واشنطن بوست: نقاشات داخل إدارة بايدن حول الموقف من السعودية والتعامل مع بن سلمان

إبراهيم درويش
حجم الخط
3

لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا حول المشاورات بين فريق بايدن حول التحول في السياسة تجاه السعودية، وما يجب عمله بشأن ولي العهد محمد بن سلمان بعد نشر التقرير الاستخباراتي بشأن مقتل الصحافي جمال خاشقجي.

وأعد التقرير في الصحيفة كل من جون هدسون وكارين دي يانغ، وقالا فيه إن كبار مستشاري الرئيس جوزيف بايدن بدأوا وحتى قبل تنصيبه بفحص الطرق التي يمكن من خلالها تحقيق ما وعد به أثناء حملته الانتخابية فيما يتعلق بالسعودية وجريمة قتل خاشقجي، فقد تعهد بجعل المملكة دولة “منبوذة”.

وقام النقاش على تحقيق الوعد الانتخابي بدون تدمير العلاقات التاريخية بين البلدين. وجاءت نتائج المناقشات في يوم الجمعة مع رفع السرية عن التقرير الذي استنتج مسؤولية بن سلمان عن جريمة القتل في مدينة إسطنبول عام 2018. وما تبع ذلك من فرض عقوبات على مسؤولين من الدرجة الدنيا، وليس ولي العهد نفسه. وكان الرد على قرار واشنطن سريعا وشاجبا. ففي الكونغرس دعا الديمقراطيون والجمهوريون إلى استهداف مباشر لولي العهد باعتبار ما تم الإعلان عنه لم يكن كافيا.

تعريف السعودية بـ”اللاعب السيئ” هو واحد من الموضوعات التي اتفق عليها أعضاء الكونغرس من الحزبين الديموقراطي والجمهوري

ودفعت منظمات حقوق الإنسان باتجاه تجميد أوسع لصفقات السلاح حتى يواجه محمد بن سلمان العدالة.

ونُشر سيل من التعليقات والنقد كتبها معلقون بارزون في صحف عدة منها صحيفة “واشنطن بوست” والتي نشر فيها خاشقجي مقالاته. وقالت إن بايدن منح “ما يصل للبراءة لحاكم زرع عدم الاستقرار حول الشرق الأوسط”.

وفي رد على أسئلة الصحافيين، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين بيساكي يوم الإثنين ردا على سؤال من أن بايدن توقف عن فرض عقوبات على محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للبلاد. وقالت: “لا أعتقد أن أي شخص ترشح للرئاسة أو انتخب لأنه يغضب سريعا. وأعتقد أنه توقع بشكل كامل النقد”. ولكنها أشارت إلى أنه “تصرف بما تقتضيه المصالح القومية للولايات المتحدة وهذا ما فعله بالضبط”. وقالت إن الوضع “أعقد” مما يتصوره البعض.

وبالنسبة للمسؤولين البارزين في الإدارة الأمريكية، فانتقاد تصرفاتها أمر حتمي، ولكن هذا التوقع لم يأخذ بعين الاعتبار التدهور السريع والتغير في الموقف من العائلة المالكة  السعودية منذ وصول بايدن إلى البيت الأبيض، بحسب ما قال عدد من المسؤولين الذين هم على اطّلاع بالمناقشات، واشترط بعضهم عدم ذكر اسمه.

وقالت الصحيفة إن خاشقجي الذي كتب مقالات ناقدة لولي العهد في “واشنطن بوست” جُرّ إلى القنصلية السعودية في إسطنبول حيث قتل وقطعت جثته ولم يعثر أبدا على بقاياه. وتوصلت المخابرات الأمريكية (سي آي إيه) سريعا إلى أن من أمر بالعملية هو ولي العهد، مما أغضب غالبية أعضاء الكونغرس الذين يطالبون بإعادة ترتيب العلاقات الأمريكية- السعودية، والحد من ميول الأمير محمد الديكتاتورية.

لكن النتيجة السرية لم يعلن عنها إلا يوم الجمعة، وأعدها مكتب مديرة المخابرات الوطنية. وحتى قبل انتخابه، وعد بايدن بتغيير شامل بما في ذلك نشر التقرير الذي رفض دونالد ترامب نشره، وتشكيل سياسة تختلف عن سياسة الرئيس السابق، الذي عامل السعودية ووريث العرش الطموح بقفازات ناعمة، وتحايل على الجهود في الكونغرس لمعاقبة المملكة على الحرب القاسية في اليمن، ومعاملتها لمن ترى أنهم أعداء سواء كانوا في الداخل والخارج.
وتعريف السعودية بـ”اللاعب السيئ” هو واحد من الموضوعات التي اتفق عليها أعضاء الكونغرس من الحزبين الديموقراطي والجمهوري. وعليه شكلت الإدارة الجديدة فريقا قبل أسابيع، وضم مسؤولين بارزين من مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية والخزانة والدفاع لمناقشة ما يجب اتخاذه من تحركات. وكان الجزء الأول وهو الأسهل، هو الإعلان عن “إعادة ضبط” في العلاقات مع السعوديين. ومن أجل ملء الفراغات في السياسة المنشودة، قام الفريق بالتواصل مع المملكة.

وتم إلغاء صفقات الأسلحة التي قد تستخدم في الحرب باليمن، ووضعت الصفقات الأخرى محل الإعداد تحت المراجعة. كما تم تعيين تيم ليندركينغ، الذي عمل سابقا لإدارة ملف العلاقات الأمريكية- السعودية، كمبعوث خاص لليمن والعمل على وقف الحرب فيها، وطلب من السعوديين التعاون معه. وفي إطار آخر نشرت تصريحات انتقدت سجن المملكة للناشطين، خاصة النساء والمواطنين من أصحاب الجنسية الأمريكية- السعودية. وما صدم السعوديين هو تأكيد بايدن على تلقي مكالمة التهنئة من الملك سلمان وأنه لن يتحدث مع ولي العهد. وجرت المكالمة الأسبوع الماضي قبل يوم من نشر تقرير خاشقجي.

ما صدم السعوديين هو تأكيد بايدن على تلقي مكالمة التهنئة من الملك سلمان وأنه لن يتحدث مع ولي العهد

ووافق السعوديون الذين يحاولون منذ وقت وقف حرب اليمن التي لا يمكن الانتصار فيها، على التعاون مع ليندركينغ وجهود الأمم المتحدة. كما وافقوا على رفع الحصار الذي يمنع وصول المساعدات الإنسانية إلى الجوعى في اليمن. ومقابل هذا، ضغط المفاوضون على الحوثيين للتوقف عن استهداف الأراضي السعودية بالصواريخ والطائرات المسيرة التي يعتقد أنها من إيران.

وارتاح أغلب المسؤولون في الإدارة الأمريكية من رد السعوديين على الاتصالات الخاصة الأولى والتي مررت عبرها القرارات الجديدة. وتم الإفراج عن أمريكيين- سعوديين من السجن، وأُطلق سراح لجين الهذلول التي اعتقلت في 2018.
وأعلن عن تغييرات جديدة يوم الجمعة مع نشر تقرير خاشقجي، منها معاقبة نائب مدير المخابرات السعودية السابق أحمد عسيري، وتجميد أرصدته، إلى جانب أعضاء في قوة التدخل السريع التي تتبع ولي العهد مباشرة، واعتُبر أفرادها من الذين تورطوا في قتل خاشقجي، وكذا متابعة ومهاجمة المعارضين السعوديين في الخارج. وتم إعداد قائمة من 76 شخصا يعتقد أنهم شاركوا في جريمة قتل خاشقجي. وهم  جزء مما أسمته وزارة الخارجية الأمريكية “حظر خاشقجي” الذي سيطبق على أي بلد أو شخص متورط في ملاحقة وقتل المعارضين والصحافيين في الخارج. ومع أن الإدارة الأمريكية قالت إنها محظورة بالقانون من نشر الأسماء، إلا أن الحظر ينطبق على عائلاتهم ويمنع منح تأشيرات لهم.

ولكن ماذا يجب عمله مع ولي العهد؟ فقد أثارت بيساكي النقد عندما قالت إن الولايات المتحدة لا تصدر عقوبات على رؤساء الدول الذين تقيم علاقات دبلوماسية معهم. وقال المسؤولون الأمريكيون إنهم فكروا جديا وبعمق بشأن الموضوع، ووجدوا أن أمريكا لم تقم أبدا بفرض عقوبات على حكام دول، علاوة على كونهم شركاء لها.

ورغم تأكيد المسؤولين أن محمد بن سلمان لا يحمل تأشيرة دخول للولايات المتحدة، ولن تمنح له واحدة في القريب العاجل، لكن المسألة ستفتح وتثير المشاكل عندما يصبح ملكا بعد رحيل والده البالغ من العمر 85 عاما. كما أن وضعية ولي العهد استثنائية. ومنع حفيد مؤسس المملكة العربية السعودية من دخول الولايات المتحدة، يعني علاقة عدائية مع مملكة تعتبر نفسها حارسة للأماكن المقدسة للمسلمين في العالم.

وحتى لو كان هذا ممكنا، ففي منطقة خطيرة، لا يمكن الفصل بين أرصدة محمد لتجميدها وأموال المملكة. وقال مسؤول اشترط عدم ذكر اسمه وشرح النقاشات السرية: “بعد النظر لهذا الوضع عن كثب، وعلى مدى الخمسة أسابيع الماضية، فقد كانت النتيجة المجمع عليها هي أن هناك طرقا أكثر فعالية للتعامل مع القضايا المستقبلية”. وقال إن “الهدف هو إعادة ضبط وليس تمزيق” و”كنا واضحين مع السعوديين أن هذه علاقة تاريخية امتدت 75 عاما، ولكن على الواقع في الولايات المتحدة وواشنطن، فقد خسر السعوديون الأحزاب الأمريكية ولهذا نريد إعادة ضبط أساس الشراكة”.

منع حفيد مؤسس المملكة العربية السعودية من دخول الولايات المتحدة، يعني علاقة عدائية مع مملكة تعتبر نفسها حارسة للأماكن المقدسة للمسلمين في العالم.

وحتى بعد نشر تقرير الاستخبارات وفرض العقوبات، رأى مسؤولون من إدارة باراك أوباما، مثل مدير سي آي إيه جون برينان، أن هذه الخطوات ليست كافية. وأكد: “القول بأن محمد بن سلمان مسؤول عن جريمة القتل الرهيبة لجمال خاشقجي لا يحاسبه” و”على إدارة بايدن عمل المزيد مثل عدم عقد لقاءات بينه والمسؤولين الأمريكيين البارزين ومنعه من زيارة الولايات المتحدة وهذه ستكون بداية جيدة”.

وقال مسؤول أمريكي، إن مقترحات برينان تحت النظر، وقد تمنع الولايات المتحدة السعودية من المشاركة في القمم الدولية التي تنظمها حتى تؤكد إحباطها من السعوديين.  وفي الوقت الذي تلقى فيه بايدن النقد بسبب عدم معاقبة ولي العهد السعودي، سارع المعلقون السعوديون إلى اتهام الولايات المتحدة بمحاولة “التنمر” على المملكة.

وكتب الصحافي السعودي عبد الله العتيبي، أن السعودية “ليست جمهورية موز حتى تخاف من التهديدات”. وكان رد وزارة الخارجية السعودية مؤكدا على عدم الدقة والأخطاء في التقرير الأمريكي، ولكنها ثمنت العلاقات التاريخية بين البلدين وهو ما حاولت الإدارة تظليله.

وقال وزير الخارجية أنتوني بلينكن: “لدينا مصالح مهمة ونحن ملتزمون بالدفاع عن المملكة”. وفي الوقت الذي حاولت فيه الإدارة الأمريكية التغلب على عاصفة النقد، قفد عملت على أن تؤكد أن عملية الضبط في العلاقات، وأنها ليست عودة للتعامل العادي. وقالت جين بيساكي يوم الإثنين، إن الخطوات التي اتخذت كان “الخطوات الصحيحة لمنع” أمر كقتل خاشقجي “من أن يحدث مرة أخرى”. وهذا “هو الهدف” و”حتى قبل التقرير كنا واضحين بأن تحولا سيحدث في النهج عما كان في السنوات الأربع الماضية”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية