لندن- “القدس العربي”: بدأت حرب أفغانستان بوعد انتصار وها هي تقترب من نهايتها بدون أي منظور للنصر، يقول غريغ ويتلوك في صحيفة “واشنطن بوست”. وذكر بما قاله الرئيس جورج دبليو بوش بعد أربعة أيام من غزو أفغانستان بمؤتمر صحافي في الغرفة الشرقية من البيت الأبيض بث ساعة الذروة خاطب فيه شعبا كان يعاني من الخوف والغضب بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
ورغم دعم غالبية الأمريكيين لقرار بوش شن الحرب إلا انهم لم يكونوا يعرفون عن الطريقة التي سيتطور فيها النزاع والمدة التي سيستغرقها. وكان عمر بوش في ذلك الوقت 55 عاما، وحاول في ذلك المساء 11 تشرين الأول/أكتوبر 2001 طمأنة الأمريكيين وأن المسؤولين تعلموا من دروس الماضي وتصميمهم على تجنب التورط في حرب غير محددة المعالم في بلد بعيد. وقال بوش “لقد تعلمنا دروسا مهمة في فيتنام” و”هذه حرب مختلفة وتحتاج إلى نهج مختلف وعقلية مختلفة”، لكنه لم يقدم أي جدول زمني حول مدة الحرب، وكان واضحا من أن النصر في جانب الأمريكيين “ستستمر هذه المعركة بقدر ما تحتاجه من وقت لجلب القاعدة إلى العدالة” و”ربما جلبتهم غدا أو حدث هذا بعد شهر من الآن وقد تحتاج عاما أو عامين ولكننا ستنتصر”.
لكن الولايات المتحدة لم تحدد ومنذ البداية ما هو النصر، حتى مع إعلان الرئيس جوزيف بايدن عن سحب القوات الأمريكية بحلول 11 أيلول/سبتمبر.
والسؤال الذي لم يجب عليه هو: ما هي طبيعة النتيجة التي تصورها الرؤساء الثلاثة قبله في البيت الأبيض وتعهدوا مرارا بالانتصار في الحرب. ففي البداية كان الهدف هو تدمير القاعدة بطريقة لا تتمكن فيها من العودة واستخدام أفغانستان كقاعدة تنفذ عبرها هجماتها الإرهابية ضد الولايات المتحدة. وتم تحقيق هذا الهدف في ستة أشهر، حيث دمرت القاعدة وفر قادتها من أفغانستان، قتلوا أو أسروا.
وبدلا من وقف الحرب أعلن بوش في نيسان/إبريل 2002 عن أهداف عسكرية وسياسية جديدة. وقال بوش إن الولايات المتحدة ستساعد الحلفاء الأفغان على بناء دولة حديثة وديمقراطية مستقرة، بجيش قوي ونظام صحي وتعليمي جيد للأولاد والبنات. وقال “نعرف أن السلام الحقيقي سيتحقق فقط عندما نمنح الشعب الأفغاني الوسائل لتحقيق تطلعاتهم الخاصة”. ورغم نبل الأهداف إلا أن بوش لم يقدم المعيار لتحقيقها ولا عن المدة التي ستبقى فيها القوات الأمريكية “سنظل حتى تنتهي المهمة”. ووضع القائدان العامان اللذان جاءا بعده في نفس المنعطف، وتعهدا بربح الحرب وزادا من منظور انتصار حاسم ضد عدوى تلاشى. ولكنهما تجاهلا ماذا يعني وما يجب على القوات الأمريكية تحقيقه قبل العودة للوطن. كما لم يحدد الرؤساء السابقين العدو الذي تحاول الولايات المتحدة هزيمته. فهل كان العدو هو القاعدة؟ أم طالبان أيضا؟ وماذا عن الجماعات المسلحة الكثيرة في أفغانستان التي تهدد بزعزعة استقرار البلد؟
وقال الجنرال دان ماكنيل، الذي خدم مرتين قائدا للقوات الأمريكية في أفغانستان، إن نهاية اللعبة ظل دائما غامضا. وقال في مقابلة مع مسؤولين حكوميين “حاولت الطلب قبل الذهاب تحديد معنى النصر لكن لم يستطع أحد” و”كان البعض يتحدث عن ديمقراطية بمعايير جيفرسون لكن هذا لن يحدث في أفغانستان”.
ومع استمرار الحرب ظلت الولايات المتحدة تؤكد أنها تنتصر رغم الأدلة التي تظهر العكس والشكوك الخاصة بين المسؤولين حول الحرب.
ومع استمرار الحرب ظلت الولايات المتحدة تؤكد أنها تنتصر رغم الأدلة التي تظهر العكس والشكوك الخاصة بين المسؤولين حول الحرب
وكتب وزير الدفاع السابق دونالد رمسفيلد في مذكرة سرية وزعها على قادة البنتاغون في تشرين الأول/أكتوبر 2003: “هل ننتصر ام نخسر الحرب الدولية ضد الإرهاب؟”. واستتنتج قائلا: ” من الواضح ان التحالف يستطيع الإنتصار في أفغانستان والعراق بطريقة أو بأخرى لكنها ستكون طويلة وصعبة”.
وبحلول عام 2006 مع استعادة طالبان مناطق وتجميع نفسها أصبحت الشكوك أوضح. وكتب السفير الأمريكي في كابول رونالد نيومان في برقية مؤرخة في 29 آب/أغسطس 2006: “لا ننتصر في أفغانستان” و”هناك مفهوم أفغاني واسع أن النصر يفلت من أيدينا”، إلا أن المسؤولين ظلوا يعلنون العكس في تصريحاتهم. فقد قال الجنرال كارل إكينبري، قائد القوات الأمريكية في أفغانستان لشبكة إي بي سي “نحن نننتصر”. وعندما سئل عن منظور الهزيمة أجاب “الخسارة ليست خيارا في أفغانستان”، وجاءت تصريحات بعد اسبوعين من تقييم نيومان المتشائم.
وبعد عامين ناشد القادة العسكريون البنتاغون زيادة عدد القوات لأنهم باتوا يخسرون أمام طالبان التي زاد عدد مقاتليها إلى ما بين 7 آلاف- 11 ألف مقاتل. ولكن المسؤولين العسكريين واجهوا مصاعب للتوفيق بين عدد القوات ومفهومهم عن النصر.
وفي أيلول/سبتمبر 2008 ضغط الصحافيون على الجنرال جيفري شوليسر، قائد القوات الأمريكية في شرق أفغانستان لتحديد إن كان جنوده ينتصرون أجاب “دعوني أكن واضحا، فهم لا يخسرون الحرب هنا بأي وسيلة” و”هو نصر بطيء على ما أخمن”.
ومع وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض في 2009، وجد القادة صعوبة في مواجهة تمرد قوي. وأعلن الرئيس الجديد عن زيادة القوات الأمريكية وتخصيص عشرات المليارات من الدولارات لدعم الحكومة الضعيفة في كابول. وقال في آذار/مارس 2009 “للإرهابيين الذين يعارضوننا، رسالتي هي نفسها: سنهزمكم”. ومرة أخرى لم يحدد أي من طاقم إدارته ما هو النصر. وعندما سأل السناتور جيمس ويب ميشسيل فلورني، مساعدة وزير الدفاع لشؤون السياسة والجنرال ديفيد بترايوس في جلسة استماع بالكونغرس عقدت في 9 نيسان/أبريل 2009: “كيف سنعرف متى ستنتهي؟ وكيف ستنتهي؟”. وردت فلورني بشكل مطول ومعقد وتحدثت عن قدرة الأفغان والباكستانيين على تحمل المسؤولية بأنفسهم.
رئاسة أوباما كانت كلها عن تدريب وتسليح قوة أفغانية من 352 ألف جندي بحيث تكون قادرة على تحمل المسؤولية وهزيمة طالبان
ووجدت إدارة أوباما نفسها عالقة في تناقض من التصريحات، فمن جهة بدأت تعترف أن النصر الحاسم لن يتحقق والحل هو عبر تسوية تشارك فيه كل الأطراف الأفغانية المتحاربة. ومن جهة أخرى زاد عدد القوات الأمريكية إلى 100 ألف جندي في أفغانستان، حيث حاول جنرالات أوباما دفع طالبان للإستسلام بدلا من القبول بحل دبلوماسي. وقال بارنيت روبن، المسؤول البارز في وزارة الخارجية “كان نقاشنا هو أن سبب التمرد نابع من عدم وجود تسوية سياسية ولو لم نعالج هذا فالجيش لا يستطيع”.
وبدأ بعض مسؤولي الإدارة بالحذر، فعندما سئل روبرت غيتس، وزير الدفاع في تموز/يوليو 2011 إن كانت الولايات المتحدة تربح أم تخسر الحرب. أجاب أنه تعلم في السنوات الأربع والنصف من عمله الابتعاد عن الكلمات البراقة “انتصرنا” أو “انهزمنا” وكل ما قاله إنه نفذ استراتيجية الرئيس.
وبعد أسبوع، سئلت وزير الخارجية هيلاري كلينتون نفس السؤال وقالت “لا أعتقد أن السؤال عن الربح والخسارة بل عن كيفية قياس نجاحنا الذي نريده في أفغانستان”. ولكن رئاسة أوباما كانت كلها عن تدريب وتسليح قوة أفغانية من 352 ألف جندي بحيث تكون قادرة على تحمل المسؤولية وهزيمة طالبان.
مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 2017، كان الوضع كئيبا وأصبحت طالبان قوية وليست ضعيفة وزاد عدد قواتها إلى 60 ألف مقاتل، وعانت القوات الأفغانية من خسائر كبيرة
وفي شباط/فبراير 2013 وعد الجنرال جون ألين، قائد القوات الأمريكية والناتو الذي أنهي مهمته بأن القوات الأفغانية جاهزة لتحمل المسؤولية و”هذا نصر” و”هذا ما يعنيه النصر وعلينا ألا نتردد باستخدام هذه الكلمات”. واستخدم جنرالات آخرين نفس التعبيرات البراقة. وقال جوزيف دانفورد، خليفة ألين في تصريحات في أيار/مايو 2013 بكابول: “أتحدث كثيرا عن النصر هذه الأيام ولكننا ننتصر”. ووعد أوباما بسحب كل القوات الأمريكية من أفغانستان بنهاية ولايته الثانية لكنه تراجع واحتفظ بـ 8.400 من القوات هناك بعد اكتشافه عدم قدرة القوات الأفغانية على تحمل المسؤولية.
ومع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 2017، كان الوضع كئيبا وأصبحت طالبان قوية وليست ضعيفة وزاد عدد قواتها إلى 60 ألف مقاتل، وعانت القوات الأفغانية من خسائر كبيرة، إلا أن الحكومة في كابول أخفت الأرقام حتى لا تؤثر على المعنويات. واعترف وزير الدفاع جيمس ماتيس “نحن لا ننتصر في أفغانستان الآن”. وفي آب/أغسطس 2017 أعلن عن استراتيجيته في خطاب ألقاه بقاعدة فورت مير ووعد ليس بإنهاء الحرب ولكن الانتصار بها. وصعد ترامب من الحرب وزاد من عدد القوات إلى 14 ألف جندي وأمر بسلسلة غارات جوية ورمى قنابل ضخمة وصواريخ، لكن ترامب لم يكن يعول على العمليات العسكرية فقط والتي كان يهدف منها لإضعاف طالبان وزيادة الأوراق الأمريكية في أي عملية تسوية. وفي شباط/ فبراير2020 توصل لاتفاق مع طالبان فتح الباب أمام انسحاب القوات الأمريكية. وأنهى كل هذا كل الوعود بالانتصار بأطول حرب تخوضها أمريكا.