واشنطن توافق على منح أنقرة منظومة «باتريوت»: هل يقبل اردوغان بإلغاء صفقة إس400 مع روسيا؟

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول ـ «القدس العربي»: عقب سنوات طويلة من التأخير و«المماطلة» وافقت الإدارة الأمريكية، الأربعاء، على بيع تركيا منظومة الدفاع الجوي والصاروخي «باتريوت» وذلك قبيل أشهر من بدء تسلم أنقرة منظومة إس 400 التي اشترتها من روسيا وتعارضها واشنطن بقوة.
وتفتح الخطوة الأمريكية المفاجئة الباب واسعاً أمام تساؤلات هامة، أبرزها يتعلق بمغزى اتخاذ القرار في هذا التوقيت، وهل تمت الموافقة بشروط معينة، وإلى أي مدى يمكن أن يقبل الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بإلغاء صفقة منظومة إس 400 مع روسيا مقابل الحصول على المنظومة الأمريكية.
ومنذ أكثر من 10 سنوات تتهم تركيا الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي «الناتو» بتجاهل احتياجاتها الدفاعية والمماطلة في الموافقة على بيعها منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي والصاروخي، وهو ما دفعها للتوجه نحو روسيا والتوقيع على اتفاقية لشراء منظمة إس 400 رغم المعارضة الشديدة من واشنطن و«الناتو».
وحسب بيان صادر عن وكالة التعاون الأمني الدفاعي، التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، وافقت وزارة الخارجية الأمريكية، على صفقة لبيع تركيا منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي والصاروخي، بقيمة 3.5 مليار دولار.
وأوضح البيان أن «وزارة الخارجية قررت الموافقة على بيع صواريخ باتريوت والتجهيزات الخاصة بها إلى تركيا، مشيرة إلى أنها «أبغت الكونغرس اليوم (أمس) بأمر الصفقة التي قالت إنها ستمنح الدفاع الجوي التركي مرونة كبيرة».
واعتبرت أن «مع امتلاكها القدرة على ردع التهديدات الجوية والصاروخية والهجمات الأخرى، ستساهم تركيا الآمنة، بتحقيق السلام والاستقرار في الناتو والقارة الأوروبية».
كما قال مسؤول في الوزارة إن الصفقة المقترحة «ستزيد من أمن حليف مهم في الناتو، وستسهم في جهود حماية الحلفاء والشركاء ضد التهديدات الجوية والصاروخية وستزيد من القدرات الدفاعية الرامية إلى حماية الجيش التركي من الهجمات المعادية».
هذا التطور، جاء في سياق الكثير من الأحداث والتطورات التي شهدتها العلاقات التركية ـ الأمريكية التي يمكن أن يكون أحدها أو مجموعة منها سبباً لهذا التحول الأبرز في السنوات الأخيرة.
ورغم الخلافات الكثيرة بين أنقرة وواشنطن، يجمع مراقبون على أن واشنطن لا يمكنها أن تُغضب أنقرة لدرجة دفعها نحو التوجه التام نحو موسكو، حيث ترغب الإدارة الأمريكية في القيام بخطوات نحو تركيا لتأكيد بقائها في الحلف الغربي بسبب مكانتها السياسية والعسكرية والجغرافية الهامة جدا.
ومن غير المستبعد كذلك، أن يكون حديث ترامب لاردوغان عن عدم وجود مشاكل في الاستمرار بتسليم تركيا طائرات إف 35 وما أعقبه من قرار السماح ببيع تركيا منظومة «باتريوت»، على علاقة بإفراج تركيا عن الراهب الأمريكي أندرو برانسون، وإمكانية حصول صفقة بين الجانبين يجري تنفيذ بنودها تدريجياً دون الإعلان عنها رسمياً.
وأيضاً، لا يمكن إغفال الحسابات الاقتصادية للرئيس الأمريكي الذي يرغب بتحقيق نجاحات اقتصادية عبر بيع مزيد من الأسلحة للخارج، وهو ما ظهر في سياساته الأخير نحو الدول الخليجية.
وربط محللون أتراك بين توقيت الإعلان الأمريكي وتصاعد التهديدات التركية بتنفيذ عملية عسكرية ضد الوحدات الكردية شرقي نهر الفرات في سوريا، وذلك لتكون رسالة أمريكية لتركيا، بأن واشنطن تهتم بمخاوفها الأمنية وتعمل معها لحمايتها من أي تهديد خارجي، في محاولة لاسترضاء اردوغان الذي يبدو عازماً على ضرب حلفاء واشنطن شرقي نهر الفرات.

«التحول الاستراتيجي»

وخلال السنوات الأخيرة، ومع تصاعد التهديدات القادمة من سوريا والعراق، كثفت تركيا مساعيها بشكل غير مسبوق من أجل الحصول على منظومة دفاعية متقدمة، وأجرت مفاوضات مع الصين وروسيا والناتو في سبيل ذلك.
كما وقعت اتفاقيات مع شركة إيطالية فرنسية لصناعة منظومة دفاعية وطنية، إلى جانب منظومات محلية متوسطة يجري العمل على تطويرها حالياً.

الخارجية الأمريكية منحت الإذن لـ«البنتاغون» لتنفيذ الصفقة البالغ قيمتها 3.5 مليار دولار

وعقب أشهر طويلة من المباحثات، أعلن وزير الدفاع التركي، نور الدين جانيكلي، نهاية العام الماضي أن بلاده «أنهت الاتفاق مع روسيا بشكل كامل من أجل شراء 4 بطاريات «إس ـ 400» للدفاع الجوي». حيث تعتبر هذه المنظومة مضادة لطائرات الإنذار المبكر، وطائرات التشويش، وطائرات الاستطلاع، ومضادة أيضًا للصواريخ الباليستية متوسطة المدى، وذلك بعد أن اتهمت أنقرة، واشنطن و«الناتو» بـ«المماطلة» في بيعها منظومة «باتريوت».
القرار التركي بشراء منظومة دفاعية من روسيا على الرغم من أنها واحدة من أبرز دول الناتو وصف بـ«التحول الاستراتيجي» وتسبب في تصاعد الخلافات التركية ـ الأمريكية بشكل غير مسبوق.
وترى واشنطن في شراء تركيا منظومة دفاع من روسيا، تهديداً مباشراً لأنظمة شمال الأطلسي وابتعاداً صريحاً عن قيم الحلف.
ولاحقاً اتخذ ترامب قراراً رسمياً بوقف تسليم تركيا طائرات «إف 35» والذي أعده نواب في مجلس الشيوخ الأمريكي ليكون رداً من واشنطن على شراء أنقرة منظومة إس 400 من روسيا.وأعقب ذلك زيارة وفد من الكونغرس الأمريكي إلى أنقرة، وتسليمه رسالة واضحة ومباشرة للمسؤولين الأتراك مفادها أن واشنطن مستعدة لإعادة تفعيل برنامج تسليم تركيا طائرات إف 35 المتقدمة مقابل تخلي أنقرة عن شراء صفقة منظومة اس 400 من روسيا.

إحياء ترامب للصفقة

وفي اتصال هاتفي جرى بين الرئيسين الأمريكي والتركي، آذار/مارس من العام الجاري، أعاد ترامب طرح مسألة بيع تركيا منظومة الدفاع الجوي والصاروخي «باتريوت» على اردوغان بقوة.
وحسب ما كشفه المسؤولين ووسائل الإعلام التركية عن فحوى الاتصال الذي جرى بين الزعيمين، فإن ترامب ألمح بقوة إلى اعتراض بلاده على لجوء تركيا إلى شراء منظومة دفاعية استراتيجية من روسيا رغم أنها أحد أبرز دول حلف شمال الأطلسي «الناتو». وبعد أيام فقط من وعد ترامب لاردوغان ببيع تركيا منظومة «باتريوت»، وصل إلى العاصمة التركية أنقرة، وفد من وزارة الدفاع الأمريكية، للبحث في تفاصيل الملف، حيث قالت وسائل الإعلام التركية إن «الوفد وصل وفي جعبته عرض مغرٍ» سيتم طرحه على المسؤولين الأتراك.
وبينما لمس المسؤولين الأتراك جدية مختلفة هذه المرة لدى الإدارة الأمريكية من أجل بيع أنقرة المنظومة الأمريكية، رأى محللون أن هذا التوجه يأتي في إطار رغبة ترامب في عقد مزيد من الصفقات العسكرية التجارية على غرار ما فعل مع دول الخليج وغيرها من الدول مؤخراً.

تنويع منظومات الدفاع

عقب اتصال اردوغان ترامب، قال آنذاك الناطق باسم الحكومة التركية بكير بوزداغ: «ترامب طرح خلال الاتصال، موضوع منظومة الدفاع الجوي الصاروخي الروسي إس 400»، مضيفاً: «اردوغان أبلغ ترامب، بأن تركيا طلبت من الولايات المتحدة شراء منظومة باتريوت، إلا أن الطلب قوبل بالرفض ما دفع أنقرة إلى سد احتياجاتها من مكان آخر». وتابع: «ترامب عرض على اردوغان، بيع بلاده المنظومة، ورد اردوغان على العرض بأن بلاده مستعدة لتنويع منظومات دفاعها الجوية».
هذه التصريحات كشفت عن نية تركيا «تنويع» منظومات دفاعها الجوية، وهي إشارة واضحة إلى أن تركيا لا تنظر إلى صفقة «باتريوت» كبديل عن صفقة «إس 400» مع روسيا، في المقابل صرح وزراء في الحكومة التركية بشكل أوضح مؤكدين أن إلغاء تركيا لصفقة «إس 400» مع روسيا «أمر غير مطروح».
وبينما ما تزال واشنطن تأمل في تراجع تركيا عن صفقة إس 400، فإن اردوغان يصب كل جهوده من أجل الضغط على روسيا لتسريع بدء تسليم المرحلة الأولى من الصفقة حيث نجح باقناع روسيا ببدء التسليم قبيل منتصف العام المقبل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية