لندن- “القدس العربي”: يرى المعلق في صحيفة “واشنطن بوست” إيشان ثارور أن جو بايدن حاول تأطير رحلته إلى الشرق الأوسط بمقال رأي بنفس الصحيفة، نشره يوم السبت، وقدمه عبر منظور براغماتي، مع أن الرحلة يلاحقها شبح صحافيين قتلا في ظروف مختلفة.
ورأى ثارور أن رحلة بايدن، التي تستمر أربعة أيام ما بين إسرائيل وفلسطين والسعودية وهي الأولى له للمنطقة منذ توليه الرئاسة، تأتي في لحظة غير مناسبة: في داخل الولايات المتحدة والحرب في أوكرانيا. ففي داخل الولايات المتحدة هناك أزمة اقتصادية سابقة على الكارثة التي تلوح بالأفق للديمقراطيين في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر. وقد حاول بايدن الحديث عن رحلته في سياق براغماتي ومصطلحات جيوسياسية. ففي مقال رأي نشرته الصحيفة، يوم السبت، قال إن الرحلة جزء من محاولة للتعامل مع التحدي الذي تمثله الصين وروسيا والعمل من أجل “الاستقرار في منطقة ذات تأثير على العالم”.
لكنه يأتي للمنطقة بأجندة مزدحمة من إسرائيل إلى السعودية ملاحقا بظل صحافيين قتيلين.
وهناك بالطبع إرث جمال خاشقجي، الصحافي السعودي الذي كان كاتبا في صحيفة “واشنطن بوست” وقتل بطريقة شنيعة في القنصلية السعودية في اسطنبول. وتعهد بايدن في حملته الانتخابية بأنه سيعيد النظر بطريقة جذرية في علاقات واشنطن مع الرياض.
لكن زيارة بايدن هذا الأسبوع للسعودية تؤكد أن تغيرا قليلا قد حدث، وكم كان خطابه حول حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية أجوفا. وبالتأكيد سيلتقي بايدن محمد بن سلمان، لكن بروتوكولات فيروس كورونا قد تجنبه مصافحة يده.
ثم هناك شيرين أبو عاقلة، الصحافية الفلسطينية- الأمريكية المعروفة بقناة الجزيرة، والتي قتلت في 11 أيار/مايو عندما كانت تغطي اضطرابات في مدينة جنين بالضفة الغربية. وأثبت الفحوصات الجنائية والتحقيقات لعدد من وسائل الإعلام بما فيها “واشنطن بوست” أن أبو عاقلة قتلت برصاصة إسرائيلية وخلافا لمزاعم الجيش الإسرائيلي الأولى. ورأى الفلسطينيون في مقتلها بأنه آخر مثال للطريقة التي تدير فيها إسرائيل احتلالها للأراضي الفلسطينية بدون خوف من العقاب. ولم يشعروا بالارتياح من نتائج تحقيق وزارة الخارجية الأمريكية الذي توصل إلى أن الرصاص الإسرائيلي مسؤول عن “أكبر احتمال” عن مقتل أبو عاقلة، ولكنه أضاف “لا يوجد أسباب تدعو إلى أن القتل كان مقصودا”.
وأصدرت عائلة أبو عاقلة بيانا قالت فيه إن الولايات المتحدة كانت تميل نحو محو أخطاء القوات الإسرائيلية. وطالبت العائلة بمقابلة بايدن خلال زيارته. وقالت “بدا وكأن علينا والعالم نسيان الأمر، وكان الصمت أفضل”.
ورغم الاحتجاج الذي يحضر له يوم الخميس في القدس إلا أن المحللين يشكون في إمكانية الضغط على بايدن لعمل المزيد حول مقتل أبو عاقلة. وبالتأكيد فهناك توقعات ضعيفة من كل الزيارة لإسرائيل والضفة الغربية. ففي إسرائيل سيلتقي بايدن رئيس وزراء “أعرج” عين قبل فترة بعد انهيار الحكومة الإسرائيلية بانتظار الدورة القادمة من الانتخابات. وفي الضفة الغربية، سيلتقي محمود عباس والذي تبدو حراسته لحل الدولتين والعملية السلمية مثيرة للحزن أكثر من أي وقت مضى.
ولم يحاول بايدن في مقاله تقديم أي دعم شفوي لطموحات الفلسطينيين بالدولة، كما كان دأب الرؤساء السابقين. وقال الزميل بمعهد الشرق الأوسط خالد الجندي “ذهبت الإدارة بعيدا في جهودها لتحليل إسرائيل من أي مسؤولية أخلاقية” و”نعرف مقدما أن الموضوع الفلسطيني في أدنى اهتمامات وأولويات الإدارة الحالية. ولا يبدو أنهم مهتمون تحديدا بتراجع شعبية محمود عباس أو شرعيته. فهي زيارة مجاملة لا أكثر”.
إلا أن إسرائيل وموقعها بالمنطقة سيكون في مركز زيارة بايدن، إذ يواصل جهود الإدارة السابقة والبناء على اتفاقيات إبراهيم. وضمن جهودها لإحياء المعاهدة النووية مع إيران، فإن الإدارة راغبة بدمج إسرائيل ضمن القوى المعادية لإيران بالمنطقة. وفي الماضي كان الحديث عن ناتو عربي أمرا مستحيلا، لكنه أصبح حقيقة وتلعب فيه إسرائيل دورا محوريا إلى جانب الإمارات والسعودية. وربما حاول بايدن تقوية الأطراف المعتدلة في إسرائيل حيث سيعلن عن شراكة استراتيجية مع لبيد. وقال ديفيد ميلر وستيفن سايمون “ستكون الزيارة الرئيسية، حسب التعريف بمثابة إظهار للبيد بأنه رئيس وزراء حقيقي وهو ما يحتاجه لتقوية موقفه ضد بنيامين نتنياهو، أطول رئيس وزراء حكما في تاريخ إسرائيل” و”بالتأكيد سيتحدث بايدن عن العلاقات المتينة بين الولايات المتحدة مع إسرائيل والالتزام العميق بأمن إسرائيل. وفي خطاب تنصيبه تحدث لبيد عن التطرف الذي شجبه وحاول التواصل مع الفلسطينيين وحذر إيران وهي موضوعات مشتركة مع بايدن”.
وسيلعب السعوديون دورا من خلال كراهيتهم المتبادلة مع إيران. وسيستقبل السعوديون بايدن ضمن منظومة مجلس التعاون الخليجي والتي يأمل الأمريكيون أن تؤدي إلى تخفيف النقد عن بايدن وأنه يحاول التعامل مع الذين رتبوا مقتل خاشقجي. وربما قال بعض المحللين إنه كان من التهور تنفير السعوديين بالمقام الأول، نظرا لموقعهم في سوق النفط وعلاقتهم الوثيقة مع واشنطن. وأشار لمقال كتبه غريغوري غوس بفورين أفيرز بأن قرار بايدن دفن الخلافات مع ولي العهد السعودي ضروري ورد مفهوم على العالم كما هو، وليس السياسة المحطمة للشرق الأوسط ولكن التعطل العالمي بسبب الحرب الروسية في أوكرانيا. لكن البعض تساءل إن كانت الزيارة تستحق. وقال بن ردوس، المستشار السابق لباراك أوباما “ستقدم زيارته بالتأكيد على أنها دعم للتطبيع بين إسرائيل ودول الخليج ولكننا لا نستطيع تجاهل أن الاتفاقيات أصبحت مخرجا للقمع الوحشي للمعارضة” و”كيف يتناسب هذا مع الكفاح بين الديمقراطية والاستبداد”، وهو سؤال لا يريد بايدن طرحه.