أحمد عبدالكريم
في أقل من أسبوع واحد بث التلفزيون الجزائري حوارين مع الروائي واسيني الأعرج، أحدهما في حصة لقاء، والثاني في حصة وجهة نظر.
كما قرأت له حوارا في جريدة الشروق، ثم تم تنصيبه رئيسا للجنة تحكيم مهرجان المسرح المحترف بالجزائر، وقد تكون هناك أشياء أخري فاتتني. كل ذلك بمناسبة حصوله علي جائزة زايد للرواية في الخليج العربي. نظير روايته ” كتاب الأمير” . وبقدر ما ثمنت هذا الاهتمام من قبل وسائل إعلامنا، بقدر ما حز في نفسي هذا الاهتمام الزائف وهذه الأنيميا الثقافية التي لا توجد عند غيرنا.. ولذلك تساءلت بيني وبين نفسي هل كان لا بد من هذه الجائزة بغض النظر عن أهميتها، حتي نعيد اكتشاف روائي بحجم واسيني الأعرج. وكأنه لم يكن شيئا مذكورا، علما وأنه كان موجودا، وكان يكتب دون انقطاع.. وقد تمنيت لو أنني لم أشاهد اللقاءات التي أجريت معه، لما أحسسته من نرجسية لم تكن لدي واسيني وتحامل علي المشهد الأدبي وصانعيه في الجزائر، كما تحامل علي الروائي المعروف الطاهر وطار في أول لقاء له، حين أشار إلي لغة الروائيين الرواد، في مقام لم يكن مقاما لبسط الآراء النقدية، والمفارقة هي أنه في الوقت ذاته أشار إلي تهنئة وطار له عقب فوزه بالجائزة بعبارة ( وبالمناسبة..) . لكن الظاهر أن واسيني تراجع فيما بعد عن رأيه هذا معتبرا وطار من آباء الرواية الجزائرية.
أما عن تحامله علي جيل الكتاب الجدد، فإنني لم أجد لم مسوغا لذلك، ولا يمكن تأسيس رأي من هذا النوع مهما يكن الحال، بالنظر إلي السياقات الجديد ة التي طرأت علي المنظومة الأدبية لا في الجزائر فحسب في بل وفي كل العالم. وبالتالي فإن ما يقول به واسيني من فقدان القيم والمثابرة والتأني أصبحت آراء متجاوزة، بدليل أن روائية مثل: “أميلي نوتومب” البلجيكية تكتب ثلاث روايات في العام الواحد. وتحقق حضورا كبيرا وهي لم تتجاوز السابعة والثلاثين من عمرها. ومع ذلك لا أحد تحدث عن استعجالها وغياب المثابرة عندها.
أقول هذا وفي ذهني واسيني الثمانينيات الذي كان يتبني كثيرا من الكتاب الذين يحاكمهم اليوم، وقد كان مساهما في تشكيل جزء من رؤيتهم للكتابة الروائية بشكل أو بآخر… من جانب آخر كان واسيني من أنشط الفاعلين في الحقل الثقافي ومن أكثر كتاب جيله انفتاحا علي كتاب الجيل الجديد الذين بدؤوا في الظهور في تلك الفترة، وكان العشرات منهم يتحلقون حوله، وكان من ثمار ذلك إصداره لكتابه “ديوان الحداثة” ، الذي شكل سابقة لافتة، في إبانه، ولم يكن الكثير من شعراء ديوان الحداثة قد طبعوا مجاميعهم الشعرية بعد. وبذلك دفع بالكثير منهم إلي مقدمة المشهد الشعري الجزائري.
ولقد بدا لي واسيني في كل حواراته هذه في موقف المودع لمشروعه الروائي، الذي بدا لي وكأنه يقف علي قمة هرم، معلنا بأنه سيلتفت في السنوات القادمة إلي والدته.
وهي أجل موعظة يمكن أن يقول بها شخص كائنا من كان.
حكايتي كقارئ مع واسيني الأعرج تعود إلي فترة الثمانينيات، حين قرأت له روايته” نوار اللوز” ، تحت إلحاح الأصدقاء وإغرائهم لي بقراءتها، بسبب أني كنت قليل التعاطي مع المتون الروائية، ومنذ قراءتي لتلك التحفة الروائية لم أشك لحظة في أنه واحد من أهم الروائيين الجزائريين الذين يعول عليهم في دفع الرواية الجزائرية إلي دائرة المشهد الروائي العربي. ثم بعد ذلك تتالت قراءاتي لواسيني، فكان أن قرأت له روايته “رمل الماية أو الليلة السابعة بعد الألف ” التي لاتقل أهمية عن نوار اللوز بالنسبة لي علي الأقل، خاصة فيما يتعلق بذلك الفيض الشعري الذي تطفح به لغته الروائية.
فيما يخص رواية ” الأمير” كنت قد قرأت مقتطفا منها نشر بجريدة الحياة قبل صدورها، وتوقعت قبل قراءتي لها عام 2004. أن تكون رواية تاريخية بالمعني الذي ترسخ في ذهني كما عند أمين معلوف مثلا، من حيث الاشتغال علي الفنتازيات وملء فراغات التاريخ وبياضاته وما هو مسكوت عنه. وانتظرت أن تضيف شيئا مختلفا عما نعرفه عن الأمير عبدالقادر، في جهاده المستميت ضد المحتل، وبوصفه مؤسس الدولة الجزائرية، أقصد به الوجه الآخر للأمير عبدالقادر الشاعر والصوفي والعالم، لا سيما بعد إقامته في دمشق حين تفرغ للتأمل والكتابة وجمعته علاقة روحية بشيخه الأكبر محي الدين بن عربي.
كما وأنه قام بحماية المسيحيين في الحادثة المعروفة، وفيها تتجلي قيمة التسامح وحوار الديانات عنده بشكل لا يدع مجالا للشك.
توقعت كل هذا لعلمي بأن واسيني روائي مؤهل لهذا المسعي الذي كنت شخصيا أنتظره منه لأكثر من سبب. منها أن واسيني قضي السنوات الطوال في دمشق، والأكيد أنه مثل الأمير قد امتلأ بالحالات الشامية في سفح قاسيون. وقد يكون أقدر من غيره علي تجسيد هذا المسعي والسبب الثاني أن واسيني يمتلك لغة متوترة جوانية وشعرية لا تتوفر عند نظرائه من الروائيين الجزائريين، وهي اللغة الأقدر علي قول الأمير شاعرا ومتصوفا.
وقد أغرتني العناوين ذات الإيحاءات الصوفية والشعرية في كتاب الأمير في وقفاته الإثني عشرة التي ربما تحيل علي ” كتاب المواقف ” للأمير عبدالقادر (مدارات اليقين، مسالك الخيبة، منزلة التدوين، انطفاء الرؤيا وضيق السبيل، سلطان المجاهدة، فتنة الأحوال الزائلة، قاب قوسين أو أدني…) ، مما جعلني لا أشك في أنني سأجد بغيتي، غير أنني لم أعثر من كل ذلك علي، وقد لا ينطبق علي الآخرين لأنني أنطلق من اهتماماتي الخاصة بوصفي شاعرا ومهتما بالتجربة الصوفية. بل علي العكس من ذلك بدا لي وكأن واسيني قد أحدث قطيعة مع لغته الشعرية التي كان يكتب بها سابقا. ولولا ذلك المسوغ الذكي الذي جمع بين (مونسينيور ديبوش ) والأمير في تلك المشهديات والحواريات.
لما كانت رواية الأمير أكثر من سيناريو ممتاز كتب عن الأمير ومقاومته بالاعتماد علي الأرشيف والوثائق التاريخية.
ولذلك لم أستغرب أن يتم التفكير في تحويل الرواية إلي فيلم سينمائي. لأنها كتبت أصلا بحس وتقطيع سينمائي.
وفي ظني أن إلحاح اللحظة التاريخية التي عاشتها الجزائر، ويعيشها العالم من قبيل مقولات صدام الحضارات و حوار الديانات وهي التيمة المحورية التي زادت من أهمية الرواية. وبالنتيجة فقد كنا بحاجة إلي علامة مرجعية في الحفاظ علي كيان الدولة الجزائرية، كما كنا وكان العالم بحاجة إلي مرجعية في التسامح ونبذ التطرف والتصالح.
ولم تكن تلك المرجعية سوي الأمير عبدالقادر. غياب الرؤية الفنية والاشتغال الجمالي لفائدة المحمول الفكري الذي تضمنه متن رواية كتاب الأمير، لا يقلل البتة من أهمية الرواية التي تعد إضافة مهمة للرواية الجزائرية، في انتظار أن نقرأ تتمتها الدمشقية كما فهمت من كلام واسيني لأعرج في أحد حواراته.
كاتب وشاعر جزائري [email protected]