واشنطن بوست: حماس ماكرون للبنانيين في كارثتهم لن يترجم إلى التزام حقيقي

ابراهيم درويش
حجم الخط
0

لندن- “القدس العربي”:

ما هو ديْن فرنسا للبنان وهل تستطيع الوفاء به؟ سؤال حاول المحاضر بجامعة هيوستون روبرت زارستكي الإجابة عليه في صحيفة “واشنطن بوست” وبدأه بالإشارة إلى زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للعاصمة اللبنانية بيروت في أعقاب الانفجار الهائل الذي دمر المرفأ وأجزاء كبيرة منها.

فعند وصوله مطار بيروت، سأل الصحافيون ماكرون عن سببه حضوره السريع إلى لبنان، فأجاب: “لأجلكم ولأجلنا” وهو جواب ردد عن قصد ما قاله الكاتب ميشيل دي مونتيه عن الصداقة، وهي عبارة تؤشر إلى الحقيقة المراوغة للعلاقة بين فرنسا ولبنان.

 ومع أن عددا من الساسة في فرنسا وصفوا زيارة ماكرون بأنه “يشتم منها رائحة الاستعمار الجديد والأبوية” لكنّ التاريخ يكشف كما هو الحال في كل مرة أن الحقيقة هي أكثر تعقيدا.

وعلق الكاتب أن منظور وأخلاقية زيارة ماكرون مثير للدهشة، فبعد مغادرة المطار، ذهب مباشرة دون مقابلة الرئيس ميشال عون إلى مركز الانفجار الذي أودى بحياة أكثر من 150 شخصا ودمر معظم المدينة.

وعندما خرج ماكرون من موكب السيارات الذي جلبه إلى حي الجميزة الذي وصلته أضرار الانفجار، وجد نفسه محاطا بالسكان الذي تدفقوا، وصافح الأيدي الممتدة إليه وعانق امرأة غلبتها الدموع  ورحب به الناس بهتاف “تحيا فرنسا”. إلا أن الترحيب الذي لقيه الرئيس الذي كانت بلاده تشرف على لبنان، رافقته سخرية من المؤسسة السياسية اللبنانية المتهمة بالكارثة والتي لم يرافق واحد من أفرادها ماكرون إلى مكان التفجير.

وسُمعت هتافات “عون إرهابي”، ودعوات “السيد الرئيس أقرضنا مقصلتك”، ورغم أن ماكرون رفض الاستجابة لهذا الطلب، إلا أنّه عبر عما أسماه “الغضب الصحي” و”أتفهم غضبك” كما قال لرجل. وتعهد الرئيس الفرنسي بالالتزام بواجبه نحو لبنان، وهنا جوهر المسألة، فليس من الواضح ما هو ديْن فرنسا للمستعمرات القديمة، أو في حالة لبنان، الانتداب.

ففي أثناء زيارته للجميزة، أعلن ماكرون ما وصفه نهاية الوضع القائم في لبنان. وكان يقصد به نهاية حكم العشائر الدينية والسياسية التي وصلت إلى الحكم عام 1990 بعد نهاية الحرب الأهلية، وبدأت مسيرة فساد أدت لشل البلد. وبعد لقائه مع قادة المجتمع المدني الذي عبأ صفوفه قبل فترة من الانفجار، أكد لهم ماكرون على أهمية إعادة بناء النظام السياسي.

وتساءل الكاتب” كيف؟ ففي الوقت الذي بدا فيه كلام ماكرون حازما، إلا أن الشيطان في التفاصيل. فجهود سياسية بقيادة فرنسا تحمل مخاطر ارتكاب أخطاء الجهود القديمة كما قالت صحيفة “لوموند” من ناحية الدخول في نفس الجمود الذي عملته النخبة الحالية وقادت البلاد نحو الهاوية”.

ولم يكن كلام ماكرون مطمئنا بعد لقائه مع قادة البلاد بمن فيهم حزب الله ودعوته لحكومة وحدة وطنية. فقد قادت هذه الصيغة وعبر العقود الماضية إلى حكومة فرقة وطنية. فاتفاق السلام عام 1990 الذي وزع السلطات بين الموارنة وبقية الطوائف المسيحية والسنة والشيعة، تحول إلى آلية لاقتسام الغنائم بينها.

وأكد هذا الوضع الطابع الطائفي والفساد المزمن في البلد، ولم يعد بالإمكان إصلاحه أو تشكيله من جديد.

وتساءل الكاتب: “هل لدى ماكرون الوقت والوسائل لمتابعة تعهداته بطريقة هادفة؟”.

وكان ماكرون واضحا أن المساعدات ستقدم إلى مؤسسات شفافة تقوم بتوزيعها مباشرة للمحتاجين. أما بالنسبة للوزارات، فقد كان وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان واضحا: “لن نعطي فلساً لهذه الطبقة السياسية”.

 لكنّ نفوذ فرنسا ليس عظيما في لبنان كما يقترح الاستعماريون الجدد. ففرنسا لا تتمتع بعلاقات اقتصادية قوية، فهي في المرتبة السادسة من قائمة الدول الأكثر تعاونا مع لبنان في مجال التجارة.

ولم يعد لبنان بعدما أصبحت القضية الفلسطينية مهمشة يحظى بنفس الأهمية لفرنسا كما في السابق. وربما ربط البلدان اللغة المشتركة والمكان المشترك، فهناك أكثر من 250.000 لبناني يطلقون على باريس “بيروت على السين”، مما يضفي علاقة خاصة على البلدين.

وبالنسبة للوقت، فليس لدى ماكرون الوقت الكافي قبل انتخابات عام 2022، فسيقضي العامين المتبقيين له في الرئاسة بمواجهة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والصحية التي حفزها فيروس كورونا. كما أن الفرنسيين لم يظهروا تحمسا لماكرون مثلما تحمس له اللبنانيون. فشعبيته لم تزد عن 39% بين الناخبين الفرنسيين.

وربما تحسنت أرقام ماكرون، لكن لا مجال لأن يزداد الالتزام والمصادر تجاه لبنان مهما كانت العلاقات خاصة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية