واقع محروس بأشباح الغياب

ذاك هو «الواقع المجتمعي» «يم» هادر من الثوابت والمتغيرات، نكون معها مطالبين بالوجود خارجه من حين لآخر، كلما أصابت إقامتنا الطويلة فيه لوثة الدوار. علما بأن هاجس الوجود الظرفي خارج محيطه، يظل محض وهم، قد يسعفنا – ما أمكن – بفرصة تغيير زاوية رؤيتنا إلى ما انجلى من مقوماته، أو استتر، عسانا نتدارك بذلك ما يغيب عنا من إواليات اشتغاله.
فتغيير زاوية الرؤية، يعني مبدئيا تنويع وتجديد تموضعنا فيه، بما يسمح بتوسيع مجال الرؤية، والكشف عن المزيد من بؤرها الاختبارية، المساهمة عمليا في توسيع حقل اشتغال الدلالة. الأمر الذي سيظل عصيا على التحقق، كلما استمرت الدوامة في إحكام قبضتها عليك، حيث تكون مكرها وضدا عليك، للتفاعل الآلي مع المنبهات الكيدية، التي تشحنك بها ملحقات الجزئي العابر والمفاجئ. وهي المنبهات ذاتها التي يتأجج بها تباعا أوار ‘الدوامة». هكذا ودون حاجة لأن تكون معصوب العينين، ستجد نفسك خلسة معفى تماما أو تكاد، من تحمل مسؤولية الرؤية، بما يعنيه ذلك من مسلمة طيك الشامل، لكل ما له صلة من قريب أو بعيد بهاجس التأمل أو التفكير.
وهذه مجرد إشارات مبتسرة نسوقها، من أجل إحالة القارئ الكريم على مختلف الخطابات الفلسفية والسوسيولوجية، وكذا الأيديولوجية، التي تفرزها المقاربات المتمحورة حول حركية الواقع المجتمعي، وطبعا دون إغفال الخطابات الدينية والأخلاقية. فبصرف النظر عن تعدد المنهجيات المعرفية الموظفة في مقاربة مختلف الأبعاد التي تتشكل على ضوئها خصوصيته، فإنه سيظل بموازاة ذلك، عصيا على أي تأطير نظري، يهدف إلى اختزاله في أنساق ثابتة، مهما بلغت هذه الأنساق من قوة إجرائية، وذلك بالنظر لتنوع آليات اشتغاله، وتنوع آفاق هذا الاشتغال.
والجدير بالذكر، أن تمنع «الواقع» عن التأطير الآلي، هو أحد العوامل الأساسية المساهمة في تحديد خصوصيته، بوصفه مختبرا ملائما لتفاعل الاختيارات والمنهجيات المتعددة، من حيث اختصاصاتها ومرجعياتها. ويكفي أن نستحضر في هذا السياق – على سبيل المثال لا الحصر- مفهوم السلطة الذي يمتلك في حد ذاته شبكة متاهية ولامتناهية من الدلالات والتأويلات، انسجاما مع تعدد وتنوع السياقات الموظفة فيه. إنه مفهوم واحد من حيث الظاهر، لكنه من حيث العمق يمتلك عشرات الأرواح المتنافرة والمتناحرة. باعتبار أن الواقع المجتمعي هو التجسيد الفعلي والموضوعي لسلطة قادرة على ممارسة عنفها على الأفراد، في الصيغة نفسها التي يصعّد فيها هو أيضا، وتيرة ممانعته الذاتية للعنف الممارس عليه ماديا ورمزيا، من قبل سلطة المؤسسات التشريعية والتنفيذية، التي تدور في فلك النظام. فداخل هذه الدائرة الملغمة بكل أصناف العنف المادي والرمزي، تنفتح ما لا حصر ولا عد لها من المسارات السلطوية والمتسلطة، التي لا يستقيم وجودها العادي والطبيعي، إلا بقوة ردعها وتدجينها لسلطة الآخر، على أرضية تأويلها الخاص لترسانة القوانين المدنية والدينية، فضلا عن التأثير الممارس من قبل سلط القيم والأعراف المكرسة والمتواضع عليها.

أن الهشاشة المزمنة التي يعاني منها المشهد، تمعن في إجبار مؤثثاته الذهنية والسلوكية على تلقي مختلف فصائل الاختراق، الصادرة عن المنابر الداخلية والخارجية، الخبيرة بتقنية تصنيع الخطابات، ما يجرد المنهجية التي تعتمدها هذه النخب، من مصداقية الفهم والتأويل، سواء تعلق الأمر بالأسئلة المطروحة على الذات، أو على الآخر.

فعلى ضوء هذه التجاذبات الطاحنة، التي يفرزها المفهوم الملتبس للسلطة، يمكن قراءة كل ما يموج به الواقع المجتمعي، من خطابات سياسية وثقافية وإبداعية، وقد بدت معززة بأقصى ما تمتلكه من نزوعات هيمنية وإقصائية، متخذة من شعار جدوى «تقبل!» مبدأ الاختلاف، وأيضا من سياق الترويج لقيم للتفاهم والحوار، ذرائع «حضارية «! لمفاقمة كل ما من شأنه تعميق الوعي بحتمية المواجهة المفتوحة على احتمالاتها المتوقعة، أو غير المتوقعة. علما أن السلطة ككل، تندرج ضمن المكونات الأساسية للحامض النووي لدى الكائن المجتمعي.
وإذا ما نحن أخذنا في الاعتبار، تجذر الخطوط العريضة لهذا التوصيف في الواقع العام لدى شعوب الأرض كافة، فإن «المتخلفة» منها «وهي التي تعنينا في هذا السياق» تظل حتما محتفظة ببؤس «خصوصيتها» المعبر عنها أساسا، في تدني وعيها الحضاري والثقافي بمفهوم المصالح العليا المطروحة عليها. وهو مفهوم يفترض فيه أن يكون بمثابة أفق مشترك، تطمح الذات المجتمعية إلى استشرافه، بما يعنيه ذلك من وجوب توافر ميثاق رمزي، يلزمها بتملك كل الشروط المعرفية المؤهلة لتحقيق هذا الطموح، لعل أهمها السعي إلى الارتقاء بمطالب الخطاب من حده البدائي البسيط والساذج، إلى آخر مؤطر بأسئلة الراهن، المنفتح على مدارات الكوني.
وكما هو معلوم، فإن الحد البدائي ـ بالنسبة للمجتمعات المتخلفة – يحيلنا حتما على دواخل تلك الملاذات المغلقة، التي تستنفد فيها الذات طاقتها باستسلامها الكلي لإكراهات كل ما هو «طارئ» يهيمن فيه قلق تأمين ما قل من حاجيات المعيش ومقتضياته. الشيء الذي يؤثر سلبا في إمكانية امتلاكها لخطاب قابل للاندراج في مسارات استشرافاتها الحضارية والثقافية. وبالتالي، فإن استحالة امتلاكها للخطاب، يجعلها عرضة للاختراق من قبل «أصداء» الخطابات النشاز، المتهاطلة عليها من ظلمات الأمكنة والأزمنة. ما يؤدي إلى تصعيد الإحساس باستدامة حالة «الدوامة» حيث ما من مجال أو أمل في وضع أي ترسيمة لأي خطاب محتمل، يمتلك حده الأدنى من العقلانية والموضوعية. وهي وضعية من شأنها حرمان خطابات هذه الشعوب الممثلة بنخبها، من حظوة الانتماء إلى خطابات المنتدى الكوني، بالمفهوم الثقافي والحضاري للكلمة. بما تعنيه كلمة الحرمان من نهاية صلاحية مؤهلاتها الفكرية والإبداعية، الشيء الذي يحولها إلى مجرد عبء «كمي» تضيق به حركية المشهد، فضلا عن الأعطاب الرمزية التي يلحقها بدواليب عربتها، المكتظة كالعادة بأشباح حماة الهوية، وغيلان النهب.
إن دورها ومن هذا المنطلق، ينحصر أولا وأخيرا في معاينة ما يحدث هناك في العالم المتقدم، والاكتفاء بالتفرج على مجرياته، دون امتلاك حق الانتقال إلى مستوى المشاركة في «المايحدث» سواء بالنسبة للبرمجة، التخطيط، أو الإنجاز. مع الأخذ بعين الاعتبار، أن كلا من المعاينة والتفرج، لا يخضعان هما أيضا إلى أي مقومات عقلانية، يعتد بها في هذا السياق.
غير أننا لا نلبث أن نصطدم برؤية النخب ذاتها، وهي تجاهر باحتجاجها على ما يوجه إليها من نقد جارح، مستميتة لتأكيد «إيجابية» حضورها في المشهد، بكل ما طالته إمكاناتها من وسائل ووسائط، غالبا ما تكون مطبوعة بالارتجال والعشوائية، المفتقرة إلى الحد الأدنى من بعد النظر وسداد الرأي. ذلك أن الهشاشة المزمنة التي يعاني منها المشهد، تمعن في إجبار مؤثثاته الذهنية والسلوكية على تلقي مختلف فصائل الاختراق، الصادرة عن المنابر الداخلية والخارجية، الخبيرة بتقنية تصنيع الخطابات، ما يجرد المنهجية التي تعتمدها هذه النخب، من مصداقية الفهم والتأويل، سواء تعلق الأمر بالأسئلة المطروحة على الذات، أو على الآخر.
وهو في نهاية المطاف، تجريد يدمي ويعمي ما تبقى من بصيرتها المعرفية، ليزج بها في دوامات سجالات، لا قبل لها بمقاربة فوضى الأنساق التي يعج بها الواقع، كما لا قبل لها باستيعاب دلالة الخطابات التي لا تتوقف آلة الفكر الغربي عن إغراقها بها.
وتلك هي أنكى القطائع التي يمكن أن تقع أولا: بين مكونات النخب، ثم بينها وبين مكونات الواقع، بفعل عمق الفجوة الفاصلة بينهما، التي يتعذر ردمها جراء استفحال ظاهرة التوسع الحثيث والعبثي، لشبكة سلط هجينة متنافرة الجبهات، والمرجعيات والغايات. شبكة مأهولة بكائنات هجينة وسعيدة بتبادل شراسة النهش، داخل فضاءات مسيجة بأشواك الأمية، ومحروسة بغيلان النهب.

شاعر و كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية