يستغرب الكثير من الملاحظين موقف الولايات المتحدة الأمريكية من وصول أحزاب ذات مرجعية دينية – إسلامية- إلى الفوز في الانتخابات في بلدان الربيع العربي، هذا الموقف الذي يتسم مبدئيا بالقبول والرضى خاصة من خلال تصريحات ويليام تايلور وهو الذي عين في منصب منسق خاص لانتقال السلطة في الشرق الأوسط فالرجل يقول بالحرف، إجابة على سؤال حول موقف واشنطن من وصول الإسلاميين للحكم، ‘سنكون راضين إذا كانت الانتخابات حرّة ونزيهة’. فهل هي لعبة شطرنج جديدة تحاول بيدقة الملك؟
يبدو أن واشنطن من خلال تمعّنها في دراسة التحولات الاجتماعية والسياسية في بلدان الربيع العربي إبان الثورات قد أدركت عدة حقائق لا يسعها إلا تطويعها لصالحها وذلك وفق الرّؤية التالية:1- واشنطن إستهلكت نظرية ‘الإرهاب’ إلى آخر رمق ولم يعد في الإمكان الإعتماد على ورقة ‘الإسلاموفوبيا’ لأن الشعوب العربية والعالم أيضا أدرك مدى زيف هذه النظرية من خلال قبول هذه الشعوب بالدخول في المسار الديمقراطي والتعاطي مع التيارات الإسلامية بإعتبارها مؤسسات سياسية لها برامج واضحة وليست فئة أو مجموعات دعويّة تعبويّة غايتها الترويج لإيديولوجيا معينة أو فرضها وبالتالي فالحكومات الغربية لم تعد تجد ذريعة لعدم القبول بهذه الأحزاب أو التيارات الإسلامية التي أحسنت في الواقع الإنخراط الإيجابي في المسار الديمقراطي بطرح رؤية أو برامج سياسية لا تنكر دور المؤسسات ولا تدعو إلى الإعتداء على الحريات أو التصادم مع الآخر المخالف.2- لا يجب أن نستغرب من قبول واشنطن ورضاها بما تمخضت عنه الثورات العربية من صعود للتيارات الإسلامية إذا أدركنا أن عدم الإعتراف سيكرس بشراسة واقع الفوضى وبالتالي تغذية التطرف الديني المسلح على غرار ما وقع في الجزائر جراء إلغاء فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الإنتخابات التشريعية سنة 1991، وهي حقيقة أوضاع لو حصلت، لن تكون أمريكا قادرة على مجابهتها لا ماديا ولا إستخباراتيا وخصوصا بعد رحيل بيادقها عن سدة الحكم في البلدان العربية وبالتالي فإن قبول وصول هذه التيارات والأحزاب والحركات الإسلامية للحكم والتعاطي معها بشكل إيجابي سيكون له نتائج جيدة من المنظور الأمريكي إذا اعتبرنا أن هذه التيارات ذات المرجعية الدينية هي عبارة عن مؤسسات سياسية لها مشروع تنموي واقتصادي تسعى لإقناع شعوبها بتبنّيه عن طريق صناديق الإقتراع وأيضا عن طريق الإنخراط فيه مما قد يمكن حتى من تحييد الرؤية الفكرية والإيديولوجية لبعض المنتسبين لهذه الأحزاب التي قد تكون مشوبة بالتطرف وبالتالي إرغامها على تبني برامج هذه الأحزاب لتتحول من مجموعات دينية إلى أعضاء في حزب سياسي في شكل مؤسسة تحمل مشروعا ملزما لمنخرطيها.3- واشنطن قد تكون إكتشفت أو إستكشفت أن خوفها لم يكن من الإسلام عندما يكون مرجعا فكريا لحزب أو مؤسسة سياسية بل خوف من الإسلام عندما يتبناه أفراد أو مجموعات غير مسيَّسَة لا تعترف بالعملية السياسية ولا تؤمن بالديمقراطية لذلك فإن الإعتراف والتعاطي مع الأحزاب سيجعل الحكومات الغربية وخاصة واشنطن تتخلص من عبء التأطير والأدلجة ومقاومة هذه المجموعات ‘المتطرفة’ بالتفويت في هذه المهمة إلى هذه الأحزاب والحركات ذات المرجعية الدينية التي تتطلع للحكم وذلك لأنها تدرك أن هذه الأحزاب ستسعى لإحتواء هذه المجموعات في إطار العمل السياسي وبالتالي إلزامها ببرنامج الحزب مما يجعلها تتخلى ولو تدريجيا عن إيديولوجياتها ‘الجهادية’ ربما أو ‘التكفيرية ‘ كشرط للقبول في إطار اللعبة السياسية.4- التاريخ أثبت للعالم أن فرض الـــرؤى والإيديولوجيات على الشعوب عن طريق ترسيخ أنظمة قمعية تتبنى الفكر الأمريكي في الإصلاح لم يكن له نتائج جيدة لأن القمع عن طريق هذه الأنظمة ساهم في رفع مؤشر الثقة لدى المواطن العربي في التيارات ذات المرجعية الدينية فقط لأنها تناهض الأساليب القمعية للأنظمة الخادمة للطرح السياسي الأمريكي.
فرحات الطويل – تطاوين- تونس[email protected]