وأخيرا، بعد ثلاث سنوات، وعشرات المليارات، وتباينات حقيقية في الرؤى ومزايدات، وصلنا الى مرحلة المصادقة على الدستور الذي اثار حوله ضجيجا كثيرا، وأقل ما يمكن ان يقال فيه بأنه لا ينتمي الى الشعب الذي صنع ثورة ومجلسا تأسيسيا ليكتب هويته ويحفظ ثرواته. وما من شك بأنه لولا الحوار الوطني لما اُنجز الدستور، فالرباعي الراعي للحوار والقوى التي شكلته، من وراء ستار، كانت تهدف اولا وأخيرا الى اسقاط حكومة الإسلاميين، وقد استعمل هذا الرباعي كل الوسائل لهذه الغاية، من اضرابات وتسيب رجال أمن، وقضاة وإعلاميين مع ضغوطات دولية واسعة. وقد تلقفت حركة النهضة الرسالة واستوعبتها جيدا، ثم خضعت للأمر مكرهة. ومن خلال اعلان الاستقالة اصبح العمل على انشاء الدستور واستكمال فصوله فعلا سريعا لا يستجيب الا لضغوطات المستفيدين، وليس لتوافقات او مقايضات سياسية، فالطرف الوحيد الذي يتنازل ويخسر مواقعه هو حركة النهضة. الفصل 73 من الدستور كان تنازلا فاضحا وخارقا لصالح السيد الباجي قائد السبسي والسيد الهاشمي الحامدي. فأي مهزلة من ان يتقدم لرئاسة جمهورية الثورة شيخ شارف التسعين من العمر، ومثل هذا العمر يحتاج من منظور طبي الى رعاية صحية خاصة، نظرا لتقلص وظائف الجسد عموما والدماغ خاصة. وأي مهزلة، حسب نفس الفصل، من أن يترشح لرئاسة جمهورية الثورة، رجل يحمل جنسيتين! ألن يكون وفيا للدولة التي منحته الجنسية الثانية؟ ألن تتدخل هذه الدولة بمنطق العلاقات وبمنطق اسبقية الكرم لترشيح ابنها الذي يحمل جنسيتها؟ وماذا لو ترشح للرئاسة لاعبو كرة القدم الأفارقة الذين منحتهم تونس جنسيتها ليكونوا جزءا من فريقها الوطني؟ ثم لماذا تتميز تونس دون غيرها من الدول العربية والإسلامية والأفريقية والأمريكية والآسيوية لتسند رئاسة جمهوريتها لمن يكتسب جنسية دولة اخرى؟ العملية ليست استنقاصا من الوطنية والانتماء، ولكن يجب غلق باب قد يكون مدخلا لسرقة الوطن، فهل يعقل بأنه من أجل رجل واحد ان نفتح الباب لإذلال الشعب مرة اخرى، ونهب خيراته؟ وليس اسهل من نهب خيرات الشعب خاصة وان الفصل 12 من هذا الدستور لا يحميها. وقد طرح السؤال، كيف لأبناء هذا الوطن وهم يكتبون دستورهم ودستور الشعب الذي جاء بهم، ان لا يحموا موارد وخيرات الدولة وهم يعلمون حجم السرقات التي تعاني منها البلاد؟ ملح تونس استحوذت عليه المستعمرة فرنسا بموافقة بورقيبة ولا تزال الى اليوم. وبترول تونس تنهبه الشركات البريطانية ولا تستفيد منه تونس بشيء، وكل ذلك بموافقة رسمية، وتقول بعض التقارير بان تونس تقف على بحر من النفط سيحولها الى دولة غنية لو استردته من اختطاف الشركات الأجنبية. ناهيك عن استغلال المناجم والمعادن كالذهب من طرف شركات اخرى لا نعرف عنها شيئا. وقد جاء الفصل 12 لا ليحمي ثروات الشعب، وإنما ليكرس سياسة النهب التي تمارسها الدول الأجنبية على خيرات الشعب التونسي، ولعل اختيار وزير الحوار الوطني، مهدي جمعة، لرئاسة الوزراء ليس صدفة، فهو وزير الاقتصاد في حكومة الترويكا والذي ضمن لعائلة بوشماوي احد اضلع الحوار الوطني من استغلال النفط مرة اخرى، وهو المدير الخارق لشركة نفطية عملاقة معروفة، وسيكون الضمانة للدول الأجنبية لكي تتواصل النهب ‘الرسمي’. وهذا الدستور الذي لم يحم ثروات تونس بل ترك الأبواب مفتوحة لقوى النهب، لم ينتصر للشعب في حماية هويته الإسلامية، وإنما دستر في الفصل السادس حرية الضمير استجابة لقوى الضغط الخارجي والداخلي. وحرية الضمير لا توجد الا في دستورين اثنين في العالم بأسره في العالم، من بينها الدستور الفرنسي الذي بدأ اهله يتراجعون عنها ويقننونه بأكثر صرامة خاصة بعد ظهور مجموعات متطرفة. وستفتح حرية الضمير في تونس نار جهنم، فها هي الأخبار تأتي تباعا لتكريس هذه الحرية، كالتحضير لزواج مثلي سيقع الإعلان عنه في شارع الحبيب بورقيبة، ناهيك عن الصور المسيئة للرسول الكريم التي دخلت حتى قاعة المجلس التأسيسي. ان الدستور انجاز، هذا لا محالة، وستبقى مرحلة ما بعد الدستور هي الأهم في تاريخ المسار الانتقالي، فكل الاحتمالات لا تزال واردة، خاصة وان الدستور التونسي على رغم اهميته، فهو من منظور شعبي لم يجب على ما حصل، ولم يدعوا الى محاسبة المذنبين، ولم يحقق الشغل، ولا الكرامة، ولم يكشف القناصة والكثير من القضايا العالقة الأخرى، وقد كان لا ينتمي للشعب الذي لم يحفظ له هويته ولا خيراته، وانما كان ينتمي للذين فرضوه فرضا.