واشنطن ـ «القدس العربي»: سعت الولايات المتحدة للتخفيف من الخطاب العسكري الصارم بعد أكثر من أسبوع من الغزو الروسي لأوكرانيا، ولكنها مارست ضغوطاً اقتصادية أكبر على موسكو، وفي نفس الوقت، يستعد الكونغرس لتمرير حزمة مساعدات جديدة لأوكرانيا، كما تراقب وزارة الدفاع الأمريكية عن قرب تحركات القوات الروسية.
وفي محاولة لإثبات أنه ليس لدى الولايات المتحدة نية للانخراط في أي أعمال يمكن أن يساء فهمها، وجه وزير الدفاع لويد اوستن أوامره باتجاه تأجيل إطلاق اختبار صاروخ بالستي عابر للقارات، بعد أن أثار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قلق أمريكا والدول الغربية عندما أصدر تعليماته بوضع القوات النووية في حالة تأهب قصوى.
ووردت معلومات لواشنطن بأن الغواصات الروسية النووية وقاذفات الصواريخ المتنقلة أجرت تدريبات في شرق سيبيريا، ولكن واشنطن قالت إنها لن تبلع الطعم، ورفضت مع حلفاء الناتو رفع مستويات التأهب النووي، ووصف البيت الأبيض موقف روسيا بأنه متهور.
وواصلت إدارة الرئيس بايدن سياسة العقوبات حيث تم تقييد صادرات التقنيات الرئيسية إلى بيلاروسيا رداً على دعمها للغزو الروسي لأوكرانيا، كما فرضت عقوبات جديدة على قطاع الدفاع الروسي.
وأعلنت وزارة التجارة الأمريكية تقييد صادرات معدات استخراج النفط والغاز إلى روسيا، ولكن الولايات المتحدة تجنبت فرض قيود على قطاع الطاقة في روسيا بسبب الاعتماد الأوروبي على النفط والغاز الروسيين والخوف من حدوث صدمات إضافية لسوق النفط تؤدي إلى زيادة الأسعار محلياً.
وعملت الولايات المتحدة مع الحلفاء في أوروبا بشكل منسق لفرض تكاليف مالية باهظة على روسيا، وقال البيت الأبيض في ورقة حقائق توضح الإجراءات الجديدة إن روسيا أصبحت منبوذة اقتصادياً ومالياً نتيجة للتنسيق التاريخي متعدد الأطراف، مشيراً إلى أن الإجراءات ستتوسع لتشمل بيلاروسيا، التي كانت بمثابة نقطة الإنطلاق للقوات الروسية التي دخلت أوكرانيا.
وفي الكونغرس، قالت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي إن اتفاقاً بشأن المساعدة لأوكرانيا بات وشيكاً، ما يمهد الطريق للتمويل الطارئ ليتم دمجه مع مشروع قانون الإنفاق الحكومي الأكبر، الذي يستعد للحصول على الأصوات.
وتأتي هذه الأخبار في الوقت الذي يتسابق فيه المشرعون لعقد صفقة تشريعية لمساعدة الدولة، التي استهلكتها الحرب مع روسيا، وقد طلبت إدارة بايدن من الكونغرس تقديم 6.4 مليار دولار كمساعدات جديدة لمواجهة الأزمة الأوكرانية، مقسمة بين تمويل دفاعات كييف العسكرية وتقديم مساعدات إنسانية لعدد لا يحصى من الضحايا المتضررين من الغزو الروسي.
واقترح العديد من المشرعين أن الرقم قد يكون أعلى بكثير، وقال السيناتور ريتشارد شيلبي إنه يتوقع أن تصل المساعدات إلى 10 مليارات، في حين امتنعت بيلوسي عن تحديد السقف الأعلى.
بوتين والانقسام الأمريكي
طرحت النائبة ليز تشيني، بعد أن طردها رفاقها من قيادة الحزب الجمهوري سؤالاً: «هل نكره خصومنا السياسيين أكثر مما نحب بلادنا؟» والآن، مع غزو بوتين لأوكرانيا، يجيب الجمهوريون على هذا السؤال بالإيجاب، على حد تعبير صحيفة «واشنطن بوست» التي قالت إن بوتين يراهن على أن الانقسام داخل الولايات المتحدة سوف يقوض العزيمة الأمريكية وبالتالي يزرع الشقاق بين الولايات المتحدة والديمقراطيات الأوروبية، مما يسمح له بسحق ديمقراطية أوكرانيا وربما غيرها.
وأشارت عدة صحف أمريكية ليبرالية، من بينها «واشنطن بوست» إلى أن الجمهوريين لديهم تصميم على رؤية بايدن يفشل لدرجة أنهم يسمحون لبوتين بالنجاح. وقد أتاح «خطاب الاتحاد» الذي ألقاه بايدن الثلاثاء الماضي فرصة مناسبة لإبراز الوحدة الوطنية في أمريكا أمام بوتين والعالم، ولكن العديد من الجمهوريين قاطعوا الخطاب، بدعوى اعتراضهم على إجراء اختبارات فيروس كورونا.
وحدد الجمهوريون نبرة اللوم على بايدن، وقالوا إنه حاول استرضاء بوتين منذ البداية، وأشاروا إلى أنه رئيس ضعيف للغاية.
واتهم مشرعون بايدن بأنه فشل في الانخراط في ردع ضد العدوان الروسي، وأكدوا أن الحرب على أوكرانيا تمثل «أحد أعظم إخفاقات السياسات الخارجية في التاريخ الحديث» وقال زعيم الحزب الجمهوري في مجلس النواب، كيفين مكارثي، إن سياسات بايدن منذ اليوم الأول قد شجعت بوتين على القيام بما فعله، مضيفاً أن الأمر «كما لو كان بوتين هو سكرتير بايدن».
وحذر محللون أمريكيون من أن الهجوم الذي لا هوادة فيه يقوض بايدن ويضعف أمريكا أيضاً، ويمكن أن يكون قوياً لدرجة التخريب على «القائد الأعلى للقوات المسلحة» وبالتالي التخريب على مهمة حشد الأمة لقبول تضحيات الحرب.
بايدن.. الرئيس الضعيف
تمتع العديد من رؤساء الولايات المتحدة بفرص لتحديد هويتهم الرئاسية واستعادة زمام المبادرة ضد الخصوم السياسيين، وبالطريقة التي فعلها بايدن وهو يلقي خطاب «حالة الاتحاد» لم يكن الأداء سيئاً، ولكن نظراً للمخاطر، كان بإمكانه القيام بعمل أفضل، وفقاً للعديد من المحللين الأمريكيين.
وقال المحللون إنه لا يمكن وصف كلمة بايدن بخطاب «موعد مع القدر» بل كان أشبه بموعد مع دفتر الشيكات، ولاحظوا أن الغزو الروسي لأوكرانيا قد أتاح لبايدن فرصة مثالية للتغلب على التحدي الأول في رئاسته وهو تأليب الديمقراطية ضد الاستبداد في جميع أنحاء العالم، ولكنه لم يستغل الفرصة بالشكل الجيد.
وقال محللون أمريكيون إن بايدن لم يتوقع الحرب في أوروبا، على الرغم من التوقعات بأن فترة رئاسته ستشهد الكثير من الظروف الصعبة، بما في ذلك جائحة كوفيد- 19 والدمار الاقتصادي والانقسام الحزبي، وأكدوا أن بايدن لم يتوقع أبداً مواجهة مع بوتين بمثل هذا الإلحاح وبشكل غير متوقع، وبهذه الطريقة المرعبة، وبالتأكيد، لم تكن أوروبا الشرقية هي ساحة المعركة المتوقعة بين الاستبداد والديمقراطية بالنسبة لبايدن، وفي الواقع، كان تركيز بايدن على الصين، ولم تكن الحرب البرية في أوروبا في المخيلة.
هل سيتعافى بايدن من الأزمة الأوكرانية؟
وأثارت الصحف الأمريكية تساؤلات بشأن مدى قدرة الرئيس بايدن على الخروج من هذه الأزمة، كما طرحت علامات استفهام عن مدى نجاح سياسته في معالجة القضية، وعلى أية حال، لا يمكن تحديد نجاح سياسة بايدن تجاه أوكرانيا بعد أسابيع من تطبيقها، ولكن من الواضح أنه أصاب بعض النقاط السياسية: سلسلة من العقوبات العدوانية ضد روسيا وبوتين، وحشد المجتمع الدولي، وشحن المعدات العسكرية إلى الجبهة الأمامية وتوضيح الحدود الواضحة للتدخل العسكري الأمريكي، ولكن الانتقادات في واشنطن تصاعدت ضد بايدن، وخاصة من الجمهوريين، الذين جادلوا بأنه كان يجب أن يتصرف عاجلاً كمسألة ردع، وقالوا إنه يجب أن يكون أكثر عدوانية، من خلال تبني منطقة حظر الطيران في أوكرانيا أو الاستخدام السري أو العلني للقوة لمنع الدبابات الروسية من قلب الحكومة في كييف.
ولاحظت الصحافة الأمريكية أن الانتقادات الموجهة ضد بايدن كانت تأتي بقوة من الخبراء أكثر من السياسيين الذين لا يحبون بايدن، بمن فيهم السيناتور الجمهوري ماركو روبيو الذي قال بصراحة بشأن فكرة حظر الطيران إن إسقاط طائرة روسية يعني بداية للحرب العالمية الثالثة.
وبالنظر إلى الإجماع الواسع نسبياً بشأن نهج بايدن، إلا أن الجمهور لا يشعر بالرضى من أسلوب قيادته في معالجة الأزمة، ووفقا للعديد من المحللين، الجمهور الأمريكي عادة يحتشد خلف الرؤساء الجمهوريين في أوقات الحرب أكثر من الديمقراطيين، وهناك رغبة بأن ينتهج بايدن أسلوباً أكثر عدوانية خاصة في المستوى المحلي، وعلى سبيل المثال، تصاعدت الدعوات لبايدن بضرورة تأنيب الرئيس دونالد ترامب بسبب دفاعه عن بوتين.
كامالا هاريس إلى وارسو وبوخارست
وفي سياق متصل، يناقش البيت الأبيض إرسال نائبة الرئيس، كامالا هاريس، إلى وارسو وبوخارست في الأيام المقبلة لإظهار التضامن مع أوكرانيا، وتشمل المناقشات زيارة لهاريس إلى القوات الأمريكية المتمركزة في رومانيا، وربما على الحدود مع أوكرانيا، وقال مصدر إن الرحلة قد تتم في الأسابيع المقبلة.
وفي نفس الوقت، غادر بلنكن واشنطن يوم الخميس الماضي في رحلة تستغرق ستة أيام إلى بلجيكا وبولندا ومولدوفا ودول البلطيق لتقديم التطمينات والمساعدة في تنسيق الرد الدولي المستمر على الهجمات الروسية.
الدفاع عن الناتو
إدارة بايدن كانت واضحة تماماً بأنها لن تتورط في أي أعمال عسكرية في الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا ولكنها زعمت في الوقت نفسه بأن القوات الأمريكية ستشارك على الفور في نشاطات عسكرية إذا تعرضت أي دولة من دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» للإعتداء، وقال بايدن بكل حزم «سندافع عن كل شبر».
ووفقاً للعديد من المحللين الأمريكيين، يدرك بوتين مثل أي شخص آخر، بأنه إذا تم إطلاق النار في بولندا، وهو ما يبدو احتمالاً متزايداً، فإن الولايات المتحدة ستكون في حرب برية مع روسيا.