لندن-“القدس العربي”:
كشف المعلق الأمريكي المعروف ديفيد إغناطيوس عن شبكة التنصت والتحكم في المعلومات التي استخدمها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لملاحقة وإسكات المعارضين له مثل جمال خاشقي الذي كان كما يقول إغناطيوس في تحقيق طويل له بصحيفة “واشنطن بوست” هدفا رئيسيا في حرب المعلومات في القرن العشرين والتي شملت القرصنة والخطف والقتل.
وتساءل ديفيد إغناطيوس عن الطريقة التي تحولت فيها حرب الأفكار لساحة مميتة بالنسبة لصحافي واشنطن بوست الجريء خاشقجي؟
وكشف عن الدور الأمريكي والإسرائيلي والإمارات العربية المتحدة ودول أخرى ساعدت في الحرب على التطرف وأسهمت في تطوير وسائل التجسس الألكتروني واستخدامها في ملاحقة المعارضة الداخلية التي تمظهرت في جريمة القنصلية في اسطنبول يوم 2/10/2018.
ويقول إغناطيوس إن ولي العهد أو “م ب س” كما يعرف الغرب أحدث فوضى بدلا من الاستقرار الذي وعد به وأقام “ترسانة رقمية” لدعم حكمه الديكتاتوري. ودخل الحرب الرقمية مسلحا بمنشار.
ويشير في هذا السياق إلى الدور الذي لعبه مساعده الطامح سعود القحطاني الذي أدار مركز الدراسات الشؤون الإعلامية في الرياض. وتعاون في البداية مع شركة أمن إلكتروني إيطالية “هاكينغ تيم” ثم طلب السعوديون بعد ذلك المساعدة من شركة إسرائيلية تدعى “أن أس أو غروب ” والشركة الفرعية التابعة لها وهي “كيو سايبر تكنولوجيز” بالإضافة لشركة إماراتية اسمها “دارك ماترز”. وقام القحطاني في الوقت نفسه ببناء شبكة رقابة ومواقع على وسائل التواصل الاجتماعي للتحكم وتمرير أجندة محمد بن سلمان وقمع أعدائه.
ويرى إغناطيوس إن السعوديين بدأوا بتقوية جهودهم الرقمية قبل عقد من الزمان. وفي عهد الملك عبدالله شعروا أن هناك حاجة لتعزيز الجهود خاصة بعدما عطل فيروس “شامون”أطلقه الإيرانيون عام 2012 نصف أجهزة الكمبيوتر في المملكة. بالإضافة للخطر الذي مثله تنظيم “الدولة” في العراق وسوريا عام 2014. وتحولت المعلومات للسعوديين كما هو الحال للروس بمثابة أداة حرب. وقال مسؤول أمني أوروبي إن “الوسائل التي تحتاجها لمواجهة الإرهاب هي نفسها التي تريدها لقمع المعارضة” وقد استخدمها السعوديون أو أساؤوا استخدامها بطريقة أوسع.
ويضيف الكاتب سببا آخر لاهتمام السعودية بوسائل التواصل الاجتماعي وهو الربيع العربي عام 2011 الذي أسقط حكومات في ليبيا واليمن ومصر وتونس وخشيت السعودية حسب مارك لينتش أن يكون هناك ما وصفه “احتجاجات هاشتاغ”.
واشنطن بوست :اعتمدت السعودية في البداية على برامج “هاكينغ تيم” والتنصت على “أي فون” و”آي باد” وفي فترة لاحقة طلبت وسائل للدخول إلى هواتف “أندرويد” حسبما كشفته ويكيليكس عام 2015.
واعتمدت السعودية في البداية على برامج “هاكينغ تيم” والتنصت على “أي فون” و”آي باد” وفي فترة لاحقة طلبت وسائل للدخول إلى هواتف “أندرويد” حسبما كشفته ويكيليكس عام 2015.
ويرى إغناطيوس إن الحرب الإلكترونية دخلت مرحلة جديدة بعد وصول الملك سلمان إلى السلطة عام 2015 . ومن أجل التقرب لابن الملك الذي عين وليا لولي العهد تقدم القحطاني للدعم وكتب لمدير “هاكينغ تيم” طالبا منه قائمة بالخدمات التي تقدمها شركته. وقدمت الشركة نفسها بأنها الشركة المناسبة للحكومات التنصت وأن خدماتها فعالة وسهلة الاستخدام وكان لديها عملاء من 40 حكومة. وبحسب تقرير في مجلة “فورين بوليسي” عام 2016 فقد أصبحت علاقاتها قوية مع السعودية لدرجة أن مستثمرين سعوديين تقدموا للمساعدة عندما عانت من مشاكل بسبب تسريبات لويكليكس عام 2015. وحصلت شركة مقرها في قبرص اسمها “تيبليم” يديرها واحد من عائلة القحطاني على نسبة 20% من الشركة.
ورغم حصول “م ب س” على وسائل قرصنة إلكترونية إيطالية إلا أنه كان يبحث عن قدرات أفعل وكان يتطلع لما حققته شركة إماراتية اسمها “دارك ماترز” من إنجازات. وبحسب مسؤولين أمريكيين سابقين فقد استعدت هذه توفير تدريب ومعدات ولكن “م ب سي” كان يتطلع إلى امتلاك أحدث نظام في التجسس الإلكتروني.
ويقول إغناطيوس إنه زار في نيسان (إبريل) 2017 مركز الرقابة الالكتروني في البلاط الملكي الذي أطلق عليه السعوديون مركز رقابة التطرف الرقمي. وقال السعوديون إنهم يكافحون تنظيم “الدولة” وكذا هجمات إيران. وقدم له مدير المركز مطويات لامعة تصف عمل المركز وأنه راقب 1.2 مليون تغريدة وإعادة نشرها عن تنظيم “الدولة” في الأسبوعين الأخيرين من كانون الأول (ديسمبر) عام 2016. ما لم يعرفه الكاتب أن أساليب الرقابة في المركز يمكن توجيهها ضد المعارضين في الداخل وكذا الجيران، ففي عام 2015 تورط “م ب س” بحرب مع اليمن وشن حربا إلكترونية ضد قطر. وقال مسؤول أمني أمريكي سابق عمل مع ولي العهد إن “السايبر يناسب تحيزات م ب س” فهو “يفضل الاستراتيجيات المحفوفة بالخطر ويقلل من الآثار السلبية ولا يفكر بالتداعيات الخطيرة”. وربما كان خطر هذه الوسائل أقل لو قامت المخابرات السعودية بالتعامل معها ولكنها أصبحت وسيلة سياسية لبن سلمان وتابعه المؤثر القحطاني.
واشنطن بوست:زادت جهود “م ب س” للحصول على تكنولوجيا رقمية متقدمة عام 2017 لخوفه من منافسيه داخل العائلة الحاكمةـ خاصة بعد ظهور تقارير عن محاولتي اغتيال العام الماضي.
وزادت جهود “م ب س” للحصول على تكنولوجيا رقمية متقدمة عام 2017 لخوفه من منافسيه داخل العائلة الحاكمةـ خاصة بعد ظهور تقارير عن محاولتي اغتيال العام الماضي. ورد بن سلمان بانقلاب داخل أزاح فيه ابن عمه الأمير محمد بن نايف عن ولاية العهد في حزيران (يونيو) 2017 وأتبع ذلك في تشرين الثاني (نوفمبر) بعملية ريتز كارلتون حيث احتجز 200 من بينهم أمراء ورجال أعمال. وأنتج القمع قمعا جديدا فمع كل أمير اعتقل تم وضع آخر تحت الرقابة. وحذر القحطاني من ظهور آخرين على افتراض أنه تم تجنيدهم على يد إيران وقطر.
ويقول إغناطيوس إن القحطاني كان متوحشا على الإنترنت حيث طلب من المواطنين السعوديين المساعدة وضم أسماء من يرون أنهم متعاطفون مع قطر إلى “القائمة السوداء”. وفي تغريدة نشرها في آب (أغسطس) قائلا:”وتعتقد أن هذا من قدح رأسي. أنا موظف ومنفذ أمين لأوامر سيدي الملك وسيدي ولي العهد الأمين”.
ويعلق الكاتب أن السعودية والإمارات اللتان دخلتا حرب المعلومات متأخرتين وحاولتا تحويل المعركة مع قطر إلى حرب “سايبرية” اشتملت على قرصنة وقرصنة مضادة. وزعمت قطر أن اختراقا تم على وكالة أنبائها وزرعت فيها معلومات زائفة عن الأمير. وبعد شهر سربت رسائل سفير الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة وكذا رسائل كشفت عن تعاملات رجل أعمال مقرب من ترامب مع الإمارات. وتحول المجال لساحة حرب مفتوحة للجميع. وتحولت الولايات المتحدة كما قال في أيار(مايو) من هذا العام إلى “لبنان جديد” اي المكان الذي تستخدمه الدول لقتال حروبها القذرة بالوكالة.
واشنطن بوست : الشركات الإسرائيلية قدمت للسعوديين أسرارها الإلكترونية وحصلت على حليف سني ضد إيران وفرصة لجمع معلومات عن المملكة مقابل حصول بن سلمان على أدوات لمواجهة أعدائه في الداخل.
ويقول الكاتب إن مركز القحطاني كان يقود حربا على أكثر من جبهة وضد أعداء حقيقيين ومتخيلين. وظل السعوديون يبحثون عن أسلحة جديدة. وأظهرت “دارك ماترز” قدراتها في معارض بلاس فيغاس في عام 2016و 2017 و 2018 ومن بينها “كاتم” الذي يجبر الهاتف على إغلاق كاميراته وميكرفونه لمواجهات عمليات القرصنة وبالتالي تدمير نفسه. وكان السعوديون يعرفون أن الإسرائيليين لديهم أنظمة رقابة متقدمة وبحثوا عن طرق لشرائها. وهو ما أدى لمقايضة شيطانية حيث بدأت الشركات الإسرائيلية تقدم للسعوديين أسرارها الإلكترونية وحصلت على حليف سني ضد إيران وفرصة لجمع معلومات عن المملكة مقابل حصول بن سلمان على أدوات لمواجهة أعدائه في الداخل. وقال ثلاثة مسؤولين امريكيين إن السعوديين حاولوا الحصول تحديدا عن نظام انتجته مجموعة أن أس أو وهو “بيغاسوس”. وبدت نجاعة النظام هذا من تقرير لمجموعة “ستزن لاب” الكندية في تشرين الأول (أكتوبر) 2018 عندما كشفت عن تعرض معارض سعودي في مونتريال للتجسس من خلال استهداف هاتفه بهذا النظام. وقال خبير بريطاني إن القحطاني أمر بالحصول على هذه الأنظمة خارج القنوات الأمنية العادية.
وضمن هذا السياق تفهم الدعوى القضائية التي قدمها المعارض السعودي عمر عبد العزيز الذي اتهم شركة “أن أس أوغروب” بدور في مقتل خاشقجي نظرا لأن النظام الذي باعته للسعودية استخدم للتجسس عليه وخاشقجي. وكان الاثنان يخططان لإنشاء جيش النحل لمواجهة الذباب الإلكتروني التابع للقحطاني.
إغناطيوس: الحملة ضد خاشقجي كانت بالنسبة للقحطاني شخصية. وبحسب مسؤول سعودي فقد شعر القحطاني أنه خان رئيسه عندما سمح للكاتب الصحافي مغادرة السعودية عام 2017.
ويشير إغناطيوس إلى أن الحملة ضد خاشقجي كانت بالنسبة للقحطاني شخصية. وبحسب مسؤول سعودي فقد شعر القحطاني أنه خان رئيسه عندما سمح للكاتب الصحافي مغادرة السعودية عام 2017. وعندما بدأ خاشقجي بكتابة المقالات من منفاه الامريكي اعتبره القحطاني مرتدا في حرب المعلومات التي يريد السيطرة عليها. وقبل أن يبدأ مقالاته في “واشنطن بوست” عرض عليه السعوديون كتابة مقال في صحيفة الحياة، وذلك حسب مسؤولين سعوديين يعرفان بالمقترح. ولكنه بدأ يطلق صوته عبر مقالاته حيث حاول السعوديون الضغط عليه من خلال منع ابنه صلاح من السفر. ولم يتراجع خاشقجي الغاضب عن مواقفه وظل يكتب ناقدا سياسات ولي العهد.
وفي تموز (يوليو) أقنع القحطاني أن خاشقجي بات يمثل تهديدا على المملكة وكان رده بضرورة إحضاره إلى المملكة وبالقوة إن اقتضى الأمر. ولم يفهم المسؤولون الأمريكيون الرسالة إلا في وقت متأخر.
وأصبح خاشقجي هدفا سهلا عندما زار القنصلية في إسطنبول للحصول على وثائق زواج وطلب منه العودة بعد أيام. وبحسب مسؤولين سعوديين ساعد القحطاني على تجميع عدد من العاملين في الأمن والجيش والمقربين من ولي العهد. وعين ماهر المطرب مسؤولا عن هذا الفريق الذي أرسل إلى إسطنبول، وهو جنرال في المخابرات وعادة ما يرافق ولي العهد في رحلاته حيث يشرف على حراسته.