدعو لصيغة جامعة للقبطي والمسلم ونصر الله يتألم لشيعة البحرين!

حجم الخط
0

لينا أبو بكر

إنه البصار اليهودي الأصل ‘عراف الكوارث’ صاحب رباعيات القرون ـ إن جاز لي القول ـ نوستر آداموس، الذي شغل الدنيا وبهر الناس منذ صدقت نبوءته بموت فرانسوا الثاني ابن هنري الرابع مسموما، إلى احتراق المدينة الكبرى ‘يورك’ في هجمات الشهر التاسع من سنة القرن الجديد، كما ورد في أحد المواقع الإلكترونية على لسان هذا العراف الملعون.

فإن كنت تتابع إعلام النظام الليبي تجد نسخة مستحدثة من هذا البصار، الذي ضرب جذوره في عمق الكارثة، ومع تطابق الجذور يأتي صدق التنجيم ممهورا بإمضاء رئاسي، لأن كتاب ‘الفرار من الجحيم’ – كما ذكر تقرير العربية تطرق إلى ‘ثورة الجماهير’ التي هي الأب الذي يحبه البصار الليبي ويخشاه، ولهذا تتخذ أحيانا شكل الجرذان وأحيانا تحيطها هالة مفاجئة من العظمة! عملية الأوديسا ارتبطت أيضا بذلك التنجيم، وما هذه التسمية التي يكرسها الغرب في ملحمة الإنقاذ تلك سوى تأكيد على خطة تنجيمية ترى تفاصيلها ماثلة أمام عينيك منذ خطاب ‘باب العزيزية’ الأول حتى هذه اللحظة! لأن أوديسة هوميروس بدأت بانتصار الإغريق، كما ذكر تقرير ماجد عبد الهادي على الجزيرة – واختراق طروادة بحصان خشبي، ولكنها استمرت سنين عددا، وهنا يصدق التنجيم لما تكون فترة الإنقاذ الملحمي الطويلة الأجل ـ كما ينبئ الاقتباس – هي فترة تمديد – تحصيل حاصل بحكم الظرف – وإطالة لعمر النظام، ويا لها من معادلة تبصيرية مدهشة يا سيادة العقيد وكدت أقول هوميروس فعدلت!

دريم الحقيقة شباب الثورة مثل الذي طلع القمر وقال: ‘أنا عايز كباب’! هكذا يقسو هيكل مستحضرا عادل إمام في ‘إرهابه وكبابه’ رغم اعتذاره عن هذه القسوة مع تأكيده على ‘مطلق الصراحة’، فهل غضب أو اعترض أو انفض الشباب عنه؟ في الحقيقة لا، بل على العكس لقد أصروا على الالتفاف حوله كمُلهم وليس ندابا على طريقة السلفيين الذين ينجمون ولو صدقوا، وهم يحدثونك عن جنة لا تنفصل فيها الدولة عن الدين، فيغيبون شروط المواطنة غير القائمة على الهوية الدينية لمصلحة التطرف في اعتبارات وطنية عرجاء، فهل المادة ‘2’ في الدستور المصري كفيلة بأن تضمن لهم السلطة الأفظع: ‘الضحية التي ترث السياط وتتولى مهمة جلادها’؟ يرى هيكل أن الكتل الوطنية يجب أن تكون متفقة على صيغة للعيش المشترك بين كافة الطوائف، وقد أعلن مقته لمفهوم الدولة الإسلامية، فما بهؤلاء قامت الدنيا ولا لأجلهم سقط مبارك، ربما لو كان للثورة ‘قارؤو ودع’ يطلعون على غيب الأحزاب، لما كانت الثورة حركت شارعا ولا زقاقا ولا حذاء ولا حتى حنطورا يحمل غصن زيتون باتجاه ميدان التحرير! اللقاء مع هيكل أداره الفنان المصري الذي انضم إلى شباب الثورة، عمرو واكد، بمشاركة شباب الثورة أنفسهم الذين حركوا البرنامج عن طريق رسائل وأسئلة لهيكل يقوم هو بالإجابة عنها وتحت بند الصراحة التامة. الاستثناء في الموضوع جاء بألا يدير الحوار مذيع أو مذيعة على الطريقة التقليدية، التي تخضع لوجهة نظر الإعداد وليس بالضرورة أن تتناول ما يدور في خاطر من يقبعون وراء الشاشات، يخضعون لإدارة طاقم البرنامج، من دون أن يشاركوا فيه، دريم تلبي حاجة الثورة إليها، خاصة في هذه المرحلة من عمر مصر التي يرى هيكل أن الثورة فيها تتعرض للتغييب والتهميش، وأن من أطلقوها يتوقف دورهم، فهل هنالك شرطة سياسية تقوم بالتحكم بسير المرحلة على طريقة شرطة المرور؟ الأمر إذن لم يزل يقع تحت وطأة البوليسية السياسية، ومن يكمل مهمة الثورة الآن هو الإعلام نفسه الذي حاول قبل نجاحها بتر ساقها قبل أن تصل للقصر الجمهوري ولم يفلح، فهل هذه هي فرصته الأخيرة لتسديد العيار الإعلامي الثقيل لها: أسلمة الخطاب الإعلامي بمضمونه وضيوفه وكواليسه وحتى مشاهديه؟ المطلوب: الطلب! حكم الدستور المُبَوْلَس يعني البوليسي مصر لعقود فكانت الدولة المباركية البوليسية التي يعتبر فيها القانون إله الحكم المطلق بما أنه وضيعة الشرطة، كما قال هيكل الذي انتصر للدستور عليه فهذا كما هو متعارف دوليا صنيعة الجيش، يقول لك هيكل هذا وهو ممسك بناصية التحليل الهادئ السريع الحكيم المتأمل، وله في هذا باع أطول من عمر الصبر، فهو ليس في عجلة من أمره، بل ويستغرب استعجال الجيش في إجراء التعديلات الدستورية، مؤكدا على ضرورة المرحلة الانتقالية بعد التغيير، ومعترضا على تحويل الدستور إلى مسألة أقلية وأغلبية، لأنه قائم على مبدأ التراضي، مستنكرا التعامل مع الثوار في مرحلة التعديل بصفة ـ الموقع أدناه على استمارة التعديل تلك ـ يعني: ‘ابصم وبس’ فكيف يرضى الثوار بهذا الدور الإملائي بعد أن قاموا بكسر الحواجز عن بكرة أبيها، لاعبين دورهم الإرادي الأقوى؟ لا يمكن للثورة أن تنقلب على أصحابها، ولكن يمكن لهم أن يجروها من عنقها إلى حيث يوصيهم هيكل، وقد طلبوا نصيحته، فكان المطلوب هو: ‘الطلب والإصرار عليه وممارسة كل الضغوط من أجل تحقيقه’. كم نتمنى أن تكون تلك الحلقة مع هيكل هي حلقة يتأهب بعدها الشباب للحراك الحي المدوي والجريء، من دون مبارحة القمر ولو قيد أنملة، وهذه هي الحلقة الاقوى الخارجة من رحم إعلام الثورة الحقيقي على دريم، فإلى الأمام يا ثورة إلى الأمام! قلب نصر الله على البحرينخطاب نصر الله الأخير كان مؤلما لأنه استخدم الألم كحق ليأسف لحال الثورة البحرينية مع الإعلام العربي، فهل تصبح الثورة هنا مصدر قلق وخطورة على حرية الإعلام الذي ناصر الشارع حتى نَصَرَه؟ ألا يمكننا بهذه الحالة أن نَعُدّ التعتيم على مظاهرات سورية والبحرين محاولة جادة لإخماد ثورتيهما؟ يختار نصر الله دائما اللحظة الحاسمة في مخاطبة الجماهير، ولحظة التعتيم هذه هي التي يضيء فيها شرارة الاستمرار والصمود للثورة البحرينية، وليس علينا التعامل مع هذا الخطاب على أنه مشاركة بفرز الثورات ـ مذهبيا ـ إلا أنه الحق الذي يعطي لصاحبه الحق به.

الغريب أن الثورات العربية قد تغير خارطة المصالح السياسية التي تتضارب الآن وبشكل كبير على الصعيد الإعلامي، لحلفاء كانت تجمعهم الثورة والآن قد تفرقهم إلى غير رجعة، فنخاف على من: على الثورة أم على المقاومة؟ أم ربما علينا أن نخاف على الإعلام؟! بي بي سي غطت بي بي سي العربية أحداث الثورة السورية بعدالة أكثر من غيرها، فلأيام متتالية والموضوع يحتل صدارة الاهتمام على شاشاتها، وربما ما لفت خلالها هو: نظرية ‘الكاتالوج’ التي وضع دعائمها ـ المخلوع أحمد شفيق ـ ولكن هذه المرة تحضر نظريته بهيئة متشقلبة، يعني ليس كاتالوج الثورة بل كاتالوج النظام العربي كأنه تفصيلة لزي موحد، وهو الخطاب الإعلامي ـ نفسه حرفيا ـ الذي تستنسخه الأنظمة وهي تبرر للفضائيات هذه الثورات من منطلق التغرير بالشباب، وتضليلهم، والمصالح الخارجية، والفتن الداخلية بأيد مستعارة وعميلة، وإلخ إلخ… الكاتب الصحافي أحمد الحاج علي لم يتوان عن هذا القول في لقائه عبر الهواء من سورية مع فدى باسيل التي عجز عن تدارك احمرار وجهه معها لما سألته مستنكرة تغيير المحافظ من أجل قلة قليلة؟ وهو نفس سؤال زميلها لشفيق في أحلك لحظات الحكم، فتأتأ حتى امتلأت خدوده باللعثمة، واحتار كيف يستعين بالكاتالوج على طريقة عادل إمام في ‘شاهد ما شافش حاجة’ أو على طريقة الذئب في: لا تقصص رؤياك على الإعلام فيكيد لك!

الحاج لم يكن في مواجهة ضيف يحاججه بل كان في مواجهة باسيل، والتقرير الذي استعرض سير هذه الثورة في الإعلام السوري الذي كان يعرض صورا هادئة ووديعة لدرعا على الشاشة، بينما تغلي قدور شوارعها حمما، الآن على ماذا يعول النظام؟ على الطغيان؟ بشرى فقد انقلب الطغيان على أصحابه وانضم لصفوف المتظاهرين، وما صبر الشعوب على القهر إلا ضمان لصبرهم أضعافا على النصر!

من هنا وهناك لم يعد يحيل الاستشهاد على الفقد، وليس هو إحالة على الخسارة، نحن نعيش عيد أم مختلفا تماما، تكرس فيه أمهات الثورة لمعنى جديد للأمومة في فيء انتفاضات العرب الكبرى، كما هو شعار قناة الحوار، فأم الشهيد تؤثر حضن الجنة على حضنها، وهي إذ تختار لابنها الخلود على الحياة فكل عام وكل ثورة هي أم وكل أم ثورة!

الشاذلي تحتفل بطريقة استثنائية مع أمهات الثورة على دريم، هذه المذيعة بكل خبثها لم تزل تمسك زمام بقائها، وهي التي تميل حيث الريح، فهل أقول سبحان موزع الأرزاق واللهم لا حسد؟ أم أن الكلمات تموت حين تقال، ودقيقة صمت من فضلكم، لأن الخديعة انتقلت إلى العاشرة مساء ولا عزاء للثورة!

شاعرة عربية www.linaabubaker.comwww.facebook.com/lina abubaker

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية