هُويّات السيرة الذاتية: خرائط الأنا الجديدة

رغم الأيديولوجيا التي كانت تناوئها وتُشنع بأعمال كُتابها خلال القرن العشرين، بل ما تزال اليوم تواجه بعض الثغور«المحافظة» لأسباب دينية وثقافية، استطاعت السيرة الذاتية، أن تفرض نفسها كنوع أدبي جدير بالاحترام، خلال العقود الأربعة الأخيرة، وربما قلنا إن ذلك حصل بسبب اتساع هامش الحريات والديمقراطية، أو بفضل التقدم التكنولوجي، ثم بسبب سحر المعيش واليومي الذي أخذ يمارس إغواءه على المؤلفين وعلى المتلقين أنفسهم.

ازدهار كتابات الأنا

ثمة مسارٌ نظري غني ومتشعب يصاحب تأمل الخطاب السيرذاتي وبحثه، ومن خلاله يمكن التعرف على أهم المشكلات والقضايا التي طرحها هذا الخطاب. وبما أن الأطر الإبستيمولوجية، الصريحة أو المضمرة، المعتمدة في مقاربة النصوص السيرذاتية كانت مختلفة ومتنوعة، فقد انعكس ذلك على جهود المقاربات النظرية والنقدية، التي تفاعلت في ما بينها معرفيا، وتباينت من حيث طرق تحليلها وأجهزة تلقيها، إلى درجةٍ تكشف أننا بالفعل أمام «نوع ذي اعتبار»، لقي اهتماما مُتزايدا في الوسطين الجامعي والثقافي، وأن «الإبستيمي» الذي تحكم فيه منذ نشأته، لاسيما عبر تثمين أنماط الكتابات الذاتية، ساهم في تطوير النقاش الخاص بهذا النوع، من حيث قضاياه المعرفية والمنهجية. وأبرز تلك القضايا؛ هي: حدود السيرة الذاتية كمحاكاة للواقع المعيش، والمظهر المرجعي للخطاب السيرذاتي، والخواص النوعية للكتابة السيرذاتية، ومفهوم المؤلف كمصدر وحيد لدلالة النص، والوعي بالذات وتدوينها في الخطاب بضميرها اللاشخصي، وذاتية الذات السيرذاتية وتفردها، وثغرات الذاكرة والطابع التخييلي للنوع، وابتكار الذات وبناء الهوية، عبر رهان الغيرية، ثُم تبلبل مفهوم المرجعية في سياق المقاربة ما بعد البنيوية (التفكيك، علم النص، التحليل النفسي)، أو في حُمى التاريخ الثقافي والنشاط الأسطوغرافي.
وفي خضم هذا الاهتمام المتعاظم بالكتابات الذاتية في العلوم الإنسانية، فإن خريطة الأدب المعاصر تشهد بروز أجناس السيرة الذاتية الصغرى، أو المتفرعة عنها بشكل مثير للإعجاب والاهتمام: الأدب الشخصي أو الحميمي، الشهادات السيرذاتية، محكيات الذات، الأدب الذاتي، قصص الحياة، التخييل الذاتي، اليوميات، المراسلات الرسمية أو الخاصة، الاعترافات، المذكرات، القصيدة السيرذاتية، محكي السفر، وثائق المعيش، وغيرها من النصوص المكتوبة بضمير المتكلم المرجعي، التي تحمل على مراعاة احترام الشخص الإنساني وحقوقه الاعتبارية؛ بما في ذلك بطاقات السفر البريدية، وألبوم الصور، والموضوعات التي تم جمعها من نهج السيرة، والمقابلات الإعلامية، والمقدمات، والمحادثات الغرامية، والموضوعات التي تم جمعها من نهج السيرة، والوصية، وحتى ضروب المونولوغ الداخلي، حيث الذات تحكي تاريخها الخاص بشكل يومي. كما أمست المُدونات والشبكات الاجتماعية الرقمية (فيسبوك، تويتر، أنستغرام..) تُمثل بدورها مِنصاتٍ مُغْرية لعرض «الأنا»؛ حيث ينشر أصحابها صُوَرَهُمْ الشخصية والعائلية، وخصوصياتهم الحميمية وذكرياتهم الطفولية وأنشطتهم شبه اليومية، ويُنْشئون بينهم وبين القراء مواثيق من طبيعة خاصة.
إن مجموع هذه الأشكال التي أفاضت أسرار «القارة المجهولة» وبسطت كنوزها بأساليب وطرق مختلفة في العرض والاستكشاف والابتكار، تستجيب بطبيعتها لسحر الشخصي والحميمي واليومي، وينهض بها أنا الكاتب وأنا الذات في فضاء كتابته؛ ذلك الأنا الذي يستطيع أن يُفاوض من خلال الكتابة السيرذاتية فضاء مُميزا، ويدرك نفسه بقدر ما يدرك الآخر ويدرك العالم الذي ينخرط فيه ويكتبه، باحثا عن معنى جديد لهُويته من أجل إعادة ابتكارها عبر رهان الغيرية.

اختراقات ومصاهرات

لقد اتسع نوع السيرة الذاتية، ليس بسبب الاهتمام بشخصية المؤلف وإمكانية التماهي مع حياته نفسها فحسب، بل وإعادة بناء هذه الحياة نصيا واستثمارها كتابيا أو مشهديا، إلى أن فرضت جاذبيتها على الأنواع الأدبية والفنية الأخرى وأثرتْ فيها، مثل: الرواية والمسرح والسينما والفيديو، وفي الشعر تحديدا. فقد أصبح للكتاب والفنانين المعاصرين ميْلٌ إلى توجيه محكياتهم وأشكال خطابهم وفنهم في الغالب على شخصهم الخاص، وبالأخص على مرحلة طفولتهم. ونشأ هذا الميل أساسا من العكوف على التجربة الداخلية وأغوار الذات. وإذا كانت الرواية، أي رواية، غالبا ما يتم تقويمها قياسا إلى علاقتها مع النوع السيرذاتي، واستشكال هذه العلاقة في نماذج منها معلومة (الرواية السيرذاتية، الرواية الشخصية، رواية ضمير المتكلم..)، فإن الأمر في غيرها يُعقد وضعية الميثاق اللوجوني. وبالنسبة إلى المسرح، يتعدد الوسطاء (المؤلف، السارد، الشخصية والممثل)، وعليهم أن يكونوا، خارج التمثيل، شخصا واحدا بعينه، حتى يتطابق مع النوع. ولهذا، ينبغي أولا النظر في نوعية التواصل المسرحي، فصيغة (القول)، هنا، هي صيغة (الفعل) نفسه. وفي السينما والفيديو، فإن الأمر ليس أقل تعقيدا، وهو ما وقفت عنده إليزابيث بروس؛ حين أثبتت أن وحدة الذاتية والذات المتناوَلة، أي ذلك التطابق الضمني بين المؤلف والسارد والبطل الذي ترتكز عليه السيرة الذاتية الكلاسيكية، تتفجر في السينما؛ إذ يتحلل الأنا في السيرة الذاتية وينقسم إلى عنصرين غير قابلين عمليا للالتئام هما: الشخصية المصورة (المرئية كلية، المسجلة والمعروضة على الشاشة) والشخصية المصورة (المختفية تماما خلف العدسة).
وداخل الفضاء الرقمي، سواء على مواقع الإنترنت، أو في وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن للمتتبع أن يرصد نماذج وصورا جديدة من عرض الذات وهي تسرد ذكرياتها وأحداث حياتها الماضية وتفصيلاتها شبه اليومية، وتبسط ألبوم صورها الشخصية والعائلية، بطريقة تفاعلية تشرك المتلقي فيها، على نحو يسهم في بلورة شكل جديد لهوية الذات، يمكن أن نصطلح عليه بـ«الهوية الرقمية» بما تحيل عليه من ألوان الشعور والمشهد الحركة والأصوات، بل ما تفرضه من تقنيات جديدة «مرقمنة» يمكن أن تغير فهمنا للحياة وللمفاهيم الأساسية التي تحيط بها.
وفي الشعر لم يعد الأمر مُجرد إشارات أو مقاطع سيرذاتية يتلبسها الملفوظ الغنائي مثلما كان في معظم أزمنة الشعر، بل ارتقى المنزع السيرذاتي في الشعر إلى درجة عالية من الفعل والحضور، في ظل تغير أوضاع الدال الشعري، وانحسار صوت الأيديولوجيا المعممة، وأزمة الذات المعاصرة، والتداخل النصي للأنواع، أو التخلل الأنواعي، الذي كسر الحدود بين الشعري والسردي. وبالتالي، صار للفضاء السيرذاتي داخل العمل الشعري وضعية خاصة من أهم ملامحها رد الاعتبار لملموسية الأنا الشعري، وشخصنة معيشه اليومي، وتخييل ذاته وصورها وإعادة بناء حياتها المستعادة والمتخيلة في آن. ولن يمس مثل هذا الرهان إضاءة المشروع السيرذاتي في الشعر، من حيث تحديد نوعه وطرق تدبيره في سياق إعادة القراءة فحسب، وإنما يتجاوزه إلى إعادة كتابة تواريخ الأنا وكيفيات تفرده وتَشَخْصُنه في الشعر، الذي كُتِب بوعيٍ حديث مختلف، ووفق هوية «مُتخيلة».
هذه «الاختراقات» التي بات يثبتها الأنا السيرذاتي من نوع إلى آخر، ومعها يعرض هُوياته المتنوعة داخل فضاء الكتابة بحاملَيْها الورقي والإلكتروني، لها أهميتها التي تقتضي النظر؛ فهي من جهة تُجسد واقعا أدبيا جديدا يتعارض مع قرون من تصنيف الأنواع وتراتبيتها والحفاظ الصارم على نقائها، ومن جهة أخرى تُعبر عن فورة الفضاء السيرذاتي الجديد إنتاجا وتلقيا ورهانه على الهجرة إلى الإنسانية.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية