واشنطن ـ «القدس العربي»: من غير المرجح أن يسفر الحوار الوطني في مصر عن اختراقات سياسية مهمة في البلاد، ولكن وجود الحوار الوطني يكشف أن القلق الاقتصادي للحكومة قد ازداد بشكل كبير لدرجة أنها على استعداد للتعامل مع الأحزاب السياسية المعارضة ووسائل الإعلام من أجل استباق المعارضة المحلية المحتملة، وفقاً للعديد من المحللين الأمريكيين، الذين أشاروا، أيضاً، إلى أن الهدف من المنتدى هو تقليل مخاطر الاحتجاجات الداخلية وإرضاء حلفاء القاهرة.
ولاحظ المحللون الأمريكيون أن العملية برمتها تعكس تغييراً واضحاً في استراتيجية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المعتادة على إغلاق الحوار السياسي والمعارضة، وأشاروا إلى أن جماعة الإخوان المسلمين ليست مدعوة للحوار مما يشير إلى ثقة إدارة السيسي في أن الجماعة لن تعطل الحدث.
ولم يسلط خبراء السياسة الخارجية في واشنطن الضوء كثيراً على عملية «الحوار الوطني» في مصر ولكن العديد من المحللين لاحظوا بأن الرئيس السيسي قد انفتح فجأة بشكل ملفت للنظر على النقد ولم يعد يرى ما يقوله الناس على وسائل التواصل الاجتماعي على أنه هراء مطلق، وتحدث بعض الخبراء عن رغبة الحكومة المصرية في كسب ود الإدارة الأمريكية الحالية من خلال إطلاق مبادرات لها علاقة بحقوق الإنسان وحرية التعبير والشفافية والحوار، وهي مسائل تعتبرها إدارة بايدن من الأولويات في السياسة الخارجية.
وفي الواقع، أشار محللون إلى أن صناع السياسة في واشنطن لا ينظرون إلى مبادرة «الحوار الوطني» بجدية بسبب استبعاد تيارات مهمة في الحياة السياسية منها، ولم تبرز أي تعليقات رسمية على المبادرة، فهي قضية محلية في المقام الأول.
ومع علامات استفهام كثيرة، قال محللون إن السيسي قدم نفسه ذات مرة على أنه العلاج لجميع المشاكل في مصر ولكنه، هذه المرة، لم يطلب من المصريين فقط الاستماع إلى كلماته أو «إيقاف الهراء» بل تخلى عن السخرية واستبدلها بلغة معتدلة مع حشد للجماهير على حب الوطن.
وتوقف السيسي عن استخدام اللغة الاستفزازية وكان يستخدم الكثير من عبارات المجاملة لإطلاق مبادرة الحوار التي تهدف إلى إشراك الجميع، باستثناء جماعة الإخوان.
وبالنسبة للعديد من المراقبين، فإن قيام السلطات المصرية بالإفراج عن نحو 40 محتجزا في 24 نيسان/أبريل 2022 هو دليل على أن الهدف الأساسي هو صرف الانتباه عن الانتقادات المحلية والدولية وكذلك الحال بالنسبة للحوار الوطني أو أي مبادرات أخرى.
واستخدم العديد من المحللين لغة قاسية للتعبير عن مبادرة «الحوار الوطني» وقالوا إنها ظاهرة سخيفة كاريكاتورية تعكس حالة التراخي والانتهازية وعدم الفعالية والضعف الشديد في السياسة وأن الهدف النهائي للعمل السياسي في البلاد أصبح تحقيق المصالح الشخصية للنشطاء السياسيين والحزبيين لأن كل كل شي أصبح فرصة ولا مكان للقيم أو المثل السياسية.
وقالوا إن المبادرة كشفت بطريقة غير مباشرة عن ضعف الأحزاب المصرية، التي لم تتمكن من إقناع الأغلبية بأهمية دورها في النظام السياسي، ووصفها البعض بأنها «أسيرة على كراسي متحركة».
ومن جهة أخرى، قال محللون أنه وعلى الرغم من الشكوك حول توقيت الحوار والمرونة المفاجئة لصناع القرار إلا أن الدعوة لحوار جديد تمثل فرصة للتفكير بجدية في كيفية تحقيق حياة ديمقراطية جدية.
وعلى أية حال، السياسة الخارجية الأمريكية تجاه مصر تنبع من أسس استراتيجية تاريخية ثابتة، فهي بالنسبة لواشنطن حليف استراتيجي منذ عام 1979 بعد توقيعها اتفاقية سلام مع إسرائيل، وتعتبرها الإدارات المتعاقبة، بما في ذلك إدارة بايدن، مفتاحاً للحفاظ على الاستقرار و«مكافحة الإرهاب» في المنطقة.
وقد منحت الحكومات الأمريكية مليارات الدولارات كمساعدات لمصر، ولم تتأرجح واشنطن في قضية المساعدات إلا في هذا العام عندما حجبت إدارة بادين 130 مليون دولار بسبب مخاوف بشأن سجل حقوق الإنسان لنظام السيسي.
وفيما يتعلق بزيارة بايدن المقبلة للشرق الأوسط، من المستبعد أن يتناول الرئيس الأمريكي أي قضية خلافية مع مصر بسبب اهتمامه بالدرجة الأولى بحشد المنطقة ضد إيران وتشجيع عملية التطبيع بين إسرائيل والدول العربية.
وقال بايدن بشكل صريح إن زيارته للشرق الأوسط كانت في الأساس تتعلق بإسرائيل وليس النفط، وهذا يعني، أيضاً، أن الزيارة لا تتعلق بحقوق الإنسان أو تشجيع المبادرات الديمقراطية داخل المنطقة أو تحسين ظروف حياة السكان، وفي الواقع ستستغل الولايات المتحدة جولة الرئيس بايدن لتشكيل «تحالف عربي-إسرائيلي» مزعوم بشكل أساسي ضد إيران.
ولاحظ الخبراء أن جولة بايدن القصيرة والمكثفة للمنطقة لا تمليها أي اعتبارات داخلية بل تشكل تتويجاً لعدة أشهر من الدبلوماسية ووظيفتها ضمان عودة القيادة الأمريكية إلى المنطقة كما تريد الولايات المتحدة تغيير صورتها بأنها تنسحب من الشرق الأوسط.
ولم تبرز أي تحركات أمريكية داخلية كثيفة بشأن مصر قبل زيارة بايدن للمنطقة، باستثناء قيام مجموعة من المواطنين والمقيمين الأمريكيين بدعوة بايدن وحثه على المساعدة في إطلاق سراح أقاربهم المحتجزين في مصر.
وللمفارقة، أثار الأقارب في رسالتهم مخاوف من تنصل بايدن من وعوده فيما يتعلق بحقوق الإنسان مع سعي واشنطن لإعادة ضبط العلاقات الدبلوماسية مع المنطقة، وقالوا إن بايدن تعهد خلال حملته بأنه لن يكون هناك المزيد من الشيكات على بياض مع الحكومة المصرية ولكنه في واقع الأمر قام بتعميق العلاقات في مجالات الأمن والاقتصاد وتغيير المناخ كما وافقت إدارة بايدن على صفقات بمليارات الدولارات للقاهرة.
ولاحظ محللون أن ندوات «الحوار الوطني» أكدت من جانبها على أهمية تطوير العلاقات المصرية-الأمريكية كما كشفت عن حرص القاهرة على العلاقات مع واشنطن على الرغم من الضغوط، وانتقد العديد من المتحدثين «العشوائية» التي تدار بها السياسة الخارجية المصرية بدلا من الاستناد على رؤية استراتيجية، وخاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع قوة عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية.