لندن-“القدس العربي”:
تشير صحيفة “واشنطن بوست” إلى أن الأمير محمد بن نايف، الذي كان وليا للعهد حتى حزيران (يونيو) 2017، وكان الخليفة للعرش وحفيد مؤسس المملكة ولديه خبرة طويلة في الحكومة والوحيد من بين جيله يصل إلى سلم الوراثة. ولكنه اليوم لا يرى إلا نادرا خارج قصره في مدينة جدة على ساحل البحر الأحمر.
ويشير تقرير مشترك أعده فريق من الصحيفة ضم كيفن سوليفان وسعاد ميخنيت وكريم فهيم وكارين دي يونغ تحت عنوان “ولي العهد محمد بن سلمان “شيخ القبيلة” في بيت سعود الخائف”. إلى أن بن سلمان اغتصب ولاية العرش من ابن عمه الذي يصغره بعقدين وأخذ منه اللقب وجمد حسابه المصرفي ويقضي معظم أيامه تحت الحراسة.
وتعلق الصحيفة أن الإطاحة به لم تكن مفاجئة لأن ابن عمه كان المفضل لوالده الملك سلمان.وأن عملية الإطاحة تمت بسرعة ووحشية، فقد استدعي في ساعة متأخرة من الليل بطريقة لم يكن أمامه أي خيار، كانت مفاجئة للعائلة الحاكمة التي اعتادت على إدارة أمورها عبر الإجماع والتوافق والمشاورة.
وبعد أكثر من عام في منصب ولي العهد يتمتع محمد بن سلمان بقوة مطلقة حيث يتحكم بالسياسة المحلية والخارجية وقوات الأمن واستبدل ولي العهد السياسة الخارجية “الحذرة” بتلك القائمة على “سياسة التدخل المتهورة” وذلك كما تكهن المسؤولون الامنيون في نهاية عام 2015 حيث حذروا من صعوده السريع وما يمكن أن يجلبه معه من مشاكل في الداخل والخارج. ويبدو أن تحليل فدرالية الخدمات السرية الألمانية قبل ثلاثة أعوام كان صحيحا وجاء من خلال الأحداث التي زادت فيها سلطة محمد بن سلمان من الحرب العبثية في اليمن إلى النزاعات العنيدة إلى السلوك القطعي ضد جيرانه وحتى مع النقد الخفيف من المعارضين في الداخل. وكان آخر تمظهر لهذا السلوك هو مقتل الصحافي والناقد جمال خاشقجي الذي عاش في منفى اختياري في الولايات المتحدة، والذي أدى شجب عالمي. وتنكر الحكومة السعودية أية مسؤولية.
وسواء كان هذا بأمر من ولي العهد أو من خلال سيطرته المطلقة فقد اعتبر مسؤولا. وتقول الحكومات الغربية إنها تنتظر معلومات عن مقتل خاشقجي وبناء عليها ستقرر فيما إن كانت ستعاقب السعوديين أم لا. وقامت إدارة دونالد ترامب التي تعتمد على السعودية في صفقات السلاح بمليارات الدولارات والحفاظ على استقرار سوق الطاقة العالمي بالتعامل مع الملك وابنه وأعطتهما دورا رياديا في محاولات أمريكا تركيع إيران وتحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وفي الوقت الحالي تحاول النظر في مشتريات السلاح لتحديد مستوى العقوبات التي ستفرضها على السعودية عقابا لها على معاملة خاشقجي الشنيعة والذي كان يقيم في ولاية فرجينيا وعدم خسارة العقود في الوقت نفسه.
هل سيرحل؟
وتقول الصحيفة إن ما يحدث في السعودية أقل وضوحا وشفافية: هل سيبقى محمد بن سلمان أم سيرحل؟ وهل سيقوم والده الملك بالحد من سلطاته أم سيتم تخفيفها بناء على إجماع من داخل العائلة؟ أم أنه سيتجاوز مع المملكة العاصفة دونما اي ضرر واضح؟ وتشير الصحيفة أنه منذ وصول محمد إلى السلطة كان هناك نوع من “المراعاة له بين كبار العائلة” وهو أمر مفاجئ. وبحسب مسؤول سابق في حكومة صديقة للمملكة بالمنطقة “لقد عاملوا هذا الولد البالغ من العمر 33 عاما وكأنه شيخ القبيلة، وهو أمر غير عادي”. ولكن الخبراء غير الحكوميين يقولون إن الوضع ليس مثيرا للدهشة في ظل البنية المعقدة للسلطة داخل العائلة بالإضافة للإجماع الغامض الذي حكمت من خلاله المملكة. ويرى يزيد صائغ، الزميل البارز في مركز كارنيغي الشرق الأوسط ببيروت “ما اعتقده أن العائلة المالكة قد خافت أو انها أذعنت بطريقة لم تعد قادرة على التكتل حول شخص (لاستبدال محمد) حتى لو كان هناك واحد”. ويضيف أن تحركا لاستبداله “بات متأخرا” خاصة أن معظم إقطاعياتهم تم إضعافها وتفكيكها.”
وعلى الصعيد الداخلي هناك من يخشى من إلغاء الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية التي بدأها وإن كانت على حساب الحريات الأخرى.
كلام غير دقيق
ولا تتفق البروفسورة، مضاوي الرشيد، الأستاذة الزائرة في مركز الشرق الأوسط في مدرسة لندن للاقتصاد مع هذا الكلام وقالت “يجب عزل “م ب س” (كما يعرف) وهذا ليس كاف أيضا إلا في حالة تعهد الملك سلمان بتغيير النظام السياسي إلى نوع من الحكومة التي تحاسب”. وتضيف “في الماضي كان بقية الأمراء أقوياء وعملوا من خلال الإجماع مع ان القمع كان بالضبط متشابها” و “الآن فقد مات الكبار او اختفوا أو اعتقلوا أو اهينوا ولهذا يعمل “م ب س” بمفرده. وليس مهماـ سواء كان شخصية جيدة أم سيئة وشخصية إجرامية. ما يهم هو أنه ليس مقيدا بنظام أو مؤسسة أو أي من أفراد العائلة”.
وقال مسؤول سعودي غير متعاطف مع ولي العهد أن محمد “قد جعل السعودية رهينة وقام بسلسلة من سوء التقدير وهذا الرجل لن يكون شريكا طويل الأمد مع الولايات المتحدة أو الغرب”. وتشير الصحيفة إلى النظام الذي قام بعد نشوء الدولة السعودية على يد الملك عبد العزيز بن سعود حيث توزعت السلطة بين أبنائه ومن بينهم الملك سلمان البالغ من العمر 82 حيث حكم الأبناء بالتوافق فيما بينهم ووزعوا السلطات فيما قاموا بتهيئة ابنائهم لتولي مناصب في الحكومة. وكان هذا النظام كفيلا بالحفاظ على وحدة العائلة حيث تم اتخاذ القرارات وراء الأبواب المغلقة وكذا حل الخلافات. وكان اختيار محمد بن نايف في عام 2015 جعل مراقبي المملكة يحاولون تفسير القرار الذي همش البقية من ابناء المؤسس. إلا أن الإطاحة به كانت صادمة حيث لم يخف الملك نيته وضع ابنه المفضل في مواقع السلطة وعينه وزيرا للدفاع ورئيسا للمجلس الاقتصادي المسؤول عن شركة أرامكو. وفي بداية عمله كقائد للقوات المسلحة قام باستبدال القيادات العليا وعين موالين له بدلا منهم وعمل على بناء الولاء له داخل الحرس الوطني حسبما قال نيل باتريك، الباحث البريطاني في شؤون الخليج. مضيفا أن محمد لم يكن استثناء عن البقية في محاولته “تقوية” سلطته “بمزيج من الرعاية والخوف”. وقال إن “تحييد أي نوع من الاستقلال” في الحرس الوطني والتأكد من أن تبعية مؤسسات الأمن بما في ذلك مشتريات السلاح كان مزيجا مفيدا لولي العهد. وتقول الصحيفة إن المسؤولين الأمريكيين عبروا عن ضيقهم من الإطاحة ببن نايف وحرب اليمن التي شنها بدعم منهم إلا أنه عبروا عن اعجابهم بذكاء بن سلمان وانضباطه. وكان تحليلهم قائم على أنه تأثر بولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد. وأقاما علاقة قوية واشتركا معا بالشك من إيران والاستعداد للعمل بسرية مع إسرائيل. ولعب بن زايد الذي قابل في نيويورك كوشنر وستيفن بانون، مسؤول الاستراتيجيات السابق في البيت الأبيض ومستشار ترامب السابق للأمن القومي مايكل فلين، دورا في تقديم محمد بن سلمان للإدارة الأمريكية الجديدة خاصة كوشنر.
ويقول محللون إن نجاحات محمد الداخلية، خاصة الخطوات الإجتماعية وعدم استعداده للاستماع للأصوات الناقدة ربما خلقت لديه حسا من الثقة العالية. ويقول مسؤول أمني أمريكي: “لا تقللوا من أهمية هذا الرجل ولكن الجزء المهم هو المدى الذي وصل إليه” “ووصلنا الآن إلى مستوى جديد من الثقة بدرجة أصبح كما أعتقد متهورا”.
تهميش عائلة عبدالله
وفي آذار (مارس) استقبل محمد في الولايات المتحدة كمصلح صاحب رؤية لكنه ترك الكثيرين من أبناء العائلة في حالة من الخوف والصدمة، في إشارة لتهميشه الأمراء البارزين واعتقاله 11 أميرا من بين المئات في ريتز كارلتون. وكان من بينهم أبناء الملك عبدالله، متعب وتركي. وعزل متعب من قيادة الحرس الوطني حيث عين بدلا من شخصية غير معروفة من العائلة. ولا يزال تركي، أمير الرياض السابق في الحبس. وكان الهدف من تصفية أبناء الملك عبدالله هو التخلص من منافسي ولي العهد والسيطرة على مؤسسة الملك عبدالله التي تقدر بعشرات المليارات. وقالت الرشيد “تم تهميش كل عائلة الملك عبدالله”. والسؤال هو ما سيفعله الملك وإن كان سيحد من سلطة ابنه. وهناك من يقول إنه في صحة غير جيدة، لكن مسؤولين أمريكيين قالوا إنه كان واع ويقظ جدا في مكالماته الأخيرة مع ترامب والمسؤولين الأجانب. وتشير الصحيفة لمشاركة الملك بداية هذا العام في مهرجان لسباق الهجن حيث شارك في العرضات والرقص بالسيف وحضر مبارزة شعرية.
دور الأمير أحمد
ويقترح مسؤولان غربيان سابقان سيناريو يتم من خلال التشارك في السلطة بين محمد وقريب موثوق من العائلة. ويمكن أن ينجح هذا لو تم التأكيد لمحمد أنه لا يزال وليا للعرش وسيخلف والده. وأشاروا إلى أمير مكة خالد الفيصل، الذي يعتبر من الأمراء الكبار البارزين، 78 عاما ويحظى باحترام داخل العائلة. وهناك أحمد بن عبد العزيز، شقيق الملك سلمان والذي عمل لفترة قصيرة وزيرا للداخلية عام 2012. وتم مناقشة فكرة تخفيف سلطة محمد ودور الأمير احمد في سلسلة من اللقاءات التي تمت بسرية خلال الأشهر الماضية في بيوت خارج الرياض. وتم عقد اجتماع عبر الفيديو مع الأمير أحمد الذي كان في لندن وعبر عن إحباطه من الحرب في اليمن، إلا أن هناك من يشك في قدرة الأمير أحمد، فهو “ضعيف” حسب الرشيد ولكنه “قد يستطيع إعادة بعض التوازن والإجماع”. وقال دبلوماسي غربي بخبرة طويلة في السعودية أن استبدال بن سلمان ليس محتملا ” وفي الحقيقة لا يوجد بديل” و “لو كان هناك بديل لظهروا منذ زمن طويل ولأحتشد الناس حولهم”.
وتختم الصحيفة بالقول إن العالم يزبد ويرغي على مقتل خاشقجي لكن الناس في السعودية منشغلين بالمقاهي وزيارة السينما والحديث عن قيادة المرأة للسيارة فيما تزين صور الأمير ووالده وجده الطرقات في القرى والمدن. وترى المعارضة أن مداهنة السكان للحكام هي نتاج الخوف والترهيب. وتقول الرشيد ” لا توجد إحصائيات مستقلة تقيس شعبية “م ب س” و “عندما يقولون إن كل السعوديين يقفون خلفهم أقول لهم إذهبوا وابحثوا جيدا”.