لندن ــ “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعده مراسلها سودرسان راغفان عن التحديات التي تواجه حركة طالبان بعد نهاية الحرب الأفغانية وهي تعزيز النظام والقانون وحماية الأفغان من تنظيم الدولة.
وأشار إلى سجن بولي شارخي المحاط بالجدران والأسلاك الشائكة، وهو علامة تريد طالبان أن تظهرها عما كانت عليه وما أصبحت الآن. وبالنسبة لحكام أفغانستان الجدد فالمعتقلون هم دليل على قدرتهم لفرض القانون في العاصمة. ولكن في يوم تجمع فيه السجناء للتشمس في فترة الفسحة المسموحة لهم قال بعضهم إنه اعتقل لأسباب واهية، ووصف آخرون التعذيب الذي تعرضوا له بشكل يذكر بالممارسات التي مارستها الحركة عندما تولت السلطة أول مرة بعد عام 1996. وقال سائق السيارة حاجي حسين، الذي اعتقل عند حاجز تفتيش لأن راكبين كانا مخمورين “لقد ضربوني بشدة”. وقال تيمور شاه “قتل ابني شخصا وهرب ووضعوني في السجن بدلا منه”.
ففي الفراغ الذي نتج عن انهيار الحكومة الأفغانية دخل مقاتلو طالبان لملء الفراغ ومنع الجريمة والفوضى. ويدير المقاتلون بزيهم ومظهرهم المعروف نقاط التفتيش ويحلون الخلافات في العاصمة والمدن الأخرى.
ويقوم قضاة المجتمع بإصدار الأحكام غير الرسمية في النزاعات المتعلقة بالمال والأرض والعائلة، كما فعلوا من قبل في المناطق الريفية التي ظلت بيد المقاتلين. لكن التحول من تمرد ظل يدور على مدى العقدين الماضيين في الريف إلى قوة أمن وطني قادرة على حماية المناطق الحضرية هو تحد للمقاتلين.
وتحول فرع تنظيم الدولة الإسلامية في باكستان وأفغانستان إلى أكبر تهديد على هيمنة طالبان وأمن السكان أيضا. وحتى الآن فشلت طالبان في احتواء الخطر النابع من تنظيم الدولة- ولاية خراسان الذي نظم عددا من الهجمات على المدن الأفغانية منذ سيطرة طالبان على السلطة قبل شهرين، منها هجومان قاتلان على مسجدين للشيعة في قندهار وقندوز. كل هذا يطرح أسئلة حول قدرة الحركة وإمكانياتها وخبراتها لمواجهة خلايا تنظيم الدولة- ولاية خراسان في كابول وبقية المدن الأفغانية، مع أن الحركة نظمت هجمات مماثلة قبل سيطرتها على كامل البلاد. وفي داخل حركة طالبان لا يزال هناك عدد من المقاتلين غير منضبطين، ويرسل الناس للسجون بمجرد شبهة بسيطة بدون محامين وسيظلون في السجن لحين وضع النظام الجنائي. وعندما استمع أحد مسؤولي طالبان في السجن، قاري زكي، للمظالم التي قدمها السجناء، ضحك واعترف بالأساليب المثيرة للشك. وعبر قائلا “من سيصدق الجرائم التي ارتكبوها؟” و “كل واحد يعتقد أنهم أبرياء، تقدم ناس بشكاوى ولهذا تم اعتقالهم”.
وأظهر المتشددون إشارات عودة للأساليب القاسية التي استخدموها عندما كانوا في الحكم. ففي مدينة هيرات، غرب البلاد قام مقاتلو الحركة بإعدام أشخاص اتهموا بعمليات خطف، وتم تعليق أجسادهم على أعمدة الكهرباء. وانتشرت أشرطة فيديو على منصات التواصل الاجتماعي تصور مقاتلي الحركة وهم يجلدون متهمين. وحتى في العاصمة التي يظل فيها المقاتلون تحت نظر العالم، فقد انتشرت تقارير عن استعراض أشخاص اتهموا بالسرقة وتم دهن وجوههم بالشحم الأسود. وتعرض تاجر مخدرات للإهانة من خلال حشو المخدرات في فمه ووضع صورته على منصات التواصل الاجتماعي كتحذير.
وفي لقاءات حول العاصمة كابول، تحدث مسؤولون ومقاتلون صراحة عن رغبتهم بفرض القيادة نفس الأساليب التي فرضت بالفترة ما بين 1996- 2001. وكلهم دعموا الشنق الذي حدث في هيرات. وقال قاري محمد أشرف، 43 عاما، رئيس محطة شرطة منطقة 12 في كابول “لو قررت محكمة قطع يد سارق فسندعم هذا” و “إن شاء الله سيتم تنفيذ الحكم علنا، وسيتعلم الناس منه وسيتوقف اللصوص عن السرقة ولو ارتكب رجل متزوج الزنا فسيرجم حتى الموت علنا”. واعترف أشرف أن رجاله هم من اعتقل التاجر و “أرسلنا رسالة بوضع المخدرات في فمه” و “أي شخص عمل مثل هذا الأمر فسيواجه نفس العقوبة”.
وفي الوقت الحالي لدى طالبان قضايا ملحة أهم، فمولوي زبير مؤتمن يتفهم الوضع، وهو مسؤول أهم وأكبر منطقة في كابول، منطقة 9 بشكل يجعل أقوى شخصية مسؤولة عن فرض النظام في المدينة. ونبعت تجربته من إدارته منطقة كبيرة في جبال لوغار وبثلاثة مقاتلين وشبكة من المخبرين. وكان عضوا في مجلس الظل الذي أشرف على العاصمة أثناء فترة الحكومة السابقة. مشيرا لوجود لجان ظل أخرى أشرفت على السجون والمحاكم وملامح أخرى من الحكم. وقال “كانت لدينا حكومة قبل السيطرة على كابول” والفارق الوحيد هو أن سكان المدن يعتقدون أن “شرب الخمر هو ديمقراطي، والزنا ديمقراطية والسرقة والخطف هي حقوقهم في ظل النظام السابق”. وأضاف “نحتاج لوقت حتى نعيد الناس للحياة الطبيعية”.
ومن بين رجاله أشخاص يعرفون كابول من زاوية أخرى، فقد كانوا مخبرين فيها ولعدة سنوات. لكن مهمة مؤتمن اتسمت بالفشل في مجال معين: وقف تنظيم الدولة- ولاية خراسان. فقد كان المقاتلون التابعون له من يوفرون الحراسة لمطار كابول الدولي عندما نفذ تنظيم الدولة- ولاية خراسان هجوما أدى لمقتل أكثر من 170 مدنيا أفغانيا و13 جنديا أمريكيا. ومنذ ذلك الوقت يقول مسؤولو ومقاتلو طالبان إنهم يلاحقون خلايا التنظيم في كابول. وقال أشرف، مسؤول منطقة 12 إن عناصره اعتقلت ستة أشخاص بتهمة الإرهاب وبناء على معلومات استخباراتية.
في آب/أغسطس وبعد الهجوم على المطار قال قيادي في الحركة إن المقاتلين يقومون بمراقبة الهواتف النقالة والرسائل الإلكترونية وكل أنواع التواصل لمواجهة تنظيم الدولة- ولاية خراسان. لكن لا يعرف حجم التنسيق بين مراكز الشرطة في المدينة والمقاتلين الذين جاءوا من مناطق مختلفة ويتبعون قائدهم بشكل يعطي مجالا أمام تنظيم الدولة تنفيذ هجمات وبسهولة. ووجد الجيش الأمريكي وسي آي إيه والمخابرات الأفغانية صعوبة في وقف هجمات كهذه نفذتها طالبان وتنظيم الدولة- خراسان. ويضاف للمشكلة حس الإنكار، فأشرف يرى أن تنظيم الدولة “لا يمثل خطرا كبيرا”، ويقول مؤتمن إن الخطر قد قل. ولام الأمريكيين على الهجوم قائلا إن التفجير حصل عند البوابة الأمريكية.
وبعد خمسة أيام من المقابلة نظم التنظيم عملية أمام مسجد في كابول قتل فيها خمسة مدنيين على الأقل، وحدث أثناء مجلس عزاء لوالدة أحد قادة طالبان، نائب القائم بأعمال وزير المعلومات. وفي 5 تشرين الأول/أكتوبر قامت قوات أشرف بملاحقة مجرم معروف بعد الحصول على معلومات عن مكانه من إشارة هاتفه النقال، ولهذا قامت القوة بإقامة ثماني نقاط تفتيش للقبض عليه. وقال مسؤول الشرطة في طالبان مرتضي أحمد زاي إن الوضع الأمني في كابول أفضل مما كان عليه في أثناء الحكومة السابقة، ففي الماضي لم يكن الناس يتجرأون على الخروج من بيوتهم في المساء وتقفل المحلات أبوابها مبكرا، نظرا لانتشار السرقة والاختطاف والقتل.
ويوافق سكان على هذا الكلام. ودعم بعضهم الحركة لشعورهم أنها ستقدم لهم الأمن بعدما عانوه من أمراء الحرب الفاسدين. ويقول إبراهيم حيدري، أحد مقاتلي طالبان “هذا امتحان من الله لخدمة الناس وحل مشاكلهم” حيث كان يتحدث بعد دقائق من اعتقاله شخصين كانا يبيعان تأشيرات مزورة إلى طاجيكستان. وقال صاحب المحل سيد رزاق “كنا نتجنب الخروج بعد السابعة مساء” و”كان هناك لصوص واختطاف وقتل، ولكن الوضع أحسن”. وقال آخر “هناك مسلحون كثر، وسمعنا عن أشخاص يدخلون البيوت ويأخذون أشياء منها ولا يرتدون زيا معينا ولا نعرف منهم”.
ويعترف مسؤولو طالبان بالمشكلة وقالوا إن من يثبت تورطه من المقاتلين يواجه تبعات عمله. وقال مسؤول رفض الكشف عن اسمه إن هناك 60 مقاتلا في سجن بولي شارخي. كما واعترف مؤتمن من منطقة 9 بحالات أساء رجال الأمن سلطتهم وتم عزلهم من عملهم، بمن فيهم مقاتلون أخذوا القانون بأيديهم. وقال “هناك حوادث متفرقة من أصحاب العمائم السوداء، ولكن ليست هذه هي سياسة القيادة” و “هذا قرار شخصي من المجاهد نفسه”.
وتواجه الحركة مشكلة تتعلق بتحقيق توقعات المواطنين مثل حل مشاكل تعود للماضي. ففي كل يوم يجتمع في مقر أشرف الواسع أناس يأملون بتدخل قواته لحل المشاكل بين الجيران والمجتمعات المالية وتلك المتعلقة بالأرض. وظلت هذه القضايا عالقة في محاكم النظام السابق أو رميت بسبب فساد المسؤولين. وقال أشرف الذي شارك في مجلس ظل خلال العشرين عاما الماضية إن الحكومة السابقة لم تكن قادرة على حل المشاكل بسبب الفساد وتأثير المسؤولين. و “نحل المشاكل عبر نظام قضائي سريع ولهذا يفضل الناس المجيء إلينا”.