واشنطن والبربرية المعاصرة: مباركة في فلسطين.. وتواطؤ في سورية
صبحي حديديواشنطن والبربرية المعاصرة: مباركة في فلسطين.. وتواطؤ في سوريةقدّر الله ولطف، فلم يطلق الرئيس الفلسطيني محمود عباس صفة الحقيرة علي عملية كرم سالم التي نفّذها ببراعة بطولية ناشطون من المقاومة الفلسطينية، وأسفرت عن مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين وأسر رابع. لكنّ عباس لم يستخدم الصفة ذاتها في وصف عملية أمطار الصيف التي تنفّذها قوّات الإحتلال الإسرائيلية ـ علي نحو فاشيّ بربري همجي صريح ـ ضدّ غزّة ورفح، بل اكتفي سيادته بتوصيفها هكذا: بمثابة عقاب جماعي للفلسطينيين! والمرء لا يملك الإفلات من إغواء التوقف عند مفردة الـ بمثابة هذه، وكأنّ عباس يتردد حتي في التبنّي التامّ لصفة العقاب الجماعي في العملية الإسرائيلية، فيحيل المضمون إلي مستوي الإنابة والمثابة بدل الصراحة والفصاحة.ولا يبزّ عباس في هذا التلفيق الركيك سوي أحد جهابذة الإعلام الرسمي السوري، تعليقاً علي تحليق أربع مقاتلات إسرائيلية فوق القصر الرئاسي في اللاذقية: لم يتجاسر الصهاينة علي اختراق أجواء دمشق الحصينة، ففرّوا إلي الساحل! والحال أنّ العبقري هذا تناسي، أو لعلّه بالفعل كان يجهل تماماً، أنّ الصهاينة هؤلاء ذهبوا إلي اللاذقية ليس خشية من المقاتلات السورية في أجواء دمشق، بل ببساطة لأنّ بشار الأسد كان ساعتئذ في قصر اللاذقية وليس في قصر دمشق. ومن جانب آخر، يصحّ القول إنّ الصهاينة لم يخترقوا أجواء البلد (اللاذقية أو دمشق… ما الفرق، بمعني السيادة الوطنية؟) فحسب، بل اخترقوا أمن الرئاسة حين علموا أنه في الساعة كذا من اليوم كيت، سوف يكون الأسد في اللاذقية وليس في دمشق!وبين العقاب الجماعي الذي يخضع له الفلسطينيون في ظلّ الإحتلال الإسرائيلي، والعقاب الجماعي الذي يخضع له السوريون علي يد نظام الإستبداد والمافيا العائلية، ثمة ما يشبه الإباحية السياسية التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية في موقفها من حكومة حماس ونظام بشار الأسد في آن معاً. واشنطن تقول ضمناً إنّ حلّ قضية الجندي الإسرائيلي المخطوف كامن في دمشق حيث يقيم خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس ، أو تقوله صراحة كما حين يعتبر السفير الأمريكي في إسرائيل ريشارد جونز أنّ المشكلة في دمشق، وأعتقد أن انتباه العالم يجب أن يتحول إلي العاصمة السورية .ولكنها واشنطن ذاتها التي رضخت، وتواصل الرضوخ، لشتي الضغوط الإسرائيلية المباشرة (عن طريق رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون، وخليفته اليوم إيهود أولمرت) وغير المباشرة (عن طريق مختلف مجموعات اللوبي اليهودية ـ الصهيونية في أمريكا)، المطالبة بتخفيف الضغوط عن نظام بشار الأسد، او ممارسة ضغط رفع الكلفة وحده، أو أيّ ضغط خفيف يُبقيه بين المطرقة والسنديان، ولكنه لا يذهب بالنظام وآل النظام إلي حافة الهاوية. واشنطن تعلم، علم تل أبيب أو حتي أكثر منها، أنّ آخر أوراق النظام القابلة للمقايضة كانت ضبط الحدود السورية ـ العراقية، وأنّ الصفقة في هذه المتاجرة عُقدت بالفعل حين رضخ النظام، وقبض الثمن عشية تقرير ديتليف ميليس الثاني، والتعهد السعودي ـ المصري بضمان حسن سلوك النظام ستة أشهر أخري.ومن الجلي أنّ وجود أمثال خالد مشعل من قيادات حماس ، دع جانباً أحمد جبريل وسواه من القيادات الفلسطينية المنضوية تحت راية النظام السوري، لا يشكّل عند واشنطن أيّ قلق ذي طبيعة جادّة أو عاجلة او استراتيجية تستدعي عقد صفقة مع دمشق، وذلك رغم أنّ هذا التفصيل يمنح البيت الأبيض مادّة صالحة للمماحكة اللفظية والابتزاز الديماغوجي. وبهذا المعني، وفي الجوهر أوّلاً، يُقرأ تصريح الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية آدم آيرلي، حول أسف واشنطن من أنّ دمشق لا تتصرّف بمسؤولية في اتخاذ إجراءات فعالة ضدّ الإرهاب . لغة دبلوماسية مهذّبة بالطبع، وما يشدّد نبرة التهذيب فيها أنّ واشنطن، مثل تل أبيب، علي يقين تامّ من أنّ العناصر والكوادر والقيادات علي الأرض، وليس البتة في دمشق أو بيروت، هي صانعة الخطّ السياسيّ والسياسات، والأهمّ من ذلك بالطبع أنها الوحدات المقاوِمة ومنفّذة العمليات النوعية، من طراز نفق كرم سالم.والحال أنّ رجال البيت الابيض، وربما منذ برهة الاحتكاك الأبكر مع حافظ الأسد في السنوات الأولي من توليه السلطة، أدركوا طبيعة الشطرنج السياسي الذي أداره النظام السوري مع واشنطن وتل أبيب (أو حتي مع جارة مثل تركيا عبر أكراد الـ PKK وعبد الله أوجلان) من وراء استضافة هذه المنظمة أو تلك، في هذا الطور أو ذاك. كان ذلك الشطرنج يشمل المحيط الإقليمي أيضاً، العراق والدول الخليجية والأردن، فضلاً عن منظمة التحرير الفلسطينية والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات شخصياً. وكان ذلك الشطرنج، ويظلّ اليوم أيضاً، قائماً علي قواعد لعب مكشوفة مفضوحة، رديئة إجمالاً وإنْ كانت لا تُسقط عن الشطرنج سمة اللعب ذاته، من حيث المناورة والكرّ والفرّ والخسارة والربح…ولهذا فإنّ تحليق القاذفات الإسرائيلية فوق القصر الرئاسي في اللاذقية، حين كان الأسد مقيماً فيه تحديداً، أي في برهة منتقاة بعناية من حيث طبيعة الرسالة المشفّرة طيّ هدير الطائرات، ليس تصعيداً مع النظام السوري علي أيّ وجه: لا في المستوي العسكري، ولا في السياسي، ولا حتي في مستوي المساس بالقواعد التي وضعها شارون حين قصفت الدولة العبرية موقع عين الصاحب، شمال غرب العاصمة السورية، بتاريخ 5/10/2003. لكنه تذكرة صاخبة بعض الشيء، لكي لا نقول إنها تنبيه غليظ، حول عواقب أيّ سلوك عاقّ إزاء خدمات التي أسدتها إسرائيل إلي النظام مؤخراً، بل طيلة حقبة ما بعد اغتيال رفيق الحريري، من جانب أوّل. والتحليق، من جانب ثانٍ، إنذار بأنّ الخروج الجدّي عن القواعد الديماغوجية لهذا الشطرنج بالذات، سوف يقلب الرقعة رأساً علي عقب!وفي نهاية الأمر، كان الناظم لعلاقات القوّة بين نظام حافظ الأسد وإسرائيل ينطوي علي أيّ نسق آخر باستثناء حال العداء أو حال الحرب ، والتاريخ المعاصر يبرهن بقوّة علي أمر كهذا: منذ عام 1973، حين وافق النظام علي قرار مجلس الأمن الدولي رقم 338، واعترف عملياً وحقوقياً بأنّ الدولة العبرية جزء لا يتجزأ من تكوين المنطقة ومن نظام الشرق الأوسط السياسي والجغرافي؛ والعام 1974، إثر توقيع اتفاقية سعسع وإدخال نظام الفصل بين القوّات، الذي تكفّل أن لا تُطلق في هضبة الجولان طلقة واحدة تشي بانهيار السلام التعاقدي المبرم؛ والعام 1976، حين أيّد النظام قراراً لمجلس الأمن الدولي يدعو إسرائيل إلي الإنسحاب من الأراضي العربية المحتلة، مقابل ضمانات حول سيادة، ووحدة أراضي، واستقلال جميع الدول في المنطقة ، و الإعتراف بحقّ هذه الدول في العيش بسلام داخل حدود آمنة معترف بها ؛ ثمّ العام 1980، حين اعتمد النظام مبادرة الملك فهد وخطّة الجامعة العربية التي اعترفت عملياً بحقّ إسرائيل في الوجود (رغم أنّ ذلك الإعتراف لم يرضِ الدولة العبرية آنذاك!)…السنوات، والتواريخ اللاحقة (منذ الصمت العسكري السوري علي اجتياح بيروت، إلي المشاركة في تحالف حفر الباطن ، ثمّ مؤتمر مدريد، وحوارات شبردزتاون بين رئيس الأركان السوري الأسبق حكمت الشهابي مع الجنرال أمنون ليفكين شاحاك وإيهود باراك، ومحادثات هذا الأخير مع فاروق الشرع في واشنطن، ولقاء جنيف بين حافظ الأسد ـ بيل كلينتون، وحوارات ماهر الأسد السرّية في العاصمة الاردنية عمّان، والمصافحة الفاتيكانية التاريخية بين بشار الأسد وموشيه كتساف…)، لم تكن اقلّ احتشاداً بكلّ ما يدلّ علي أنّ الناظم الحقيقي هو التالي ببساطة: ثمة في إجماليّ سياسات هذا النظام، بل في طبيعته الإستبدادية العائلية المافيوزية، كلّ ما يخدم الدولة العبرية، أي كلّ ما يرضي واشنطن استطراداً!وفي ما يخصّ الشطر الفلسطيني من الإباحية السياسية الأمريكية، أي التحريض المباشر ضدّ حكومة حماس الشرعية تماماً والقادمة بإرادة الشعب وبقوّة صندوق الإقتراع، فإنّ واشنطن لا تكيل بمكيال احترام الديمقراطية الفلسطينة (لكي لا نقول: امتداحها، كواحدة من أرقي التجارب الديمقراطية المعاصرة)، بل تذهب إلي المكيال الآخر الزائف الذي ينهض علي شكوي وقحة من أنّ الشارع الفلسطيني جاء بحكومة لا ترضي عنها واشنطن، أو بالأحري: لم ينتخب الحكومة التي تُرضي واشنطن! هذا، استطراداً، شعب مدان محكوم عليه بسخط واشنطن في كلّ حال، سواء أصلح مؤسساته أم أبقاها علي حالها، وبقي علي تشدده أم جنح إلي الإعتدال. وفي هذا المكيال يستوي مع الفلسطينيين كلّ ما يجعل منهم بشراً من لحم ودم: الجسور، ومحطات الكهرباء، والحقول، والبيارات، وشواطيء البحر، والرمال علي الشواطيء!وذات يوم غير بعيد برّر جيمس كنينغهام، كبير مندوبي الولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي آنذاك، لجوء واشنطن إلي استخدام حقّ النقض ضدّ مشروع قرار يدعو إلي إنشاء قوّة دولية لحماية الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، علي النحو التالي: إنه قرار يستجيب للمسرح السياسي أكثر ممّا يستجيب للواقع السياسي ، و الولايات المتحدة تعارض هذا القرار لأنه غير متوازن وغير قابل للتنفيذ، وبالتالي ليس من الحكمة اتخاذه . المسرح الذي كان مشروع القرار يستجيب له لم يكن سوي مدن وبلدات وقري فلسطين المحتلة، ومادّة المسرح كانت عشرات ومئات الفلسطينيين الذين سقطوا ويسقطون كلّ يوم جرّاء القبضة الدامية الدموية التي يعتمدهـــــا الإحتلال. وأمّا ديكور المسرح فقد كان الحواجـــز العسكرية الإسرائيلية، والخنادق العازلـــة بــــين البشر والبشر والبلدة والبلدة (والتي تذكّر جـــيّداً بمزيج من خنادق الصليبيين وخنادق أوشفيتز!)، والأراضي التي يتمّ تجريفها من الزرع والضــــرع، وجثث أشجار الزيتون واللوز والبرتقال. كلّ ذاك المسرح لم يشكّل في نظر المندوب الأمريكي مادّة صالحة لصناعة واقع سياسي … كلّ ذلك المسرح العنيف الدامي!هل يمكن لأيّ واقع، أيّاً كانت عناصره المجسّمة البارزة النافرة دماً ودماراً، أن يُوضع في خدمة الولايات المتحدة لكي تطوي بطاقة النقض وتوافق أو في الأقلّ تمتنع عن التصويت علي قرار من أيّ نوع، يحمي هذا النوع البشري الذي يُدعي الفلسطيني ، الأعزل وليس المسلّح، المرأة وليس الرجل، الطفل وليس الراشد؟ الجواب هو النفي، والنفي وحده: ليس ثمة ايّ واقع آخر، البتة، يمكن أن يجعل واشنطن لا تتفهم تماماً هذه البربرية الإسرائيلية، بدليل الطرب الأمريكي اليوم تجاه عملية أمطار الصيف الإسرائيلية.ذلك لأنّ هذه العربدة في إدارة العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية علي حساب الحقّ البسيط للشعوب في فلسطين كما في سورية، وعلي نقيض من القانون الأبسط الذي يحكم المجتمع الدولي، لها في البيت الأبيض فلسفتها المتكاملة. وحين أفشلت واشنطن مشروع قرار حماية الفلسطينيين، كانت في الآن ذاته تضرب عرض الحائط بتقرير وتقديرات أعضاء لجنة تقصّي الحقائق التي انتدبتها الأمم المتحدة لدراسة أوضاع البشر علي الأرض، في فلسطين المحتلة. آنذاك لم يكتفِ عضو اللجنة، الأمريكي ريشارد فولك، بمشاطرة زملائه قسطهم من الإحباط إزاء الفيتو الأمريكي، بل ذهب أبعد حين اتهم عاصمة بلاده بـ الفشل في أداء واجبها القانوني والأخلاقي …. ولكن النجاح في الدعم الإباحيّ المطلق لكلّ ما تنطوي عليه ممارسات الدولة العبرية من بربرية معاصرة ضدّ الشعب الفلسطيني، والصمت شبه المطبق أو التأييد الضمني لما يرتكبه نظام الإستبداد في دمشق من جرائم بحقّ الشعب السوري.9