وإذا هدي سُئِلت..!

حجم الخط
0

وإذا هدي سُئِلت..!

جواد البشيتيوإذا هدي سُئِلت..! أيُّ ذنب هذا الذنب الذي ارتكبته الطفلة هدي ابنة العشرة ربيعا حتي ترجو أباها، عند دفنه، أن يسامحها؟! كانت هدي تسبح في البحر عندما انطلقت منه القذائف لتسقط علي الشاطئ، فتقتل أباها وأمها وأخاها الرضيع هيثم وأختاها هنادي (عامان) وصابرين (4 أعوام). إنَّ ذنبكَ ـ يا هدي ـ لا يُغْتَفَر، فوالدكَ وعدكَ أنْ يأخذك مع والدتك وأخيك هيثم وأختيك هنادي وصابرين في نزهة إلي البحر وشاطئه إذا ما نجحتِ في امتحاناتك المدرسية؛ وقد برَّ بوعده. أمَّا أنتِ فوعدتيه أنْ تظلِّي بجانبه، ولا تذهبي إلي البحر وحدك، فالبحر غدَّار، وهو يخشي عليك منه؛ ولكنكِ لم تفِ بوعدك، فكان الذي كان، وما عليك بعد الآن إلا أن تقضي عمرك كله تسألينه المسامحة والغفران.. إنَّ كل هذا البحر من الدموع الذي تفجَّر من عينيكِ، وصرختك المدوية في البرية لا تتركوني وحدي ، وغيابك عن الوعي غير مرة، وضربك علي رأسك وصدرك، ودفن وجهك في الرمل، وحتي تقبيلك وجه والدك وهو يمضي بعيدا عنك في تراب القبر، لن يشفع لك. قد نغفر لك كل تلك الذنوب الكبيرة أيتها الصغيرة، ولكننا لن نغفر لك أبدا ذنب بقائك علي قيد الحياة، فأنتِ بنجاتك من الموت أعلنت موت خير أمة أُخرِجت للناس، وإنْ ظلَّت تأبي الاعتراف بموتها قبل دفنها، ورسمتِ بالدمع والدم علي جبينهم العار. كنا نشفق علي الموؤدة ، فَلْنَشْفق عليك يا هدي، فإذا هدي سُئِلت بأي ذنب بقيت علي قيد الحياة!هدي بالله عليك لا تصرخي، فصرختك مزَّقت سمع والدك، ولكنها لم تقع علي أسماع تشبه سمعه، أو سمعك، فهؤلاء بعضهم، أي أكثريتهم، جثة هامدة، وبعضهم، أي أقليتهم الحاكمة المتحكمة، إنما هم بروتوس مع أبنائه وأحفاده، لا خناجر في أيديهم سوي خنجر الخزي والعار الذي أورثهم إياه. لا تسأليهم عن دماء عائلتك، فهم أمَّة تستنفد وقتها وجهدها في إنجاز فتاوي تجيز ذبح الدجاج بدلا من الخراف في عيد الأضحي، أو في إبطالها بدعوي أن الأضاحي لا تحل إلا من بهيمة الأنعام. لا تجادليهم في وامعتصماه ، فقبائل العرب تأبي التوحُّد في قبيلة واحدة، لها رب واحد، وانتماء واحد، وقدر واحد. إننا علي ديدننا باقون، نشحذ النصر من عنده تعالي، ندخل الحروب بكل ما أوتينا من مواهب الخطابة، نعلف في زريبة السلطان، نركع، ونركع، حتي ملَّنا الركوع، لا عقل لنا، ولا رأي، ولا أقدام.. نُجلد كل جمعة بخطبة غراء، تتوعد اليهود ودولتهم بالويل والثبور وعظائم الأمور. لا تبكي ـ يا هدي ـ أخاك الرضيع هيثم الذي قتلناه نحن بدم بارد. قتلناه بعدما قتله حالوتس؛ لأنه أراد أن يُعلِّمنا الأبجدية العربية الصحيحة، فَمِن أجل أن نكون عربا لا يكفي أن تكون عيوننا سوداء، وأن نرتدي كوفية وعقالا وعباءة مصنوعة من وبر الجمل.. لا يكفي أن نتمنطق بالخناجر المعقوفة، ونحفظ ألفية ابن مالك، وكتاب الأغاني، ومقامات بديع الزمان الهمذاني.. ونشرب القهوة المرَّة. قتلناه؛ لأننا مُدُن لا تعرف مثلكِ اقتحام البحر، وتكتفي باصطياد الأسماك علي شواطئه، مؤثْرة السلامة كالخراف والأرانب، وسكن السفح بدلا من البرق والعاصفة والهاوية. إياك ـ يا هدي ـ أن تتساءلي أو تسأليهم أين الملايين؟ ، فهؤلاء إنما بشر لا يثورون ولا يشكون، لا يغنَّون ولا يبكون، لا يموتون ولا يحبِّون. علي رصيف الفكر يتسكعون، عن التفكير عاطلون، في مطبخ الباب العالي يأكلون، وفي زريبته يعلفون، وبسيفه الطويل يضربون، وفي خارج التاريخ يقيمون، يقضون العمر في بلاط السلطان يستجدون، وبحمده وحده يسبِّحون. المسرح احترق ـ يا هدي ـ وما مات الممثِّلون. مخصيو اللسان والفكر يعيشون. أحصنة من خشب يركبون، وأشباحا وسرابا، إنْ قاتلوا، يقاتلون.أنتِ وحدك ـ يا هدي ـ كتبتِ، بدم هيثم الوردي، الأجمل من إلياذة هوميروس، وملحمة جلجامش، والماهاراتا الهندية، والشاهناما الفارسية.. فككتِ السحر، وقتلتِ السحرة، قهرتِ الموت، وأجبرته علي أن ينحني لك إجلالا واحتراما. أنتِ وحدك امتلكت البحر في عينيكِ، ووضعتِ الشمس بين يديك، وكل هذا التاريخ تحت قدميكِ. أتذكرين ـ يا هدي ـ ذاك الحكيم إذ قال الحرب ليست نزهة ، فاسأليه الآن متي النزهة كانت حربا؟! .ہ كاتب ومحلل سياسي فلسطيني ـ الاردن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية