واقع الحداثة الغربية هو واحد من التطبيقات الممكنة لروح الحداثة

حجم الخط
0

واقع الحداثة الغربية هو واحد من التطبيقات الممكنة لروح الحداثة

روح الحداثة أحدث إصدارات طه عبد الرحمن:منتصر حمادةواقع الحداثة الغربية هو واحد من التطبيقات الممكنة لروح الحداثة روح الحداثة: المدخل الي تأسيس الحداثة الاسلامية هو أحدث اصدارات الفيلسوف المجدد طه عبد الرحمن، والصادر منذ أسابيع قليلة عن المركز الثقافي العربي بيروت/الدار البيضاء (الطبعة الأولي 2006 ـ 287 صفحة من الحجم الكبير) ويأتي هذا العمل ليضع لَبنات الحداثة الاسلامية بعد كتاب سؤال الأخلاق الذي بسط فيه نقده للحداثة الغربية.يسعي هذا الكتاب الي أن يُبصِّر الحداثيين بما هم فيه من تقليد مُطبِق، لفتح فضاء الابداع، وذلك عن طريق التفريق بين ما يصفه المؤلف بـ روح الحداثة التي ينبغي حفظها و واقع الحداثة الذي يمكن تركه الي واقع غيره لا يقلُّ عنه حداثة؛ كما يسعي طه عبد الرحمن من خلال عمله هذا الي أن يُخرج التراثيين بدورهم مما هم فيه من تقليد مُعيق، لفتح فضاء الاجتهاد لهم، وذلك عن طريق تطبيق روح الحداثة علي مقتضي التداول الاسلامي.وفي هذا الشق الثاني رد صارم علي تهمة الأصولية الفلسفية التي وجهها أحد الباحثين لفيلسوف الأخلاق، أما الكتاب في مجمله، فيؤسس لقراءة تفكيكية مغايرة بالمرة مع القراءات العربية والاسلامية التي تطرقت لموضوع الحداثة.الهمة الأخلاقية أقويمن الأمر الواقعبرأي طه عبد الرحمن، بلغ تعلق النقاد العرب بالحداثة الغربية أن توهموا أنها واقع لا يزول، وحتمية لا تحول، وأنها نافعة لا ضرر فيها، وكاملة لا نقص معها، فحجَبهم هذا التعلُّق عن أن يتبيَّنوا ما في كتابه السابق سؤال الأخلاق: مساهمة في نقد الحداثة الغربية من أصول أخلاقية مصحِّحة لمسار هذه الحداثة لم يقلّد فيها أحدا، ونذكر منها الأصول التالية:ـ أن الأخلاق صفات ضرورية يختل بفقدها نظام الحياة لدي الانسان، وليست هي مجرد صفات عرضية أو كمالية لا يقدح تركُها الا في مروءته.ـ أن ماهية الانسان تُحدِّدها الأخلاق وليس العقل، بحيث يكون العقل تابعا للأخلاق ـ أن الأخلاق مستمدة من الدين حتي أنه يحكم بالتناقض علي قول القائل : الأخلاق العلمانية . ـ أن الانسان بموجب أخلاقيته، لا يستطيع أن يتجرد كليا من حال التدين ولو سعي الي ذلك ما سعي. ـ أن الهمة الأخلاقية للانسان أقوي من الأمر الواقع.في ما يتعلق بضيف هذا العرض، فمداره علي الأطروحة التالية: كما أن هناك حداثة غير اسلامية، فكذلك ينبغي أن تكون هناك حداثة اسلامية .فلا يعقل أن يتقرر في الأذهان أن الحداثة تأتي بالمنافع والخيرات التي تَصلُح بها البشرية، وأن تتحقق هذه المنافع والخيرات في الأعيان، ثم لا يكون هذا الجزء النافع منها متضمنا في الحقيقة الاسلامية؛ خاصة وأن الزمن الاسلامي يبقي بمنزلة الزمن الأخلاقي الذي تتحقق فيه ظاهرة الحداثة والذي يتمّم ما نقص في سابق الأزمان من المكارم. تذكروا القول النبوي الشهير: انما بُعِثت لأتمم مكارم الأخلاق ، ويتوقف المؤلف في الهامش عند دلالات الدين الخاتم الخاصة بالاسلام دون سواه، ناهيكم، يضيف د. طه، عن أن كل دين مُنزل يَمدُّ الانسان بأسباب الصلاح في دنياه، فضلا عن أسباب الفلاح في أخراه؛ ليخلص الي ضرورة دخول الحداثة الصالحة في الممارسة الاسلامية. روح الحداثة و واقع الحداثة بسط المؤلف في المدخل التنظيري العام الأصول التي تتأسس عليها نظريته في الحداثة والقائمة علي التفريق بين روح الحداثة و واقع الحداثة ، وتتكون هذه الأصول العامة من ثلاثة مبادئ تتحدد بها روح الحداثة، وهي: مبدأ الرشد الذي يتكون من ركنين هما: الاستقلال و الابداع ، و مبدأ النقد الذي يتكون من ركنين هما: التعقيل و التفصيل ، وأخيرا مبدأ الشمول الذي يتكون من ركنين هو الآخر هما: التوسع و التعميم .وبعد أن فرغ من التنظير، استعرض عمليات التطبيق الاسلامي لروح الحداثة في حالات معينة التزم في انتقائها ـ لأن الأمر ليس بالهزل أو العشوائية ـ بما يصف معيار النموذجية المُثْلي ، ومقتضاه أن الحالات المختارة ينبغي أن تكون أفضل النماذج التي يمكن أن يُجرَي عليها هذا التطبيق.يتفرع الكتاب علي ثلاثة أبواب، واختص كل باب بتطبيق مبدأ واحدٍ من المبادئ الثلاثة لروح الحداثة علي حالتين نموذجيتين، كل حالة تطبّق ركنا من ركني هذا المبدأ. وهكذا تفرَّد الباب الأول بتطبيق مبدأ النقد علي نموذجين أمثلين، خصَّص لكل منهما فصلا مستقلا، وهما نظام العولمة ونظام الأسرة الغربية.وتولي الباب الثاني تطبيق مبدأ الرشد علي نموذجين أمثلين دائما، وهما الترجمة الحداثية والقراءة الحداثية للقرآن.والحق أن هذا الفصل يأتي في زمانه، بحيث نكاد نعجز عن حصر عدد المحاضرات والندوات التي نظمت خلال السنين الأخيرة حول موضوع القراءات الحديثة أو الحداثية للقرآن، كما اختص الباب الثالث بتطبيق مبدأ الشمول علي نموذجين أمثلين كذلك، وهما حق المواطنة وواجب التضامن.لا شك أن التصنيف الجديد الذي وضعه طه عبد الرحمن للترجمات في الفصل الأول من الباب الثاني ما بين ترجمة منطقية و ترجمة دلالية و ترجمة تركيبية يحيل متتبع أعمال هذا الفيلسوف المجدد الي علاقته بالتصنيف الوارد في الجزء الأول من كتاب فقه الفلسفة: الفلسفة والترجمة ، حيث الحديث عن ترجمة تحصيلية و ترجمة توصيلية و ترجمة تأصيلية .والحقيقة ـ وهذا توضيح يشير اليه المؤلف في الهامش، ص 169 ـ أن التصنيفين متقاربان، بل متداخلان، اذ التصنيف الحالي الوارد في روح الحداثة يتعلق بمجال الفكر علي وجه العموم، وقد روعي في وضعه اعتبار درجة الاستقلال المسؤول الذي يتمتع به المترجم؛ في حين أن التصنيف السابق الذي جاء في الجزء الأول من تحفة فقه الفلسفة ، يتعلق بالمجال الفلسفي خاصة، وقد روعي في وضعه اعتبار درجة القدرة علي الابداع الفلسفي التي يمدُّ بها المتلقي؛ كما أنه يقابل بين التصنيفين؛ فالترجمة المنطقية تقابل الترجمة التأصيلية، والترجمة الدلالية تقابل الترجمة التوصيلية والترجمة التركيبية تقابل الترجمة التحصيلية.ولا شك أيضا أن المطلع علي هذا المدخل المهم بالذات، سوف يندهش أو يُستفز عندما يجد أن طه عبد الرحمن لم يذكر المبادئ التي اشتهر تداولها في أوساط الدارسين لظاهرة الحداثة مثل مبدأ العقلانية و مبدأ الذاتية و مبدأ الفردانية و مبدأ الانسانية و مبدأ الحرية و مبدأ العلمانية وغيرها، حيث يعُدُّ طه عبد الرحمن بعض هذه المبادئ متفرعا علي المبادئ التي ارتضاها، وبعضها يدخل ضمن ما يسميه مُسلمات التطبيق الحداثي الغربي .وأحد هذه المبادئ المبتذلة، يضيف المؤلف ـ ونحن نستشهد فقط بالذي جاء في أحد هوامش المدخل التنظيري ص 24 ـ مبدأ العقلانية الذي غلب علي الدارسين من العرب والمسلمين أن يجعلوه المبدأ الأساسي المحدد لحقيقة الحداثة، مقلدين في ذلك أساتذتهم من نقاد الغرب، والواقع أن العقلانية تندرج ضمن الأصول الثلاثة التي أخذ بها المؤلف في تحديد روح الحداثة، حيث تندرج في مبدأ النقد باعتبارها وسيلة له، وتندرج في مبدأ الرشد باعتبارها أصلا له، وتندرج في مبدأ الشمول باعتبارها سببا فيه؛ مما يُخوِّل له الاستغناء عنها كمبدأ مستقل بنفسه، اذ تنزل رتبة غير رتبتها، فهي أعم، وهذه المبادئ أخص؛ والذين جعلوا العقلانية واحدا من مبادئ الحداثة انما وقعوا في تضييق مدلولها، حتي حصروها في النظر الآلي أو الأداتي وحده، مع التذكير بأن العقلانية لم تختص بها الحداثة الغربية كما يُزعَم، ولا لها شكل واحد ولا لها مرتبة واحدة، بل انها ظلت كل يقظة حضارية تَحقَّق بها الانسان علي مدي تاريخه الطويل. وبالنسبة لتخصيص الحداثة بها، فهو خطأ ناتج عن التقديس الذي أحاطه بها بعضهم.الحداثة الحقة تُبتَكر من الداخلنأتي لزبدة مدخل الكتاب، وتتفرع علي طبيعة التعريف الذي ساقه المؤلف لروح الحداثة، ونوجزه في النتائج التالية:ـ كون روح الحداثة تختلف عن واقع الحداثة.ـ وأن واقع الحداثة الغربية هو واحد من التطبيقات الممكنة لروح الحداثة.ـ أن روح الحداثة متأصلة انسانيا وتاريخيا.ـ أن الأمم الحضارية كلها تستوي في الانتساب الي روح الحداثة.ـ أن واقع المجتمعات الاسلامية هو أقرب الي الحداثة المُقلِّدة منه الي الحداثة المبدِعة.ـ أن الحداثة لا تُنقل من الخارج، وانما تُبتَكر من الداخل.ـ وأخيرا، كون ابتكار الحداثة الاسلامية الداخلية يستلزم ابطال المسلمات التي صاحَبت تطبيق الغرب لروح الحداثة، وأدخلت عليه آفات تختلف باختلاف أركان هذه الروح، ولا يسعنا الا أن نسرد استشهادا موجزا لهذا الابطال، وجاء في ست نقاط: ابطال مُسلّمات الاستقلال الغربي وصاية الأقوي ليست عناية بالأضعف والوصاية في الداخل قد لا تكون وصاية رجال الدين، وابطال مسلمات الابداع الغربي الابداع لا يقتضي الانقطاع المطلق، لأن الحداثة الحقة هي حداثة قِيَم لا حداثة زمن، وابطال مسلمات التعقيل الغربي العقل لا يعقل كل شيء، وابطال مسلمات التفصيل الغربي لا اطلاق في الفصل بين الحداثة والدين، ولا اطلاق في الفصل بين العقل والدين ولا محو للقدسية من أفق الانسان وابطال مسلمات التوسع الغربي التطبيق الغربي لروح الحداثة ليس واقعا حتميا، لأن الانسان أقوي من هذا التطبيق وأخيرا، ابطال مسلمات التعميم الغربي روح الحداثة لا توجب التفكير الفرداني، والحداثة العلمانية لا تحفظ حُرمة الأديان، وليست كونية قِيَم الحداثة الغربية كونية اطلاقية، وانما كونية سياقية. لِمَ الاشتغال بالتطبيق الاسلامي لروح الحداثة، وقد انتقلت الانسانية من طور الحداثة الي طور الما بعد حداثة ؟ اعتراض مشروع علي الأطروحة الناظمة لكتاب روح الحداثة ، وقد خُصِّصت خاتمة أحدث مؤلفات طه عبد الرحمن وجاءت تحت عنوان سؤال المشروعية للرد علي كذا اعتراض يجيب د طه عن هذا الاعتراض علي أربع مراتب، أكد في أولاها كيف أن الأمة الاسلامية تحتاج الي أن تتعامل مع المفاهيم المخترَعة التي شاع تداولها عند الأمم الأخري وأن تخرّجَها علي قواعد مجالها التداولي، بدءا من الحداثة و الما بعد حداثة ؛ وأبرز في المرتبة الثانية كيف أن مفهوم الما بعد حداثة ليس له معني واحد، وانما معان عدة؛ وأوضح في المرتبة الثالثة كيف أن وجود الطور الحداثي والطور الما بعد حداثي يقضي بافتراض أصل مشترك ينبنيان عليه، وهذا الأصل هو بالذات روح الحداثة ؛ وأخيرا كشف في المرتبة الرابعة كيف أن التطبيق الاسلامي لروح الحداثة لا يكتفي بأن يكون واحدا من تطبيقاتها الممكنة، بل أيضا يهدف الي الارتقاء بالفعل الحداثي.وبعد أن فرغ من بيان هذه الرتب الأربع، يخلص الي أن الاشتغال بالتطبيق الاسلامي لروح الحداثة اشتغال لا يقل مشروعية عن الاشتغال بالتطبيق الغربي لهذه الروح.كاتب من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية