لندن-“القدس العربي”:
كتب المعلق الأمريكي جاكسون ديهيل قائلاً إن طموحات الرئيس الأمريكي في الشرق الأوسط لم تكن سوى “فانتازيات” قائمة على الضلال.
وجاء في مقالته في صحيفة “واشنطن بوست” إن انتخاب دونالد ترامب غير المتوقع جعل دولتين في الشرق الأوسط شعرتا بالمظلومية من سياسات الرئيس باراك أوباما تعملان للاستفادة من الرئيس الجديد وهاتان الدولتان هما السعودية وإسرائيل “ونجحتا خارج توقعاتهما المحمومة”. فخلال شهور عدة ألغى ترامب استراتيجية أوباما التي قامت على توازن إقليمي بين السعودية السنية وإيران الشيعية ووقف بدون مواربة مع السعوديين. وتخلى أيضاً عن محاولات الولايات المتحدة موازنة مصالح إسرائيل بتلك مع الفلسطينيين. ومزق الاتفاقية النووية التي وقعتها إدارة أوباما مع إيران ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس وقطع الدعم عن اللاجئين الفلسطينيين. وناقش ترامب وداعموه أن هذا التحول الراديكالي قاد إلى تحريك الساحة في الشرق الأوسط وهو أمر لم يكن أوباما وفريقه قادرين على عمله بما في ذلك تسوية النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين الذي لم تكن الإدارة السابقة قادرة على عمله. وظل صهره جارد كوشنر يتحدث عن “الصفقة الكبرى” و “ناتو عربي” لوقف التأثير الإيراني في المنطقة. وكشف اليوم أن هذه الطموحات لم تكن سوى “فانتازيات ضالة”.
فاختفاء أو قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية السعودية في اسطنبول هو ما حصده ترامب بشكل حقيقي من مغامرته. سلسلة من الأفعال المتهورة التي قام بها السعوديون والإسرائيليون جعلت المنطقة أقل استقراراً.
وقدم بن سلمان ونتنياهو لترامب ما كان يحن إليه ويرغبه وهو الدعم والتملق الذليل. ومن الناحية الجوهرية لم يقدما له الكثير مقابل القرارات الفردية التي اتخذها لصالحهم مثل نقل السفارة أو استئناف الدعم الأمريكي للسعودية في حملتها الجوية ضد اليمن. فقد وسع نتنياهو من الاستيطان في الضفة الغربية ورفض خطوات بناء الثقة مع الفلسطينيين. وفشل السعوديون الوفاء بصفقات أسلحة من 110 مليارات دولار وعدوا بشرائها العام الماضي. ويقول ديهيل “هذا هو الشرق الأوسط، الساحة القاسية التي لا يستطيع تاجر العقارات استغلالها-حيث استغلت الدولتان تساهل ترامب للحد الأقصى وقامتا باتخاذ أفعال لم تتجرأ أي منهما على اتخاذه أثناء فترة أوباما. فقد دعمت حكومة نتنياهو قانوناً جعل من المواطنين غير اليهود سكاناً من الدرجة الثانية، ووضعت ضغوطاً على المنظمات غير الحكومية. واحتجزت الأسبوع الماضي طالبة تحمل تأشيرة أمريكية لأنها دعمت حركة المقاطعة في الجامعة. ويظل نتنياهو سياسياً حذراً واستغلاله لترامب يتقاصر مع افعال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان /33 عاماً/. ففي العام الماضي قاد حملة حصار ضد قطر واحتجز رئيس الوزراء اللبناني وأجبره على الاستقالة من محطة التلفزيون السعودي ورمى بقنابل أمريكية الصنع على أهداف مدنية في اليمن، حافلة مليئة بأولاد مدرسة فيما وصفتها الأمم المتحدة بجرائم حرب ممكنة. وقاطع كندا لأنها انتقدت النظام السعودي وسجله مليء بانتهاك حقوق الإنسان وسجن النساء اللاتي طالبن بحق المرأة بقيادة السيارة. ولم تثر أي من هذه التصرفات اهتمام ترامب أو تضايقه.
وفي الشهر الماضي التقى مايك بومبيو، وزير الخارجية مع أعضاء الكونغرس ومنح شهادة بأن السعودية تقوم باتخاذ كل الخطوات المناسبة لتجنب سقوط الضحايا المدنيين في اليمن. وبناء على هذا السجل ووصف ترامب الصحافة ومنها صحيفة “واشنطن بوست” بأنها أعداء الشعب” فقد كان واضحا أن بن سلمان توصل إلى نتيجة أنه يمكن خطف وقتل خاشقجي الذي كان يعيش في واشنطن ويكتب بشكل منتظم في “واشنطن بوست”. فمن ناحية، يبدو أنه محق. فقد انتظر ترامب ستة أيام للرد على اختفاء خاشقجي ووعد بعقوبات قاسية ولكنه قال إن العلاقات مع السعودية “ممتازة” وأنه لا يريد إلغاء الصفقات التجارية معها. وكما اكتشف الكثيرون فتحالف مع ترامب عادة ما لا ينتهي بطريقة جيدة. وحتى قبل اختفائه كان خاشقجي غاضباً من حرب اليمن وخلق تحالفاً غير مسبوق في الكونغرس والذي فرض شروطاً على بيع السلاح للسعودية. ومع تزايد الشجب الدولي على اختفاء خاشقجي وقع 22 نائباً من الحزبين طالبوا ترامب بتفعيل تحقيق تحت قانون “غلوبال ماغنستكي” والذي يعاقب انتهاكات حقوق الإنسان. وقال بوب كوركر إنه لو ثبت تورط السعوديين في اختفاء خاشقجي فستؤدي إلى سقوط العلاقات إلى الجرف. ويشعر نتنياهو أن لا شيء لديه ليخشى عليه. لكنه لا يقرأ استطلاعات الرأي التي تكشف عن الفجوة التي تتسع بين الجمهوريين والديمقراطيين. ومثل محمد بن سلمان يبدو أنه يراهن على بقاء “الترامبية” وللأبد في واشنطن ولا حساب لكل ما يعمله تحت هذه المظلة.