واشنطن بوست: المستوطنون يتفاخرون بتأثيرهم على عملية الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية وتحقيق أهدافهم

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

لندن ـ “لقدس العربي”:

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا قالت فيه إن المستوطنين اليهود في الضفة الغربية يتفاخرون بتأثيرهم في وقت يشن فيه الجيش الإسرائيلي عملياته في الأراضي المحتلة بشكل لم ير له مثيل منذ عدة عقود وأدت لتشريد عشرات الألاف من السكان.

وفي التقرير الذي شارك فيه جيري شي ومريام بيرغر وهايدي ليفاين وكلير باركر، جاء فيه أن الجنود الإسرائيليين دمروا مجمعات سكنية كاملة في طولكرم وجرفوا الشوارع. وتقوم المسيرات بإطلاق النار على السيارات والبنايات التي يعتقد أن المسلحين يختبئون فيها. وتقوم الدبابات والقناصة بمراقبة الأحياء الفارغة، حيث كان ألالاف المدنيين يعيشون قبل تخريب خطوط المياه والكهرباء.

 وتعلق الصحيفة: “هذه ليست غزة ولكنها الجبهة الجديدة في حرب إسرائيل: الضفة الغربية”. وبعد مضي أكثر من عام على هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 والحرب المدمرة التي شنتها إسرائيل على غزة، ها هي تحول نيرانها وانتباهها باتجاه منطقة فلسطينية أخرى.

كان ظهور نتنياهو في طولكرم بمثابة سابقة. فلم يقم أي رئيس وزراء إسرائيلي بزيارة المدينة، التي تقع في منطقة تديرها السلطة الفلسطينية حصريا بموجب شروط اتفاقيات أوسلو

ويقول المسؤولون الإسرائيليون إن العملية ضرورية لمنع المقاتلين الناشطين في جنين وطولكرم ونابلس، ويشير نفس هؤلاء إلى زيادة الهجمات والطعن بالسكاكين وتفجير حافلات فارغة في تل أبيب كمبرر. إلا أن العديد من الفلسطينيين والمحللين الإسرائيليين يرون أن كثافة العملية لا تتناسب مع التهديد الحقيقي والفعلي. كما أن توقيتها  والأساليب المستخدمة فيها والترويج لا تدفعها مظاهر القلق الأمني ولكن  الدوافع السياسية والأيديولوجية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واليمين المتطرف المتحالف معه.

ويرى جنرال إسرائيلي متقاعد ومدير الإدارة المدنية السابق أن الحملة هي “مزيج ما بين الإحتياجات العسكرية والأمنية والدوافع السياسية الكبرى للمستوطنين”. وأضاف: “السؤال ليس ما إذا كان لدينا سبب لمهاجمة النشاط الإرهابي في الضفة الغربية، السؤال هو كيف؟ نرى مخيمات اللاجئين خالية من الفلسطينيين ونرى العمليات العسكرية التي تقودها الجرافات المدرعة  ونرى الحكومة الإسرائيلية [تقوض] السلطة الفلسطينية، وهذا بسبب القضايا السياسية لنتنياهو، والنتيجة التي سنراها ستكون مشابهة جدا لما حدث في غزة”.

وشن الجيش الإسرائيلي العملية في الضفة الغربية في 21 كانون الثاني/يناير وبعد يومين من سريان مفعول اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. وفي ذلك اليوم، هنأ بتسلئيل سموتريتش، وهو وزير في الحكومة وزعيم في حركة المستوطنين اليمينية المتطرفة، الجيش في بيان، وأشار إلى أنه صوت لصالح وقف إطلاق النار في غزة بشرط إضافة عمليات الضفة الغربية إلى أهداف الحرب الإسرائيلية. وفي شباط/فبراير، هدد سموتريتش الفلسطينيين في الضفة الغربية من أنهم إذا نفذوا عمليات مسلحة فإن “مصيرهم سيكون مثل مصير غزة”. وقال في مؤتمر صحافي إن طولكرم وجنين ومدن أخرى في الضفة الغربية ستبدو مثل البلدات ومخيمات اللاجئين في غزة التي دمرتها القوات الإسرائيلية بالكامل تقريبا. وأضاف سموتريتش: “ستكون هذه المدن أيضا أطلالا غير صالحة للسكن. وسيضطر سكانها إلى الهجرة والبحث عن حياة جديدة في بلدان أخرى”.

وبنفس الطريقة أشاد زعماء استيطان بسياسة إسرائيل تجاه الضفة الغربية، وقال إسرائيل غانز، رئيس مجلس “يشع” للمستوطنات إنه كان يضغط على نتنياهو وسموتريتش ومنذ أكثر من عام لتطبيق نفس أساليب غزة على الضفة الغربية، واقتلاع ما وصفه بنية تحتية منتعشة لللإرهاب وبدعم من إيران. وقال غانز، الذي دعا نتنياهو إلى ضم المنطقة في أقرب وقت ممكن، إن الجيش الإسرائيلي لم يتفق مع تقييمه للتهديد وقاوم إطلاق حملة شاملة في الضفة الغربية حتى وقت قريب. وقال:”قلنا لرئيس الوزراء وسموتريتش، لقد حان الوقت الآن لنأخذ الأمور إلى أبعد من ذلك. والآن يتعين علينا القتال هنا” و “لكن نجاح ضغوطنا السياسية ليست نجاحا سعيدا، لأنه يحدث الآن فقط”.

وتقول الصحيفة إن الجيش الإسرائيلي ومنذ عام 2022 يقوم بمداهمات في الضفة الغربية لقتل المسلحين واعتقال الأشخاص المشتبه بانتمائهم لحركتي حماس والجهاد الإسلامي. ويقول المسؤولون الإسرائيليون إن هناك مئات المسلحين، إن لم يكن أكثر، متحصنين في المقام الأول في مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية.

 وفي كانون الأول/ديسمبر بدأت قوات تابعة للسلطة الفلسطينية، عملية لطرد المسلحين من مخيم جنين للاجئين. وزعم مسؤول عسكري إسرائيلي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشة تقييمات الاستخبارات أن المخيم الذي تبلغ مساحته 100 فدانا يضم ما يصل إلى 200 مسلحا تدعمهم إيران. وفي 21 كانون الثاني/يناير، بدأ الجيش الإسرائيلي عمليته الخاصة. وكان ذلك تصعيدا كبيرا عن الغارات في الماضي. ونشر الجيش أكثر من ثلاثين كتيبة عسكرية وخربت الجرافات الطرق، وتم وضع الحواجز لخنق الحركة بين المدن. وتم قطع إمدادات المياه والكهرباء عن مخيمي جنين وطولكرم بعد وقت قصير من وصول القوات الإسرائيلية، مما أجبر السكان على المغادرة. وفي مخيمات اللاجئين المهجورة، قال السكان إن الجنود فجروا بعض المنازل لفتح طرق أوسع وهدموا منازل أخرى دون سبب واضح.

وبحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، قتل منذ بدء الهجوم 55 فلسطينيا على الأقل وثلاثة جنود إسرائيليين في محافظات جنين وطولكرم وطوباس. وفي بلدة كفر اللبد الجميلة، كان عدنان الغريفي، 62 عاما يجلس قرب مدفأة كهربائية في قاعة استقبال قاتمة مزدحمة. وكانت خمس عائلات ممتدة تنام على وسائد مكدسة على الأرض، تفصل بينها ستائر رقيقة توفر قدرا ضئيلا من الخصوصية. وقد فر الجميع من مخيم نور شمس للاجئين القريب، حيث تحولت المنازل الآن إلى أنقاض ويتذكر الغريفي وسكان آخرون أنه بعد وقت قصير من وصول القوات الإسرائيلية في 9  شباط/فبراير، انقطعت المياه والكهرباء وأصبح الطعام شحيحا. وفي الملجأ، عاش الغريفي على المساعدات التي تبرعت بها جمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية، ولم يكن يعرف متى سيعود إلى منزله.

الدافع الحقيقي للحملة هو تجريف المخيمات التي تذكر اليمين المتطرف بحق عودة الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم التي فروا منها عام 1948

وفي الأسبوع الماضي، قال وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس إن الجيش الإسرائيلي قد يبقى في مخيمات اللاجئين لمدة تصل إلى عام. ورغم اعترافه وسكان آخرون بوجود عدد من المسلحين، إلا أن الدافع الحقيقي للحملة هو تجريف المخيمات التي تذكر اليمين المتطرف بحق عودة الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم التي فروا منها عام 1948، وقال: “إنهم لا يريدون المخيمات. إنهم يعرفون أن المخيمات تذكر الناس بحق العودة”. وقال غسان الخطيب، المفاوض الفلسطيني السابق في عملية السلام، إن إزالة المخيمات لن تلغي المطلب الفلسطيني بموجب القانون الدولي بأن لهم الحق في العودة إلى ديارهم الأصلية. وأضاف: “ما دام هناك احتلال، فسوف يكون هناك رفض لهذا الاحتلال والمقاومة بطريقة أو بأخرى”. لكن غانز، رئيس مجلس المستوطنين، كان متفائلا، وقال إن كاتس أكد للمستوطنين “أننا يجب أن نتصرف تماما مثل غزة” في الضفة الغربية. وزعم غانز: “يتعين علينا إخلاء السكان وتنظيف المنطقة وتدمير البنية التحتية للإرهاب، مثل الأنفاق، وبعد ذلك، يمكن لأي شخص يريد العودة أن يعود”. و في الأسابيع الأخيرة، سعى نتنياهو إلى إظهار صلابة موقفه في التعامل مع الأزمة، فقد نشر الدبابات الإسرائيلية في الضفة الغربية وفي جنين، لأول مرة منذ عقود. وفي الشهر الماضي، وقف نتنياهو، مرتديا سترة واقية من الرصاص، في أحد شوارع طولكرم، وقال للإسرائيليين في خطاب: “إننا ندخل معاقل الإرهاب وندمر شوارع بأكملها يستخدمها الإرهابيون ومنازلهم، فضلا عن القضاء على الإرهابيين وقادتهم”. وكان ظهور نتنياهو في طولكرم بمثابة سابقة. فلم يقم أي رئيس وزراء إسرائيلي بزيارة المدينة، التي تقع في منطقة تديرها السلطة الفلسطينية حصريا بموجب شروط اتفاقيات أوسلو، منذ توقيع تلك الاتفاقية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في عام 1993.

  وعلق  السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن إيتمار رابوفينتش  قائلا: “كان يريد إرسال رسالة إلى اليمين المتطرف، وإذا ما تم إهمال السلطة الفلسطينية أو الإساءة إليها بالصدفة، فهذا أمر سيء جدا”. وأضاف رابينوفيتش أنه ينبغي النظر إلى العملية العسكرية في ضوء قيام المستوطنين الإسرائيليين بإنشاء عشرات البؤر الاستيطانية الجديدة في الضفة الغربية في الأشهر الأخيرة”إنها ليست مرتبطة بشكل مباشر، ولكنها تشير جميعها إلى نفس الاتجاه”.

 بالنسبة للسلطة الفلسطينية، كانت عملية الجيش الإسرائيلي بمثابة إذلال. وقال عبد الله كميل محافظ طولكرم إنه سأل المسؤولين الفلسطينيين الذين يتواصلون مع الحكومة الإسرائيلية عما إذا كانت إسرائيل ستوقف حملتها إذا تمكنت السلطة من اعتقال جميع المسلحين المطلوبين، وكانت الإجابة بالنفي. وقال كميل الذي بدا عليه الإحباط: “إن عملية الجيش الإسرائيلي هي قرار سياسي، هذا ما قيل لنا”. في مقابلة أجريت معه، قال كميل إنه على الأقل يفهم الغارات الإسرائيلية التي جرت في السابق في الضفة الغربية، ولكن العملية الحالية تسببت في أزمة إنسانية وتسببت في تآكل الدعم الشعبي للسلطة الفلسطينية المعتدلة. وقال: “هذا لا يساعد، بل على العكس، سيزيد من التطرف في المجتمع الفلسطيني”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية