واشنطن بين التهويل والترويع

حجم الخط
0

محمد صادق الحسيني

ثمة شكوك جدية تحوم في افق المنطقة حول حقيقة النوايا الامريكية تجاه الملفات الساخنة المختلفة في اقليمنا العربي والاسلامي فهي من جهة تزعم انها لا تريد اللجوء الي الخيار العسكري لحل اي من المخاصمات الاخري المتورطة فيها غير العراق وافغانستان كما تزعم وانها بصدد تدوين قواعد لاستراتيجية جديدة لما بات يعرف في الاروقة الامريكية الخلفية بـ الخروج المشرف من هذين المستنقعين!

لكنها لا تنفك من جهة اخري بممارسة اقصي درجات الحرب النفسية والدعائية ضد كل من ايران وسورية وقوي المقاومة اللبنانية مهددة اياها بانها ستواجه عقوبات قاسية وقد تكون مدمرة اذا ما استمرت في نهج الممانعة تجاه البرنامج الامريكي الذي بات يعرف بالشرق الاوسط الجديد!

من ناحية اخري فان واشنطن تسعي جاهدة وبكل الطرق والاساليب العلنية والسرية لممارسة اعلي درجات الضغط علي دول المنطقة لا سيما دول الخليج من اجل وضعها في جو نفسي وامني ضاغط يجعلها تقف امام خيارين احلاهما مر فاما ان تنخرط كما تطالبها يوميا وبالحاح في معركة مفروضة بين معسكر ما تسميهم بالراديكاليين ومعسكر ما تطلق عليهم بالمعتدلين والذين تطالبهم بالانضمام اليهم حبا او كرها! وفي هذا السياق يري المعتقدون بان الاحادية الامريكية في المعادلة الدولية قد انكسرت وان المحافظين الجدد وحلفاءهم الاسرائيليين وقلة من الاوروبيين ممن لا يزال يتودد اليهم، ان سبب هذه الاشارات الامريكية المتناقضة هو تأمين الانسحاب المشرف من المنطقة باقل الخسائر الممكنة ومن خلال ابقاء الجميع في حالة استنفار دائم بين خيارات السلم والحرب مبقية بذلك زمام المبادرة دوما بيد القوة الامريكية العسكرية والدبلوماسية والدعائية! مانعة بالمقابل قوي الممانعة والمقاومة من التقاط الانفاس فضلا عن التخطيط لتوسيع دائرة التعاون الاقليمي والدولي بوجه تيار الحرب والمواجهة وهو ما يعني ترويع الجميع وارهابهم وجعلهم اسري السيف المسلط علي رقابهم بحجة وجود قوي متعاونة مع صاحب الطموح الامبراطوري والذي يسعي بكل جهده منع اعادة احياء العالم المتعدد الاقطاب كما كانت عليه الحال قبل الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) والحرب الباردة.

غير ان اي متتبع دقيق للتحركات الامريكية في المنطقة والعالم سرعان ما يكتشف اذا ما تمعن جيدا بصورة الامريكي المنكسر والمنهك في كل من العراق وافغانستان، بان هذا الاخير انما يتخبط في سياساته العامة، ولا يملك استراتيجية واضحة لمستقبل المنطقة والعالم، فضلا عن كونه اعجز ما يكون عن شن اي حرب جديدة اي بلد متمرد علي المشروع الامريكي الامبراطوري، ولا حتي توجيه ضربات عسكرية جدية او مؤثرة وفاعلة تجاه اي من اعضاء محور الشر التقليديين واتجاه اي من القوي التي تفكر بالتمرد عليه مستقبلا، بعد ان اصبح مثل هذا الخيار اقرب الي المستحيل منه الي الممكن والمتاح!

فالعالم قد تغير تماما وامريكا لم تعد امريكا التي عرفناها في اوج عنفوان المحافظين الجدد، فها هي روسيا تتجرأ علي مهاجمة سياسات امريكا وتصفها بالمهددة للامن والسلام الدوليين منذ الخطاب الناري للرئيس بوتين في ميونيخ، وها هي الصين لم تعد تبالي برضا امريكا عليها وهي تعبر القارات لتأمين مصالحها المباشرة بعيدا عن اعين مراقبة الامريكيين، وها هي امريكا اللاتينية تتمرد ضد واشنطن وتتجرأ عليها بقرارات شجاعة من بينها تأميم المصالح النفطية والمعدنية الحيوية كما فعل شافيز دون ان تتمكن واشنطن حتي من ان تقول له فوق عينك حاجب! وها هي ايران تمضي قدما في البرنامج النووي غير مبالية بكل تهديدات امريكا وموجات الهلع والرعب والتهويل التي تنشرها من حول محيطها الاقليمي.

وها هي حكومة حماس المتحدة مع فتح مستمرة في صمودها ومقاومتها هذا ناهيك عن اجمالي الممانعة العراقية التي تتقدمها قوي المقاومة العراقية وصولا الي التململ الذي تبديه مختلف الاطياف السياسية والدينية العراقية من سوء الادارة والاداء الامريكي في المسألة العراقية، هذا بالاضافة الي التخبط الخطير الذي تعاني منه واشنطن هي وحلفاؤها من قوات حلف الاطلسي في افغانستان، حتي باتت قاب قوسين او ادني من اعادة الاعتبار لحركة طالبان التي بدأت شن الحروب في منطقتنا منها باعتبارها حركة ظلامية ارهابية متخلفة غير قادرة علي ادارة شؤون الناس في عصر الديمقراطية والتحرر والتقدم والرفاهية والامن والاستقرار العالمي!

ثم اين هي الادارة الامريكية اليوم من مواقف عقلاء امريكا واكثرية الرأي العام الامريكي الذي بات يسخر منها ويطالبها كل 6 من اصل عشرة بالانسحاب من العراق وافغانستان ويعتبر عتاة السياسيين والمحنكين الامريكيين امثال بريجينيسكي وكيسنجر بان النصر بات مستحيلا ولم يبق امامها الا استراتيجية الخروج المشرف وان هذا الخروج المشرف لا يمكن ان يتحقق من دون الجلوس مع السوريين والايرانيين الي طاولة مفاوضات مشتركة؟!

ان ادارة بمثل هذه الحالة من الظروف المحيطة بها كيف بامكانها ان تخيف احدا مهما ضعفت قواه فكيف بها ان تخيف دولة مثل ايران او منظومة اقليمية ممتدة من خوست الي طهران الي النجف الي دمشق الي بيروت الي غزة والقرن الافريقي؟!

ثمة من يقول ان الادارة الامريكية تحاول الايحاء للرأي العام عندها بان حكام المنطقة ممن تسميهم بالمعتدلين هم الذين يطلبون منها القيام بمهمة تأديب الخارجين علي الشرعية الدولية، من دول الجوار العراقي التي لا تسايرها في سياسة بسط نفوذها انطلاقا من السيطرة الكاملة علي العراق الي سائر منطقة الشرق الاوسط الكبير وبالتالي فهي ترسل رايس مرة وتشيني مرة اخري الي دول المنطقة تحت ذريعة انقاذ العراق مما تسميه الادارة الامريكية من النفوذ الايراني المتزايد هناك، هذا في الوقت الذي لا ينفك فيه زعماء دول المنطقة بالتصريح بانهم لا يريدون حروبا جديدة وانهم يريدون حلولا سلمية للنزاع الامريكي الايراني بالذات! الامر الذي يجعل اهداف المحافظين الجدد من تحركاتهم اكثر شبهة من اي وقت مضي!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية