واشنطن في مباحثات جدة: استمرار النهج الأمريكي الفاشل تجاه السودان منذ فترة طويلة

رائد صالحة
حجم الخط
1

واشنطن ـ «القدس العربي»: لم تنجح جهود إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن مع السعوديين في إنهاء إراقة الدماء في السودان أو حتى الحفاظ على وقف إطلاق النار، ولم يقدم البيت الأبيض أي إجابة فيما إذا كان هناك أي شيء يمكن فعله لوقف ما يحدث، باستثناء التصريحات الدبلوماسية حول رغبتها في رؤية وقف للنار وتقديم المساعدات الإنسانية والانتقال إلى السلطة المدنية.

وبالنسبة للعديد من المحللين الأمريكيين، لم تكن هناك أي مفاجأة في الفشل الأخير، وقالوا إن الأمر هو استمرار للنهج الأمريكي الفاشل تجاه السودان منذ فترة طويلة.
وأعلنت الإدارة الأمريكية مراراً أن الحل الدبلوماسي هو المطلوب لحل النزاع، وليس الحل العسكري، وقالت إنها واصلت الضغط على الجانبين وفرضت قيوداً على التأشيرات كما فرضت عقوبات اقتصادية، وقامت بتحديث النصائح التجارية مشيرة إلى أنها على استعداد لمزيد من الإجراءات.
وفي الواقع، لم تنجح واشنطن في العثور على حل من خلال القنوات السياسية، حيث تم تعليق محادثات جدة، وكشفت الإدارة الأمريكية أن رئيس الوفد الأمريكي في المفاوضات، السفير الأمريكي في الخرطوم، جون غودفري، قد عاد إلى الولايات المتحدة للتشاور، ولكن هناك العديد من المسؤولين الأمريكيين في المنطقة لاستئناف التواصل.
وأعربت الولايات المتحدة مراراً عن مخاوفها من أن الصراع على السلطة في السودان «سيقوض الجهود المبذولة لاستعادة الانتقال الديمقراطي في البلاد» ولكن العديد من المحللين الأمريكيين قالوا إن محادثات جدة المتعثرة لن تحقق طموحات إدارة بايدن العلنية بجلب الديمقراطية إلى السودان ولكنها قد تكون أقرب إلى الطموحات السعودية بتحقيق نوع من الاستقرار في المنطقة.
وفي الواقع، لاحظ خبراء واشنطن أن إدارة بايدن قد تستخدم مباحثات جدة كوسيلة للمساعدة في التقريب بين شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك إسرائيل، ويمكن أن تكون المحادثات أداة ليس فقط لتحقيق الاستقرار في منطقة البحر الأحمر ولكن لحرمان روسيا والصين من ذلك.
وفي سياق متصل، تشعر الولايات المتحدة بإحباط متزايد من أن الفصائل المتحاربة في السودان لا تستفيد من المحادثات التي بدأتها واشنطن والرياض بهدف التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار كما اتفقا في الأصل، وفقًا لمصادر وزارة الخارجية الأمريكية، لذلك ستقرر واشنطن في الأيام المقبلة مع الشركاء كيفية المضي قدما في الوساطة.
وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية يوم الثلاثاء 13 حزيران/يونيو نظرًا لأنه «من الواضح أنهم لا يستفيدون من الصيغة التي قدمناها لهم، فإن واشنطن تتشاور مع المملكة العربية السعودية وآخرين في العالم العربي وأفريقيا حول مسار للمضي قدمًا، وتأمل في الإعلان عن نهج موصى به في الأيام القليلة المقبلة» وأضاف المسؤول أن المحادثات في جدة فشلت في إنهاء القتال بشكل دائم واشتدت الاشتباكات بمجرد انتهاء وقف إطلاق النار يوم الأحد 11 حزيران/يونيو.
ومن المدهش أن الولايات المتحدة لم تكن جزءاً من مؤتمر دولي كبير للمساعدات الإنسانية إلى السودان، من المفترض أن يعقد في جنيف بمشاركة قيادية من قطر والسعودية ومصر وألمانيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، ومن المتوقع عقده في 19 تموز/يوليو. وقال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، ماثيو ميلر، إن الولايات المتحدة تظل أكبر مانح إنساني منفرد إلى المنطقة، موضحاً أن واشنطن شاركت في إيصال الإنسانية إلى المنطقة منذ بداية الصراع، وكان أحد الأهداف الرئيسية لوقف إطلاق النار، هو السماح بإيصال المساعدات الإنسانية.

رصد الصراع

وضمن جهود رصد الصراع في السودان، أعلنت الولايات المتحدة بأنها بدأت فنياً، في رصد أنشطة الطرفين المتحاربين فيما تواصل الجهود الدبلوماسية المكثفة لوضع حد للقتال في السودان وتسهيل المساعدات الإنسانية ودعم تطلعات الشعب السوداني إلى حكومة مدنية.
وقد تمكن هذا الرصد من خلال صور الأقمار الصناعية التجارية وتحليل البيانات مفتوحة المصدر من توثيق عدة انتهاكات جسيمة من الطرفين لالتزاماتهما بموجب إعلان الالتزام بحماية المدنيين في السودان الذي وقعا عليه في جدة يوم 11 أيار/مايو واتفاقات وقف إطلاق النار التي توصلا إليها لاحقا.
وأعلنت الخارجية الأمريكية عن أنه سيتم نشر بعضا من نتائج هذا الرصد للعموم من خلال منصة مرصد النزاع في السودان. وتوفر منصة المراقبة عن بعد هذه تقارير خبراء ومستقلة بشأن أنشطة النزاع في السودان، بما في ذلك الضرر الذي يلحقه المقاتلون بالبنية التحتية وحركة المعدات العسكرية والتحولات السكانية السريعة، بالتعاون مع شركة نظم المعلومات الجغرافية إسري «Esri» وبلانت سكيب اي آي ومختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل.
وأوضحت الخارجية الأمريكية أن منصة مرصد النزاع في السودان هي تأكيد على التزام الولايات المتحدة بالشفافية أثناء العمل مع الشركاء لإنهاء النزاع العسكري في السودان ومعالجة انتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان وضمان الوصول الإنساني الفوري والآمن وبدون عوائق للمنظمات التي توفر مساعدات منقذة للحياة للأشد ضعفا وللنازحين بسبب القتال الدائر.

العقوبات غير فعالة

وكانت الإدارة الأمريكية أعلنت عن الجولة الأولى من العقوبات ضد أطراف الصراع في السودان رداً على فشل أكثر من جولة في محادثات السلام والانتهاكات المتكررة لاتفاق وقف النار، وشهدت وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية فيكتوريا نولاند أمام مجلس الشيوخ في وقت سابق من هذا الشهر بأن الأمر التنفيذي لبايدن مصمم خصيصًا لمحاسبة المسؤولين عن سرقة مستقبل السودان، ولكن الإدارة فشلت في إدراج مسؤول سوداني واحد بموجب الأمر. وقال محللون إن الأوامر التنفيذية بشأن العقوبات ستبقى فارغة إذا لم يتم تنفيذها، وفي الواقع، كانت حزمة العقوبات بمثابة «إشارة تحذير» ولكنها لا تؤثر بشكل جدي.
ولم تتصرف الولايات المتحدة بعد بشأن هذا الأمر التنفيذي، على ما يبدو على أمل إعطاء الجنرالات مساحة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وتسوية سياسية. ولكن على حد قول السيناتور بوب مينينديز في جلسة استماع لمجلس الشيوخ الأمريكي فإن «الأمل ليس استراتيجية سياسة خارجية». مضيفا ً أنه «على مدى عقدين من الزمن، رفض الجنرالات علانية الدبلوماسية لصالح سجل طويل من العنف والفظائع الجماعية، وبالعودة إلى الإبادة الجماعية في دارفور من الواضح أن الوضع الحالي يتطلب تحولا في سياسة الولايات المتحدة نحو المساءلة».

ما الذي يمكن أن تفعله واشنطن؟

اتفق العديد من المحللين الأمريكيين أن أهم خطوة فعلية يمكن أن تفعلها الولايات المتحدة إذا كانت جادة في حل الصراع في السودان هي القيام بالضغط على الأطراف الإقليمية بعدم تقديم أي دعم للمتحاربين في السودان بهدف تحقيق مكاسب سياسية على حساب الشعب السوداني، وإضافة لذلك، يمكن للولايات المتحدة تنفيذ نظام عقوبات أكثر فعالية ومنطقية ضد المتورطين في الحرب الدموية، شبيه بنظام العقوبات في حرب أوكرانيا.
وفي الكونغرس، يؤيد المشرعون معاقبة السودان على أمل فرض الانتقال الديمقراطي، على سبيل المثال، دعا السيناتور الأمريكي جيم ريش الإدارة مؤخرًا إلى «معاقبة الجنرالات برهان وحميتي» و«الحد من تأثير الجهات الخارجية التي تقدم المساعدة للمجلس العسكري» ولكن العديد من المحللين قالوا إن علاقات واشنطن مع مصر والسعودية والإمارات متوترة بالفعل، وسيزيد التهديد بالعقوبات من نفور الحلفاء للتعامل مع الأزمة وتقليل التوترات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية