لندن- “القدس العربي”:
قال المعلق جاكسون ديهيل إن قصة الدكتور وليد فتيحي، الطبيب الأمريكي- السعودي تجسد التناقض في علاقة أمريكا مع حلفائها العرب القدامى بمن فيهم مصر والبحرين والإمارات العربية المتحدة والسعودية بالطبع.
وفي مقال نشره ديهيل بصحيفة “واشنطن بوست” تحت عنوان “درس من طبيب سعودي” نقل فيه عن فتيحي قوله إنه كان يطمح بأن يكون “جسرا” بين الولايات المتحدة والسعودية بعد رعب هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2011. كان في ذلك الوقت في بوسطن حيث عاش فيها معظم حقبة التسعينات وحصل على درجة علمية في الصحة العامة من جامعة هارفارد بالإضافة إلى الجنسية الأمريكية، وقبل ذلك حصل على الشهادة الطبية من جامعة جورج واشنطن.
ويقول ديهيل إن “فتيحي المدهش نجح، وعاد إلى مدينته جدة لإنشاء المركز الدولي الطبي، وهو مستشفى مجهز بـ300 سرير افتتحه الملك عبد الله عام 2006. وتعاقد الفتيحي مع عدد من الأطباء الذين تلقوا تدريبهم في الولايات المتحدة ودخل في شراكة مع مركز كليفلاند الطبي ولاحقا مع مايو كلينك من أجل جلب المعايير الصحية الامريكية إلى السعودية.
وأصبح الموظفون في القنصلية الأمريكية بجدة من الذين عالجهم، و”تحول الطبيب الجذاب إلى متحدث ملهم جذب إلى تسجيلاته ملايين المشاهدين بالإضافة إلى 1.7 مليون متابع على الإنترنت”. وجاءت “مكافآة” الفتيحي في تشرين الثاني/نوفمبر 2017 عندما اعتقله بلطجية ولي العهد محمد بن سلمان، إلى جانب أعداد من رجال الأعمال السعوديين وأعضاء العائلة المالكة، وتم احتجازه في فندق ريتز كارلتون، ومثل البقية تعرض للتعذيب.
وعلى خلاف البقية، لم يتم الإفراج عنه بعد أسابيع، بل ظل محتجزا لمدة 21 شهرا بدون محاكمة. وعندما أُفرج عنه أخيرا وقدم للمحاكمة في تموز/ يوليو الماضي، كانت التهمة التي وجهت له تحمل دلالات وهي الحصول على الجنسية الأمرريكية بدون إذن.
ويعلق الكاتب إن فتيحي تم استهدافه “لأنه نجح وأصبح صوتا قويا في المملكة وبعلاقات قوية مع الولايات المتحدة”. وفي مقابلة معه الأسبوع الماضي، قال الفتيحي للكاتب: “ظلوا يسألونني: لماذا لديك هذا العدد الكبير من الأتباع؟” و”بالنسبة لهم فكوني أمريكيا زاد من سوء وضعي”.
ويعلق الكاتب أن قصة فتيحي تضع أسئلة حول التناقض في علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها العرب في الشرق الأوسط. مع أن هذه الدول لم تكن لتبقى، كما أشار رجل الأعمال سابقا والرئيس حاليا ترامب، بدون درع الحماية الأمريكي. ومع تحول هذه الأنظمة إلى ديكتاتورية قاسية لم تعد مستعدة للاهتمام بالمصالح الأمريكية، بل أصبحت شكاكة بمن يدعو في مجتمعاتها للقيم الأمريكية أو لديه علاقات مع الولايات المتحدة.
وكانت النتيجة كما يقول، سلسلةً من اعتقال الأمريكيين. فبالإضافة لفتيحي، سجن محمد بن سلمان صلاح الحيدر نجل الناشطة السعودية المعروفة عزيزة اليوسف وبدر الإبراهيم، الطبيب والكاتب المعروف. ولا يزالان في السجن.
وأضاف أن مصر عبد الفتاح السيسي تعتقل خمسة أمريكيين على الأقل، فيما توفي مصطفى قاسم داخل السجن في كانون الثاني/ يناير، وبعد ستة أعوام ونصف عندما اتخذ قرارا مصيريا خاطئا وعرّف نفسه أمام الشرطة بأنه مواطن أمريكي.
وعاد الفتيحي للعمل في مركزه الطبي الذي خصص طابقين فيه لمعالجة مرضى كوفيد-19 ولكنه ليس حرا بالكامل. ولم يصدر القاضي حكما في قضيته التي تم تأجيلها مرارا بشكل أثار إحباط المسؤولين الأمريكيين. وفي الوقت الحالي فهو وسبعة من أفراد عائلته لا يسمح لهم السفر وجمدت أرصدتهم في البنك.
قصته تعطي صورة أن هذه الشراكة لن تزدهر طالما ظل محمد بن سلمان في الحكم.
ويقول الكاتب إنه لا يمكن اتهام إدارة ترامب بأنها تجاهلت قضية فتيحي، فقد ضغطت وبشكل متكرر وعلى أعلى المستويات. وقبل زيارته الرياض في شباط/فبراير قال مايك بومبيو بأنه يخطط لطرح موضوع المحاكمة المستمرة للطبيب وفعل. لكن المشكلة هي أن محمد بن سلمان يواصل تجاهل المناشدات المتكررة من واشنطن، سواء تعلقت بالمواطنين الأمريكيين المعتقلين أو تخفيض مستويات انتاج النفط، مع أنه يعتمد على آلاف الجنود الأمريكيين الذي أرسلوا إلى السعودية لحماية آبار النفط فيها.
وفي الشهر الماضي بدا ترامب وكأنه نفد صبره من هذه المعاملة. وبحسب رويترز فقد اتصل مع ولي العهد وهدده بسحب القوات الأمريكية إذا لم يخفض مستويات انتاج النفط، وهو طلب كان يدفع به بومبيو لأكثر من شهر.
وأذعن السعوديون، ولكن بعدما هبط سعر النفط إلى أقل من صفر. ويشير ديهيل إلى أن قضايا حقوق الإنسان لا تحظى بنفس المعاملة، فترامب لم يذكر اسم الفتيحي أو أي معتقل أمريكي في السعودية أبدا. ولم يفعل أي شيء للإفراج عن قاسم في مصر، وحتى بعدما كتب إليه الأمريكي اليائس رسالة شخصية.
ولم يتخل فتيحي عن مهمته، وقال إنه يعمل على افتتاح كلية طب جديدة مرتبطة بمستشفاه، ويتطلع للشراكة مع الولايات المتحدة: “أرغب بمواصلة بناء جسر بين البلدين” إلا أن قصته تعطي صورة أن هذه الشراكة لن تزدهر طالما ظل محمد بن سلمان في الحكم.