واشنطن وراء اختراقات الضاحية وطهران… والاحتياطي الغذائي في مصر يكفي لفترات طويلة

حسام عبد البصير
حجم الخط
2

القاهرة ـ «القدس العربي»: كل المؤشرات تقول إن لبنان سيدفع «الفاتورة»، كما تدفعها غزة وشقيقتها الضفة الغربية منذ عام، بينما السفاح ومن حوله متيقنين من أنهم بمنأى عن أي ملاحقة على مجازرهم التي لن تنتهي قريبا على الأرجح. غير أن الأشد بؤسا إعجاب بعض العرب بقدرة استخبارات العدو على اختراق حزب الله ومن قبله طهران، بينما يتناسى هؤلاء أن «الكيان» لم يكن بوسعه القيام بأي قدر من الاختراق لولا واشنطن، شريكته في القتل، التي تمده منذ أولى لحظات طوفان الأقصى بالمعلومات والإحداثيات الخاصة بقيادات الحزب وقياداته، وهو ما فشلت فيه واشنطن بالنسبة للجبهة الغزاوية التي ظلت عصية على الاختراق.
وبسبب تداعيات الحرب على المنطقة بدد الدكتور شريف فاروق وزير التموين والتجارة الداخلية، المخاوف بشأن نقص السلع الغذائية، مؤكدا وجود احتياطي استراتيجي يكفي البلاد لفترة طويلة من السلع مثل الأقماح، الزيوت، السكر، اللحوم المجمدة والطازجة، والدواجن. وأضاف حسبما جاء في «اليوم السابع»، أن الحكومة تعمل بشكل دائم على مراقبة تطورات السوق العالمي ومراجعة خطط الاستيراد والتوزيع، وفقا للمتغيرات، لضمان تلبية احتياجات المواطنين بكفاءة وفعالية، مع الحفاظ على الأسعار في مستوى مناسب. وأشار الوزير إلى أن الهيئة تتابع بدقة تدفق الأقماح المستوردة وفقا للبرنامج الزمني المخطط، وتحرص على تأمين مخزون استراتيجي من مختلف السلع الأساسية، بما يضمن تغطية احتياجات المواطنين لفترات طويلة دون انقطاع، إلى جانب أهمية استمرارية توافر وتدبير وإتاحة السلع الأساسية في الأسواق. وكشف الدكتور محمد جاد، السفير المصري لدى إثيوبيا، أن مصر ستتولى رئاسة مجلس السلم والأمن الافريقي خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول الحالي 2024. وأشار جاد إلى أن الرئاسة المصرية المُرتقبة ستعمل على تعزيز دور المجلس كجهاز معني بصون السلم والأمن والاستقرار ومعالجة التحديات الأمنية والتنموية التي تشهدها القارة الافريقية. أكد السفير اللبناني في القاهرة علي حسن الحلبي، أن الدولة المصرية كانت حريصة على تجنيب الشعب اللبناني مخاطر الحرب الحالية، وبذلت كل الجهود في سبيل ذلك، لكن الحكومة اليمينية في إسرائيل كانت تدفع الأمور للتصعيد، في ظل تواصل الاعتداءات على الشعب الفلسطيني. جاء ذلك خلال استقبال السفير اللبناني وفدا من نقابة الصحافيين المصريين في مقر السفارة اللبنانية في القاهرة لتقديم واجب العزاء في كل ضحايا العدوان.
ومن التصريحات المهمة: قالت الدكتورة مايا مرسي وزيرة التضامن الاجتماعي، أن أنشطة الهلال الأحمر المصري شهدت طفرة كبيرة تحت رعاية السيدة انتصار السيسي، موضحة أن الوزارة تستهدف أن يكون في كل منزل مسعفة متطوعة، لأن الإسعافات الأولية عمل إنساني مهم. أمنيا شنت الأجهزة الأمنية في القاهرة حملات مكبرة لضبط الخارجين عن القانون. وأسفرت الحملات عن ضبط تشكيل عصابي مكون من ستة أشخاص، بينهم خمسة يحملون جنسية أجنبية. عُثر بحوزتهم على كمية من الذهب والفضة، ومبالغ مالية و33 ساعة مختلفة الأنواع.

لم ينهر بعد

لا يعني اغتيال قادة وحدات الصواريخ والمسيرات والاستخبارات.. بالإضافة إلى أعلى السلم السياسي ممثلا في السيد حسن نصر الله أن الحزب قد انهار. على العكس يرى فراج إسماعيل في «المشهد» أن إسرائيل ستكون أمام جيل غير معلوم لا تدركه شبكات التجسس الممتدة ولا المخابرات الدولية المنتشرة في بيروت، وفي الضاحية الجنوبية خصوصا. جيل القادة والمؤسسين كان مخترقا منذ تدخله في الحرب الأهلية السورية.. ومن خلال أجهزة الاتصال التي يستخدمونها، وحتى شبكة التليفونات الأرضية، التي تسلم فريق التحقيق الدولي في مقتل رفيق الحريري رئيس الوزراء الأسبق الداتا الخاصة بها.. وقد وقعت في يد الاستخبارات الإسرائيلية والدولية، ولا شك أنها تضم خطوط قيادات الحزب، التي كشفت عن منازلهم ومقراتهم. الأكثر أن مقر قيادة الحزب الذي جرى نسفه بـ80 قنبلة فراغية مخترقة للتحصينات، كان معلوما لإسرائيل.. واستغرق رصده وفق المعلومات التي بثها الإعلام الإسرائيلي وقتا طويلا.. وكان من السهل اغتيال السيد فيه. تحركاته معروفة من خلال الحراس الذين يظهرون وراءه خلال خطبه. من السذاجة ظهورهم بوجوه مكشوفة، جعلت التعرف عليهم سهلا في الضاحية، ومعرفة تحركاتهم التي لا بد أنها ترافق تحركات السيد. قبل مغادرة نتنياهو إلى نيويورك.. توصلوا إلى وجوده.. لكنهم كانوا يريدون صيدا أثمن، اغتيالا جماعيا لكل القادة الذين وصلت معلومة بأنهم سيجتمعون بالسيد.. وبالتالي أبلغ نتنياهو في نيويورك بأن اللحظة مهيأة لتنفيذ الهجوم، فأعطى الأمر.. وتحقق الاصطياد الجماعي، الذي شمل أيضا زينب ابنة السيد التي كانت حاضرة. نعم الضربة موجعة لكنها ليست قاصمة.. ولا تعني طي صفحة الحزب. التهلهل الأمني الذي يؤدي إلى اغتيال قيادات الصف الأول.. لا ينطبق على القادة الميدانيين ولا على مواقع الصواريخ التي يتضح أن إسرائيل لم تتوصل إليها.. يترجم ذلك أنها بدأت تدميرا جماعيا للبيوت والقصور، اعتقادا بأنها تضم مخازن الأسلحة. أرسل الحزب صاروخا تجاوز مداه 150 كم ووصل شرق القدس.. وهذه المسافة تعني أن القادة الميدانيين بدأوا يتحللون من الخطوط الحمر التي وضعتها القيادة التي تمت إبادتها.

قوة وهمية

يرى فراج إسماعيل أن غياب القيادات الكبرى عن الحزب، قد يحول ترسانة الصواريخ الضخمة التي تتجاوز 200 ألف صاروخ إلى جماعات قتالية عديدة تتصرف بقرارات مستقلة على طريقة أمراء الحرب في الصومال، إبان حربها الأهلية، وعلى طريقة الجماعات الأفغانية أيضا، وهذه لم تستطع الولايات المتحدة مواجهتها وانسحبت أمامها. سياسة الاغتيالات ستجعل المنطقة على حافة الهاوية، ولن تنجح أي جهود دبلوماسية في وقفها. جنون العظمة الذي يجتاح نتنياهو ونخبته حاليا سيجره إلى صراع مع عناصر لا يعلم عنها شيئا، ولا تحيط أجهزته التجسسية ومراكز التنصت والمسيرات باتصالاتها وقراراتها.. ولو قرر الدخول البري فهو يجهل حجم المقاومة على الأرض التي ستقابله. يثير قلق واشنطن المعلومات التي وصلتها بأن قيادات الظل في المقاومة، رفضت اقتراحا من طهران بارسال مستشارين لإعادة هيكلة القيادة الجديدة.. كأنها ستتخلى عن خطوط طهران الحمر بعد تخليها عنهم. ستدرك إسرائيل أنها كانت تواجه دولة ممثلة في «الحزب» ذات قيادات معروفة يمكن التحاور معها، وأن (السيد) كان بمثابة رئيس جمهورية، يمكن أن يجلس إلى طاولة مفاوضات.. الآن بات عليها أن تقاتل كائنات مجهولة وصواريخ فشلت في شل قدراتها أو تعطيلها. الأهم من اسم خليفة نصر الله أولئك الذين يقودون الميدان.. قد تغتال إسرائيل أي سيد جديد.. لكن كيف ستصل إلى القوة الحقيقية التي يمكن معادلتها بسنوار غزة؟ يجري الآن تعظيم إعلامي للاستخبارات الإسرائيلية في أعقاب اغتيال معظم قيادات الحزب، ويهدف ذلك لإعادة هيبة فقدتها في 7 أكتوبر/تشرين الأول وفشلها في الوصول إلى الرهائن في غزة، رغم أنها تسيطر عليها وتستخدم إمكانيات «سي آي أيه» والمخابرات البريطانية. الاغتيالات التي تمت للقيادات والوصول إلى مقراتهم بدقة تمثل حالة خلل أمني كارثية، سواء للجهاز الأمني للحزب ولاستخبارات الحرس الثوري الإيراني أيضا المخترق في قلب طهران، التي اغتيل إسماعيل هنية بين ظهرانيها. هذا الضعف لا يعني قوة الاستخبارات الإسرائيلية، لكنها تجد دعما كبيرا من الاستخبارات الأمريكية والبريطانية بما تملكه من تكنولوجيا متقدمة.

كم ثمنه؟

السؤال الأهم في عملية اغتيال حسن نصر الله، من وجهة نظر سليمان جودة في «المصري اليوم» عن الطريقة التي وصل بها الإسرائيليون إليه؟ فلقد عاش في مكانه سنوات طويلة دون أن تصل إليه تل أبيب، فكيف جرى قصف المكان الذي وجد فيه بهذه السهولة؟ أما الحقيقة الوحيدة الواضحة في مقتله، فهي أنه قد جرى تسليمه للإسرائيليين بيعا وشراء، وسوف يظل الخلاف حول هوية الطرف الذي باعه لإسرائيل.. هل هو طرف داخل الحزب، أم أنه طرف خارج الحزب في المنطقة والإقليم؟ وإلى أن نعرف شيئا عن ذلك، سيبقى الحديث عن حزب الله ككيان داخل لبنان، وعن الدور الذي قام به في الماضي وسوف يقوم به في المستقبل. فالحزب له وجهان منذ نشأ، وجه مقاوم يقف في وجه المحتل الإسرائيلي ويطارده، ووجه سياسي يشارك في الحياة السياسية في لبنان، وفي الحكومة، وفي البرلمان.. وكان الخلاف الطويل ولا يزال حول الوجه الثاني، لأنه لم يكن وجه مشاركة مع بقية القوى السياسية في البلد، بقدر ما كان وجه تعطيل لها، ثم وجه استحواذ على ما ليس له من الأمور. إن قصر بعبدا الرئاسي اللبناني شاغر منذ ما يقرب من عامين، ولا سبب في شغوره إلا أن القوى السياسية اللبنانية عاجزة عن اختيار رئيس جديد يخلف الرئيس ميشيل عون الذي غادر في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2022، ولا سبب لعجز القوى السياسية إلا أن حزب الله كان يعطلها عن اتخاذ قرار الاختيار كلما اجتمعت لاختيار الرئيس الجديد.. فالرئيس في لبنان يختاره البرلمان بأغلبية أعضائه ولا يختاره الناخبون بالاقتراع الحر المباشر.. ولأن الكتلة البرلمانية للحزب كانت دائما كتلة كبيرة، فإنه كان يستخدمها في إجهاض أي اختيار، إذا كان الاسم الذي تريد القوى السياسية اختياره لا يحظى بتأييد الحزب، أو لا يأتي على مزاجه أو هواه السياسي. فماذا كانت النتيجة؟ كانت أن البلد بقي بلا رئيس كل هذه الفترة.. أما الثمن فقد دفعه لبنان من اقتصاده ومن استقراره ولا يزال.. وربما لهذا السبب كان أول شيء دعا إليه نجيب ميقاتي رئيس الحكومة اللبنانية، بعد اغتيال نصرالله، هو اختيار رئيس للبلاد.. ندعو الله ألا يُخيّب رجاء ميقاتي، وألا يتأخر حضور الحزب في الحياه السياسية مُسعفا لا معطلا.

لن يتأخر

كان لبنان في يوم من الأيام جنة العرب؛ كان الأجمل والأرقى والأكثر تحضرا، وكان الأمين على أموال العرب، وكان الجمال للباحثين عن السعادة، وكانت الطبيعة في أحلى صورها، وكان الإنسان الذكي المجامل.. ويبدو والكلام لفاروق جويدة في «الأهرام»، أن الغيرة أطاحت بقلوب كثيرة، وبدأت مواكب التآمر تتسلل إلى الوطن الجميل، وبدأت دول كثيرة تطمع أن تصبح لبنان وأن ترث دوره.. وكانت الحرب الأهلية التي دمرت أجمل ما فيه وقسمت الشعب اللبناني إلى مسلمين ومسيحيين، وشيعة وسنة، والموارنة، وانقسمت الشوارع والبيوت والقرى. لم يعد لبنان الذي كان، وطالت الانقسامات كل طوائف المجتمع بما في ذلك رموزه السياسية. وقامت حملة ضارية نهبت أموال لبنان وثرواته. وكانت إسرائيل تتربص وتنتظر فرصة الانقضاض على لبنان الدور والطبيعة والثراء، واقتطعت أجزاء من أخصب الأراضي وبقي حلمها أن تأخذ لبنان كله. وهنا كان ظهور حسن نصر الله منذ ثلاثين عاما من نيران الحرب الأهلية وأطماع إسرائيل، وتخلي العالم العربي وانقسام النخبة اللبنانية. حسن نصر الله لم يكن عربيا ولا فارسيا ولا شيعيا ولا سنيا؛ كان مواطنا لبنانيا عشق الوطن الجميل والأرض الطيبة والشعب العريق، وأصبح ضيفا في كل بيت. حسن نصر الله كان فكرا قبل أن يكون عقيدة، وكان حالما كبيرا في زمن أجهض كل الأحلام.. أن الأفكار العظيمة لا تموت، والإنسان الذي مات دفاعا عن وطن وقضية، سيبقى حيا في ضمير كل عشاق الحياة.. لا يمكن أن تتساوى نهاية دماء طاهرة سالت على الأرض دفاعا عنها، ودماء باعت واستسلمت. كان حلم حسن نصر الله أن يدخل القدس حاملا راية صلاح الدين، وسوف يجيء اليوم الذي تتدفق فيه الملايين تقودهم للنصر روح حسن نصر الله، لأن الشهداء عند ربهم يرزقون.

لا حدود لجلدهم

فى مواجهة الفلسطينيين، وقفت الثقافة العسكرية الإسرائيلية، حسبما لاحظ الدكتور عمار علي حسن في «الوطن» عند حدود التطويق والاختراق المحسوب على الأرض، والقصف المفرط من الجو والبحر. ففي حرب 1948 كانت القوات الإسرائيلية تطوق القرى والبلدات الفلسطينية من ثلاث جهات، وتترك جهة رابعة للخروج والهروب، ثم تتوغّل ضاربة بشدة، وفق طريقة عُرفت بـ«حدوة الفرس»، محقّقة بها هدفها في تهجير الفلسطينيين من قراهم. وفي الضفة الغربية أقامت إسرائيل جدارا عازلا عنصريا، يؤدي دورا دفاعيا من الناحية العسكرية، إذ يحرم أي مجموعات فلسطينية مقاتلة من تنفيذ هجمات مباغتة. أما المداهمات التي تقوم بها تجريدات عسكرية إسرائيلية بين حين وآخر للمدن والمخيمات والقرى، فقد كانت تتم بحذر، ووسط تأمين لتقدّم القوات، لمنع خسائرها أو تقليصها إلى أدنى حد، وكانت تقوم أحيانا بهدم بيت أو بيوت قليلة، لتسهيل تقدّمها، أو تأمين تمركزها. أما في غزة فقد عانت القوات الإسرائيلية، من هجمات مباغتة لقواتها ومستوطناتها قبل أن تضطر إلى تفكيكها والانسحاب من القطاع نهائيا عام 2004. وركزت إسرائيل في حروبها اللاحقة ضد غزة على القصف الجوي، أو التوغّل البري الخاطف والمحسوب، وهو ما تغيّر في الحرب الراهنة من خلال اجتياح بري كامل من عدة محاور، بعد قصف عنيف هدمت فيه أحياء سكنية بكاملها. وكانت إسرائيل تريد من وراء هذا الهدم المنظم أن تُجبر السكان على النزوح، إما للتخلية بين قواتها والمقاومين، تحت الأرض أو فوقها، أو الدفع في اتجاه تحقيق الهدف الأكبر المتوارى، وهو تهجير أهل القطاع بشكل تام، لتحويله كاملا أو تحويل جزء كبير منه إلى مستوطنات مرة أخرى، إلى جانب تحقيق نصر عسكري سريع باستخدام نظرية «الصدمة والرعب»، أو الانتقام من أهل غزة جميعا، الذين نبتت بينهم المقاومة.

حدث العكس

هذا الهدم المنظم للمباني، الذي لم يشهده العالم منذ الحرب العالمية الثانية، جاء هذه المرة أشد وطأة، نظرا لضيق المساحة الجغرافية لغزة، لم يلبث أن تحول، حسب عمار علي حسن، إلى واحد من الأسباب المهمة لتبديد الأهداف الإسرائيلية برمتها، سواء في التهجير أو القضاء المبرم على المقاومة، حسبما أعلنت إسرائيل في اليوم الأول للحرب، أو على الأقل إثارة الفزع والغضب العارم بين السكان، بغية نزع الحاضنة الشعبية عن المقاومين. فالأحياء السكنية المهدمة عززت الصورة المتوحشة للقوات الإسرائيلية، جنبا إلى جنب مع دم الأطفال والنساء والعجائز، وقصف المستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس ومراكز الإيواء، وكل هذا نبّه العالم إلى مسألة تهجير الفلسطينيين. في الوقت نفسه منحت المباني المهدمة المقاومة فرصا للحركة، التي تعتمد بالأساس على الفرد المقاتل، أو الراجل المسلح بسلاح خفيف، لمباغتة تجمعات القوات الإسرائيلية، لاسيما في ظل إصرارها على التقدّم للوصول إلى ما تقول إنها بدايات الأنفاق. في الوقت نفسه، لم يحل هدم المنازل، الذي يشير تقرير للأمم المتحدة إلى أن إعادة بنائها قد يستغرق عقدين من الزمن على الأقل، دون إصرار السكان على البقاء في أماكنهم، حتى لو نصبوا خياما فوق أطلال بيوتهم، وحتى حين اضطروا إلى النزوح عنها، لم يلبثوا أن عادوا إليها حين سنحت لهم الفرصة لذلك. ووفّر وجودهم هذا حاضنة شعبية ودعما لوجيستيا للمقاومة المنتظمة والمدرّبة، أو لمقاومين متطوعين انخرطوا في القتال مع طول أمد الحرب. لقد زاوجت المقاومة بين الاستفادة من تكتيكات «حرب المدن» و«سياسة الأرض المحروقة» التي صنعها الجيش الإسرائيلي نفسه، بهدم أحياء كاملة بغية الاستيلاء التام عليها، فحدث العكس تماما. طوق الركام الإسرائيليين وجعل هجومهم يحتاج إلى المزيد من المقاتلين، وصار بالنسبة لهم أكبر شَرك خداعي.

الجرح اللبناني

كلما تجولت الطائرات الحربية الإسرائيلية، في سماء لبنان من جنوبه إلى شماله ومن شرقه إلى غربه، يقوم أحدهم أو كثر منهم بتكرار الخطاب نفسه، بل الذي أصبح كما تشبهه خولة مطر في «الشروق» بالأسطوانة المشروخة؛ لو لم يتدخل هذا الفصيل، أو ذاك، أو لو لم يكن هذا أو ذاك لما دخل لبنان في هذه الحرب غير المتكافئة، ثم يذرفون بعض الدمع البارد مثل خطابهم ويتكئون على جروح الوطن، بل الأوطان ويعيدون البكاء المصطنع على من راح ضحية هذا العدوان الإسرائيلي، الذين يرفضون استخدام التعبير الأصح له وهو حرب الإبادة الصهيونية على فلسطين ولبنان. تتكرر هذه السردية التي لم يعد حتى أفيخاي أدرعي يتجرأ على استخدامها إلا وأصبح مادة للسخرية أو النقد في إعلامهم، قبل أي إعلام عالمي – إذا كان قد تبقى منه من يتقن فن ملاحقة الخبر والبحث عن الخلفية وهي ألف باء العمل الصحافي الحق الذي اختفى وأصبح شيئا من فعل الماضي البعيد. يقف ذاك في منزله في تلك الضيعة الساحرة في حضن الجبل وأمام الميكروفون يردد «حرام أهل لبنان يدفعون ثمن الوقوف مع فلسطين». وبعضهم يقول ما لنا وما لهم فليخوضوا حروبهم بنفسهم. لنتفق أن هناك فصائل سياسية في لبنان لها تاريخ من العلاقات مع الكيان، لم تبدأ بوقوفهم فوق جثث الأبرياء في صبرا وشاتيلا في عام 1982، ولم تنتهِ بعد ذلك في معارك وحروب يفتحها الصهيوني المتعطش للسير في مشروعه القديم جدا للتمدد عبر كل تلك الحدود التي صنعتها سايكس بيكو، وحتى ما بعدها للوصول إلى منابع النفط والاقتصادات والأسواق المفتوحة على مصراعيها لاستقبالهم.

تبرئة القتلة

«ليس الواحد منا بحاجة إلى نبش ذاكرته أو أوراقه أو مكتبته، ليضع قائمة طويلة من التواريخ المحفورة بالدم لمجازر ارتكبت على أرض فلسطين ولبنان ومصر وسوريا، وكثير من الدول العربية الأخرى»، ولكن لنبقَ حسب خولة مطر، في لبنان حيث انتشرت في الأيام الأخيرة، والقلب يعتصر على أهلنا هناك، تصريحات وتحليلات ومقالات وبرامج حوارية هدفها الأول والأخير تبرئة الصهيوني من فعل الإبادة والمجازر ولوم الضحية على أنها قاومت الموت ومشروعه. كنت في بيروت بعد مجزرة صبرا وشاتيلا، وكان الدم لا يزال نقيا على الجدران والصور التي يرويها بعض الناجين وهم قلة أو بعض المسعفين. ثم ما بعدها مجزرة قانا وما بعدها حتى الحرب في 2006، ويبدو أن ما يحدث الآن من حرب على لبنان من جنوبه لبقاعه لكله، ما هو إلا تاريخ يعيد نفسه بأسلحة أكثر فتكا ودموية وبشاعة ومطاردة للأبرياء، تحت ذرائع أن المقاومين يختبئون في مباني الضاحية، كما قالوا إن مقاتلي حماس يختبئون في مستشفى الشفاء في غزة.. ما يحدث الآن ليس بعيدا عن ذاك، وهنا بعض مقتطفات أردت فقط أن أعيد بها التذكير لمن يبحث عن مبرر للصهيوني ليقتل الأبرياء من الأطفال والنساء والرجال، أو لمن يشمت في حضرة الموت الإنساني، أو لمن يريد أن يصطاد صورة هنا أو منصبا هناك على حساب أهله وناسه وربما البشرية كلها. هنا فقرة مما كتبت تذكرتها وسكان الجنوب ينتقلون بين صاروخ وآخر: (اكتظت الجثث في الجنوب.. صرخ الجنوبيون لا ترسلوا لنا حليبا ولا خبزا، بل أكفانا وتوابيت، لم يعد كل قماش الكون وخشبه يكفي ليحتضن تلك الجثث التي بقيت تحت الركام لأيام تنتظر أن تفسح لها السماء مساحة ليدخلوها في باطن الأرض فترتاح.. عادت الغارات تنتقي القرى والضيع واحدة تلو الأخرى من أقصى الجنوب حتى أواخر الهرمل.

ماذ لو؟

إذا لم ترد إيران وحزب الله على الضربات الإسرائيلية النوعية في الفترة الأخيرة، فسوف تكون إسرائيل قد حققت وفقا لعماد الدين حسين في «الشروق» العديد من الأهداف الاستراتيجية، وأهمها ترميم صورة ردعها التي سقطت سقوطا مريعا، في صبيحة السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بعملية طوفان الأقصى التي نفذتها فصائل من المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. في هذا اليوم 7 أكتوبر تمكن المقاومون الفلسطينيون من مرمغة سمعة إسرائيل العسكرية والاستخباراتية في التراب. دخلوا مستوطنات غلاف غزة وقتلوا نحو 1200 شخص، وأسروا أكثر من 250 شخصا، بل بثوا بعضا من عمليات أسر الإسرائيليين على الهواء، وهم عائدون بهم إلى غزة، وربما أن أحد أهم أسباب الوحشية الإسرائيلية في عدوانها على قطاع غزة، هو محاولة استعادة الردع المفقود، ولذلك قتلت أكثر من 41 ألفا، وأصابت أكثر من 102 ألف، ودمرت أكثر من 80% من مباني ومنشآت غزة، وحولت ثلثي الفلسطينيين هناك إلى نازحين. هي قتلت الفلسطينيين في المستشفيات والمدارس وبيوت العبادة والشوارع والمناطق التي حددتها بأنها آمنة، والهدف استعادة هذا الردع الضائع. حزب الله اللبناني ساند الفلسطينيين بقوة ودخل الحرب من اليوم الثانى للعدوان في 8 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. صحيح أن الاشتباكات والضربات كانت محدودة ومنضبطة، لكنها عمليا استنزفت إسرائيل وهجرت نحو 80 ألفا من سكان شمالها يقيمون في فنادق في مدن مختلفة، ويكلفون الميزانية الكثير. طوال هذا الوقت قتلت إسرائيل أكثر من 500 عنصر من عناصر الحزب في الجنوب اللبناني. وبينهم 3 من كبار قادة الحزب الكبار، وهم محمد نعمة ناصر وسامي طالب عبدالله ووسام الطويل.

أخطاء قاتلة

ابتداء من 30 يوليو/تموز الماضي، بدأت إسرائيل في تغيير نوعي في عملياتها وهجماتها ضد حزب الله، حينما اغتالت القائد العسكري للحزب فؤاد شكر في الضاحية الجنوبية، علما بأنها اغتالت في المنطقة نفسها صالح العاروري الرجل الثالث في حركة «حماس» وقائدها في الضفة الغربية في يناير/ كانون الثاني الماضي. كما اغتالت فؤاد شكر في يوليو/تموز الماضي. ذكرنا عماد الدين حسين باغتيال إسرائيل إسماعيل هنية في قلب العاصمة طهران، وقبل ذلك قتلت محمد رضا زاهدي، القيادي في فيلق القدس، بغارة على القنصلية الإيرانية في العاصمة السورية دمشق، أول أبريل/نيسان الماضي. وتيرة التغير النوعي زادت بصورة ملحوظة قبل أسبوعين، حينما تمكنت إسرائيل من تفجير أجهزة «البيجر» التي تحملها عناصر حزب الله فقتلت 40، وأصابت نحو 2800 عنصر بإصابات مختلفة. بعد هذه العملية بثلاثة أيام، تمكنت إسرائيل من استهداف هيئة أركان حزب الله بزعامة إبراهيم عقيل الرجل الثالث في الحزب عسكريا. كان البعض يعتقد أن هذا هو أقصى ما ستفعله إسرائيل، لكن أخطر ضربة جاءت يوم الجمعة الماضي، باغتيال حسن نصر الله، ومعه مجموعة من قيادات الحزب، إضافة إلى استهداف البنية العسكرية للحزب خصوصا الصورايخ ومنصات إطلاقها. هذه العملية هي ربما أخطر تطور في الصراع بين إسرائيل وحزب الله منذ تأسيس هذا الحزب عام 1982 في العام نفسه الذي اجتاحت فيه قوات الاحتلال الإسرائيلي بيروت بعد إخراج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة الرئيس الراحل ياسر عرفات. لم يتخيل كثيرون أن تصل إسرائيل إلى حسن نصر الله، لكن ظني أنها أرادت أن تقنع الإسرائيليين أولا والعرب ثانيا والعالم ثالثا أن يدها ما تزال طويلة وقادرة على الوصول إلى أي مكان في المنطقة، وهو ما قاله نصا نتنياهو، أمام الأمم المتحدة بعد أن أعطى الأمر باغتيال نصر الله.

احترام مكان العمل

تعودنا احترام مكان العمل. تعودنا على اعتبار مكان العمل بيتنا الثاني، الذي نعيش من خيره في بيتنا الأول وحياتنا كلها. هذه القيم والأخلاق حسب الدكتور محمد حسن البنا في «الأخبار» يحكمها الضمير قبل القانون، فإذا غابت القيم والأخلاقيات، أصبح القانون هو الرادع لكل من تسول له نفسه خيانة الأمانة التي وكل بها. وقد أحسنت الحكومة حين وضعت نصوص ولوائح وآداب ومواثيق شرف لكل مهنة. إذا غاب الضمير يكون النص القانوني الرادع. فإذا كنت تعمل في مستشفى فلتعلم أنك لست في ملهى ليلي. لهذا كان تحرك وزارة الداخلية ونقابة الأطباء فوريا في واقعة التحرش في أحد مستشفيات الأقصر. تم ضبط طبيبين متهمين بالتحرش بالمرضى، وفق ما نشر على وسائل التواصل الاجتماعي من فيديوهات يتحدثون فيها عن التحرش بمريضاتهم في العيادات وفتيات في الشارع. الغريب أن أحد الأطباء المتورطين هو من نشر الفيديو والمقاطع الصوتية في حسابه على منصة «إكس»، ليقابل بموجة هجوم شديدة، دفعته لحذفها، لكن مستخدمين آخرين أعادوا نشرها وطالبوا بمحاسبتهم. وسارعت نقابة الاطباء بفتح تحقيق في الواقعة وأعلن الدكتور أسامة عبد الحي نقيب أطباء مصر استدعاء الأطباء المتهمين والتحقيق معهم أمام لجنة آداب المهنة، «إذا ثبت أن هؤلاء الأشخاص أطباء؛ فإن ما فعلوه يعد جريمة». قال: هذا الفعل ليس مخلا بقيم المهنة فقط، بل بكل القيم الدينية والأخلاقية والمجتمعية. وعقوبته تصل إلى الشطب النهائي من النقابة والحرمان من ممارسة المهنة، هؤلاء الأطباء يجب تهذيبهم وتأديبهم، أو علاجهم، إذا كانوا مختلين نفسيا، والسجون صممت لتأديب وردع كل من يفكر في ارتكاب فعل خاطئ. أظهرت التحقيقات الأولية أن أحد الطبيبين المقبوض عليهما كان يعمل في إحدى المؤسسات الطبية التابعة للهيئة العامة للرعاية الصحية في الأقصر. وقد تقدمت إحدى السيدات بشكوى في مكان عمل الطبيب، واتهمته بالتحرش بها أثناء توقيع الكشف الطبي عليها. وتم فعلا إجلاء إداري للطبيب وتعيين طبيب آخر مكانه. الحكومة يجب أن تفعل قوانين العمل ولوائحه، وكذا مواثيق الشرف لكل مهنة، وأن تعود لتطبيق نصوص الكشف عن المخدرات في أماكن العمل.

مصر ياعبلة

ليس أعظم، وفق ما قاله مصطفى عبيد في «الوفد»، من سيرة فنان، يعيش من أجل الجمال، ينكسر مع المواجع، ويشتعل لنثر ذرات الحسن يمينا ويسارا. كذب الزعماء، الساسة، وقادة الحروب، والمصفقون للطغاة، وهم يسودون لنا الصفحات تاركين مذكرات تبرير وتجميل وكذب. سحرتني من قبل مذكرات نجيب الريحاني، وفاطمة اليوسف، ويوسف وهبي. وسعدت أيما سعادة قبل سنوات قليلة بصدور مذكرات عزة فهمي عن الدار المصرية اللبنانية، واليوم تبهرني دار الشروق بمذكرات فنان ساحر، ومبهر، وجميل وهو محمد عبلة، بعنوان جذاب هو «مصر يا عبلة». تبدو سيرة الفنان في بلادنا سيرة مقاومة دائمة. وهي مقاومة لعراقيل جمة. فهي أولا مقاومة لمجتمع لا يأبه كثيرا في ظل الهموم المادية الحياتية بقيمة الفن، ويعتبره رفاهية وأمرا ثانويا. وثانيا لمؤسسات رسمية تدعي احتضان الإبداع وتشجيعه وتحفيزه، وفي حقيقة الأمر هي تتاجر به، وتستغله، وتحاول توظيفه لمآرب لا علاقة لها بالفن والذوق والجمال. وثالثا وذلك الأهم لتيار ديني، مُساق، ومصمت، ومُنغلق، ومخاصم لمعالم الحضارة ومعاد لقيم العصرنة، تحت باب «شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». بهذا المنطق قاوم محمد عبلة عقبات الفن في طريقه مدفوعا بفورة المحبة للجمال، وحماسة الإيمان بأهمية الفن وقدرته على تغيير البشر، والبلدان، والعوالم. ما الفن سوى راية تحدٍّ لكتائب القبح المستعرة والمنتشرة والمنتشية بمجازر التحضر شرقا وغربا.

طريق الأشواك

كان أول تحدٍّ جابهه محمد عبلة من وجهة نظر مصطفى عبيد، عندما اختار الفن، واختاره الفن، هو مقاومة وصاية والده وإصراره على إلحاقه بالكلية الحربية. كان منطق والده واضحا في بدايات السبعينيات، حيث استقر النظام الذي أسسه ضباط يوليو/تموز، وصار كل شيء، إذ سأل ابنه عندما عرف أنه يريد دخول كلية الفنون الجميلة لأنه يحب الرسم: «هل سمعت من قبل عن رئيس مدينة أو محافظ خريج فنون جميلة؟». وأضاف والده «رئيس البلد كلها واحد من الجيش. هل هناك فنان أصبح رئيسا للجمهورية؟ راجع نفسك يا محمد». لكن محمد عبلة، لم يراجع نفسه، وتقبل الدفاع عن اختياره وتحمل تبعاته حتى النهاية، فترك البيت واستأجر مكانا متواضعا وعمل في النقاشة والخط وكثير من المهن الحرفية لينفق على نفسه طالبا في الفنون الجميلة في الإسكندرية. ثم واجه الفنان تحدي البيروقراطية عندما رفض وكيل الكلية انتقاله من فنون تطبيقية في شهر ديسمبر/كانون الأول، إذ مرت شهور من الدراسة، وكان محمد عبلة معجبا بأعمال فنان سكندري عظيم هو سيف وانلى، وقرر الاستعانة به في هذه المشكلة. وذهب الطالب لباعة اللوحات يسألهم عن عنوان الفنان، حتى وصل إليه دون سابق معرفة، وطرق الباب ليجد رجلا متواضعا ومهذبا يدعوه للدخول. وحكى له عن رفض وكيل الكلية التحاقه بها، رغم حبه الشديد للفن، وتدخل وانلي وهاتف عميد الكلية، وسانده في قبول أوراقه. توالت التحديات في مسيرة الرجل، وكان أصعبها ذلك التمدد في الجامعات والمدارس، للآراء التي تحرم الفنون وتحريضهم ضدها. وكان من الغريب أن بعض الطلبة الذين صادقهم محمد عبلة، وانبهر بأعمالهم في البدايات انقلبوا بعد ذلك إلى ناقمين على الفن والمجتمع والحياة برمتها. لقد أعجب ببعضهم وكانوا نواة لتيار السبعينيات الصاعد من رحم الصراع العربي الإسرائيلي، وتغيرات المجتمع الكبرى، لكن موجة التطرف العاتية ابتلعت كل شيء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية