محمد صادق الحسيني
اتفاق طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية علي اطار زمني محدد لفك الغموض الذي يلف الملف النووي الايراني يفترض ان يلقي ترحيبا حارا من قبل رعاة المجتمع الدوليوالاهم من ذلك ان يعطي الفرصة الكافية ليجرب حظه العملي كما هو معلن من قبل الطرفين اللذين اجتمعا في طهران في الجولة الثالثة من محادثات مضنية لكنها شفافة وجدية ومثمرة وبناءة بكل المقاييس وخاصة بمقياس الوكالة الدولية صاحبة المرجعية القانونية التي لم تخف سرورها بالانجاز الكبير الذي حققته كما جاء في تصريحات مساعد الدكتور محمد البرادعي في طهران اواسط الاسبوع المنصرم! لكن السؤال الذي حير المراقبين هو رد الفعل الامريكي المشكك والمتسرع علي الاتفاق والذي ترافق مع الاستمرار في تهديد طهران واعلان واشنطن الصريح انها ماضية قدما في العمل علي اقرار الوجبة الثالثة من العقوبات المشددة ضد ايران.
غير ان مؤسسات غربية باتت تفصح عن قراءاتها علنا كما حصل مؤخرا في تقرير نشرته هيئة الاذاعة البريطانية، وتجمع علي ان الادارة الامريكية الراهنة العاجزة عن التفرغ تماما للنزاع مع طهران والعاجزة ايضا عن حسم هذا النزاع الذي بات بالنسبة لها بمثابة الصداع المزمن الذي لا تعرف له دواء ناجعا لا بالسياسة ولا بالعسكر! قررت التعايش معه من خلال تحويله الي صداع مضاد يؤرق النظام الايراني ومن ثم ترحيله الي الادارة الامريكية المقبلة!
وعليه فان المهمة الوحيدة المتبقية عمليا امام الادارة الامريكية الراهنة هي وضع العصي في دواليب اية عربة تحمل الحل المفترض لهذا الملف من اية جهة كانت، حتي وان اتت من جهة يفترض بها ان تكون صديقة او مطيعة او علي الاقل ليس في نيتها التمرد علي القرار الامريكي او التغريد خارج سربه! والدليل علي ذلك هو عدم اقترابها من الملف النووي الاسرائيلي رغم مخالفته الصريحة والوقحة لكل المعايير الدولية ورغم كونه واحدا من اهم دواعي القلق والشك والارتياب الذي يحيط باي مشروع نووي اقليمي بالمطلق!
ان واشنطن تعرف قبل غيرها بل واكثر من اي طرف آخر ان العقوبات علي نظـام مثل نظام طهران الحالي لن يثنيه عن المضي في مشاريعه اولا، وثانيا ان نظام طهران الحالي الذي آل الي ما آل اليه اليوم بعد الحصار الامريكي المتواصل منذ ثلاثة عقود وهو الذي حفز كل الطاقات المحلية وأجج روح الوطنية الايرانية المتحدة ضد التهديد الخارجي، وافسح المجال لقيام قومية ايرانية قل نظيرها في التاريخ الايراني الحديث!
ولما كان بالامكان انها اكتشفت خطأها متأخرا تجاه طهران وانه بات من الصعب ان تعيد عقارب الساعة الي الوراء ولما كان الحل الوحيد المتاح امامها هو ان تتعايش مع هذا الصداع المزمن فانه يصبح من الطبيعي لادارة مدججة بالغرور مثل ادارة المحافظين الجدد ليس فقط ان تنقل هذا الصداع الي الطرف الاخر الذي غدا بمثابة خصمها اللدود الذي يلاحقها كالظل بل تعممه علي المجتمع الدولي وذلك من باب علي وعلي اعدائي وكذلك كمن اخذته العزة بالاثم! وهو ما يعني الاصرار علي ابقاء هذا الملف مفتوحا وان لا يتجرأ احد علي بلورة حل نهائي له او اسدال الستار عليه لان اسدال الستار علي ملف كهذا لا يمكن ان يكون لمصلحة ادارة متورطة في كذبة لا تزال تعيش تداعياتها الخطيرة وهي كذبة اسلحة الدمار الشامل العراقية من جهة وخسران اكيد لقضية مزاعمها المتواصلة ضد طهران والتي لم تؤكدها حتي الان اية جهة دولية معتبرة لا سيما المعنية بهذا الملف اي الوكالة الدولية للطاقة الذرية مما سيكشف عمليا فساد هذه الادارة سياسيا ومعنويا واخلاقيا وسيكشف تورطها في لعبة الامم الاستخباراتية الشهيرة التي لا تعتمد الا علي حثالاثت الاقوام والشعوب ممن يسمون بمعارضات الخارج الذين يتسكعون علي ابواب اجهزة المخابرات الدولية لتوفير فرص عمل لطلاب الحروب كما حصل للعراق الجريح والمستباح!
وعليه يبدو ان العالم يتجه من جديد الي فصل آخر من فصول المواجهة الاعلامية والدعائية والاستخبارية والديبلوماسية والحرب النفسية الباردة والساخنة بين واشنطن وطهران بدل اسدال الستار علي ملفها النووي كما ما يسمي بالمجتمع الدولي المغلوب علي امره والمصادر قراره علي ما يبدو حتي اشعار اخر او حتي انتهاء ولاية المحافظين الجدد الثانية الا اذا تجرأت بعض اطراف هذا المجتمع الدولي وتمردت علي الادارة والارادة الامريكية وقررت فرض اجندة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتغليبها علي اجندة بوش الاستفزازية والابتزازية!
ونقول استفزازية وابتزازية لان المعلومات المتوفرة والمتاحة من زاوية اخري من زوايا الصراع بين واشنطن وطهران تفيد بان ادارة بوش التي تتفاوض مع طهران حول مستقبل الامن والاستقرار في العراق بشكل مباشر ومع دمشق وطهران بشكل غير مباشر حول لبنان وفلسطين، انما تصعد في الملف النووي فان احدي عينيها علي بغداد التي تريد الخروج من ورطتها باقل الخسائر وببعض ما تبقي من ماء الوجه في اطار ما بات يعرف باستراتيجية الخروف المشرف التي يوصي بها يوميا كبار ما تبقي من عقلاء امريكا، فيما عينها الاخري علي بلاد الشام حيث يتآكل مشروعها الشرق اوسطي الجديد ويتحلل حلفاؤها في بوتقة الانصهار التوافقي الاسلامي ــ المسيحي والسني ــ الشيعي علي حساب مشاريع الفتن الطائفية والمذهبية المتنقلة التي كانت تحلم بها قبل ان تغرق في اعماق المستنقع العراقي العميق والرمال الافغانية المتحركة!
تبقي المهمة الكبري الملقاة علي ما يسمي بالمجتمع الدولي الذي اقل ما يقال عنه ان امريكا لا تريد ان تجد الدواء اللازم له ان لم نقل انها العامل الاساسي وراء ظهوره في منطقتنا، سواء من خلال اصرارها علي فرض صيغ للحل بعينها دون غيرها او تجاهلها لمطالبات اهل المنطقة وسائر شعوب العالم بالتخلي عن مطامعها الحربية والاستعمارية علي حساب التنمية الانسانية والشاملة او من خلال تغافلها عن الخطر الجدي والكبير الذي تشكله دويلة الكيان الصهيوني الغاصبة لحقوق فلسطين والفلسطينيين والقلق الدائم الذي تشكله لامن المنطقة والعالم من خلال ترسانتها النووية التي تشكل بالنسبة لسكان المنطقة الاصليين الصداع الحقيقي الدائم الذي لا نريد التعايش معه ولا تعميمه علي الاخرين كما فعل ويفعل غيرنا عندما نقله الينا اواسط القرن المنصرم علي خلفية المسألة اليهودية في اوروبا ويريد اليوم اجبارنا علي التعايش معه علي خلفية مزاعم باطلة ثبت بطلان الجزء الاول منها في العراق، واذا ما تركت المبادرة لعقلاء العالم وسكان المنطقة الاصليين فان الجزء الخاص بطهران سيبطل ايضا لا محالة!9