الطاهر إبراهيم منذ بداية الربيع السوري رأينا موسكو تعاند وتركب رأسها وهي تمد حليفها بشار ألاسد بالسلاح، لعل وعسى أن يستطيع هذا أن يقهر السوريين فيعيدهم إلى العبودية والرق. فيبالغ هذا بتوحشه الذي فاق كل تصور. فيتصدى الثوار السوريون لذلك العناد وهذا التوحش رغم امتلاء الشوارع بالقتلى والسجون بالمعتقلين والبيوت تهدمت على رؤوس ساكنيها. المواطن السوري أدرك أن لا أمل عنده أن تكف موسكو عن عنادها أوأن يتوقف بشار ألاسد عن توحشه، وأنه كتب عليه أن يدفع عن حياته وكرامته بحياته، وليس هنالك حل آخر. رأى العالم بشارألاسد وحرسه الجمهوري الذين تخيرهم ‘على الصينية’ من أهل الثقة من منطقته، ينتحرون كما تنتحر الحيتان على الشواطئ الرملية، وهم ينفذون ‘أجندة’ وضعها حافظ ألاسد كي يلتزمها بشار، فلم يستغرب العالم، لأن بشار كان ينفذ أجندة فصلها حافظ ألاسد على مقاسه هو، وكان سيعدل فيها فيما لو واجه ما واجهه بشار، كما فعل في حلب عام 1980، عندما حاول المصالحة مع الإخوان المسلمين. لم يستغرب المراقبون تخبط بشار أسد لأنه لا يملك خبرة أبيه، لكنهم استغربوا عناد قادة موسكو وهم يكسبون كل يوم عداوة الشعب السوري. هؤلاء القادة لم يتعظوا مما حل بالجيش الأحمر في جبال أفغانستان وبعضهم عاصر ذلك. فبعد تجربة عامين من ثورة السوريين على نظام الفساد والاستبداد، تأكد للجميع أن موسكو لا تناور، وأنها تعني ما تقوله وما تفعله، وأنها ذاهبة إلى آخر الخط حتى تشهد نهاية الصراع بين حليفها بشار أسد وغالبية السوريين، ولا يظهر أنها ستقدم المشورة لرأس النظام بأن ينجو بجلده قبل أن لا يكون أمامه فرصة لارتداء ملابسه وصعود الطائرة.
وليس موسكو وحدها من يراهن على جواد خاسر. فواشنطن تتوقع أن يصيب السأم الدول التي تدعم ولو جزئيا- الثوار السوريين، وأنها قد تنصح من ‘تمون’ عليه من بعض قادة المعارضة ليجلسوا إلى طاولة الحوار مع جلاوزة النظام، مع أن معظم قادة المعارضة صرحوا أكثر من مرة أنهم لا يملكون القرار ولا من أمر المعركة شيئا، وأن من يملك القرار قادة الوحدات المقاتلة (وجبهة النصرة واحدة منها). وهاهو رئيس الائتلاف المعارض، أحمد معاذ الخطيب، يتراجع عن قبوله الجلوس للحوار مع ممثلي نظام بشار أسد حقنا للدماء، قائلا: إن تصريحه اجتزئ من محيطه، وأنه دعا لحوار للاتفاق على رحيل بشار.
واشنطن من جهتها تبذل قصارى جهدها لتستنسخ نظاما في سورية لا يضم الإسلاميين. وليس جبهة النصرة وحدها مرفوضة عندها فحسب، بل لا بد من قيام نظام، لا لون له ولا طعم ولا رائحة. وهنا يثور سؤال برسم إجابة واشنطن: إذا سلمنا أن ما يجري في سورية يحتم رحيل بشار ألاسد ونظامه عاجلا أو آجلا مع قيام حكومة معتدلة، فمن يوقف المد الثوري الذي يكتسح أمامه فلول النظام، ويقضم في طريقه البلدات والقرى التي يندحر عنها جيش بشار وشبيحته؟
هناك من يعتقد أن إدارة ‘أوباما’ فقدت البوصلة التي استعملتها يوم أرغمت على الانسحاب من العراق، وقد خطط ‘بوش’ للبقاء فيه طويلا، ليضخ مخزون النفط فيه إلى خزانة أمريكا. تريليونات الدولارات التي وفرتها إدارة الرئيس ‘كلينتون’ اضطر بوش أن يصرفها أثناء وجود الجيش الأمريكي في العراق، ثم ليستدين تريليونات أخرى ما تزال الخزينة الأمريكية تئن تحت وطأة فوائدها. وهاهي إدارة أوباما تجهز السفن لترحيل المارينز الأمريكي عن أفغانستان. لا نعتقد أن أوباما يفكر في حل سوري على طريقة ‘بوش’ وأمامه ‘رأس الذئب المقطوع’ في العراق. أما السوريون فأمامهم الطريق واضح: على بشار ألاسد أن يرحل وسريعا، وبعده على موسكو أن تفكك القاعدة البحرية في طرطوس، أو أن تتركها كمكاسب حرب للنظام السوري الجديد وبدون مقابل.
موسكو تعاند وتركب رأسها. أما واشنطن فتعتقد أن عليها أن ‘تعوّم’ المعركة في سورية، ومن ينتصر في الأخير فهي جاهزة للتعاون معه. أما السوريون فقرروا أن يخوضوا المعركة بدون واشنطن. وحتى لو تخلى عنهم العرب، فمن صمد عامين يصمد عامين آخرين، وسيرى العالم من يقول ‘آخ ‘ أولا، ومن يرفع الراية على أسوار دمشق.’ كاتب سوري