تحت السماء الرمادية كانت المدينة تنتحب في قلبه وهو يسير إلى المقهى الأول الذي جمعهما منذ سنوات، لم يكن يرى سواها، مرّ الترام العتيق من أمامه فلم يرَ في ازدحامه سوى وجهها وهي تقف بين الجمع المتأفف من قصدير شمس المدينة الذي يلفح الوجوه من الشبابيك، بينما يسير الترام بطيئاً، كأنما رحلته بلا نهاية. في هذا الترام نفسه أمسك بيدها للمرة الأولى ليحميها من السقوط حين رنّح جسدها الصغير باهتزازته فدفنت وجهها في صدره خجلى وسعيدة، كان البحر وجهتهما. أمام البحر سار وحيداً، يلاحق وجهها، أو يلاحقه، كانت تخرج له من أمواجه، كأنما أتت له من الساحل الآخر، من الجهات القصية، لتعاود عهدها له بأنهما معاً وأن لا شيء سيفرقهما سوى الموت. ها هو أول زائرٍ عابر دق أبواب أسرتها قد فرقهما لا الموت.. غادرَ البحر سائراً إلى سوق المدينة. طالع فتارين ‘عمر أفندي’ و’صيدناوي’. من هنا اتفقا أن يُجهّزا البيت الذي سيجمعهما، صحيحٌ أنه لم يستطع توفير بيتٍ عبر أربع سنوات أمضياها معاً، بينما يُراكم الجنيهات القليلة مقتطعاً إياها من شرايين حياة لا تعرف الوفرة أو الترف، في مدينةٍ استمرت تسخر منه بقسوةٍ بالغةٍ وهو يقطعها من أقصاها إلى أقصاها باحثاً عن سكنٍ بجنيهاته القليلة، كان يتساءل بينما يذوب في زحام بشرِها.. أين يسكن ويعيش كل هؤلاء؟ في الطريق من الوظيفة العتيقة إلى بيت أسرته لم يكن يرى سوى الأحجار في الطريق الذي ينكفئ على نفسه. يركلها شارداً ويداه في جيبه، حتى يصل إلى البيت الذي شحب دهان حوائطه وتسللت الرطوبة إلى أركانه. يدلف إلى النوم، واثقاً من أنها ستأتيه في المنام. يصحو دون أن يراها. دون أن يحلم بشيء. بين الأشجار المتساقطة الأوراق في الحي القديم القريب من البحر، جلس على المقعد الحجري، خال كل شيءٍ حوله متحجراً، البيوت والوجوه والعابرين والمحال، كل شيءٍ تحجّر في روحه عدا وجهها، حيٌّ يخفق. كانا يجلسان هنا، هي ربيع يزهو في يديه، وتحتمي بظله، وكانت منتهى الأشياء وأعذبها. الآن اختفت كأنما ابتلعتها المدينة. على المقهى أغلق الصحيفة التي قرأها بذهن شارد، وأنهى احتساء كوب شايه الثاني، لم يستطع حلّ الكلمات المتقاطعة. شعر بدوارٍ خفيف وهو يطالع وجوه العابرات أمام المقهى لعل واحدةً تشبهها. لم يذهب إلى العمل اليوم، ولم يكترث لتصوُّر وجه مديره الغاضب في اليوم التالي و’لفت النظر’ الذي يُكتب الآن ولا شك في غرفة السكرتارية بالمصلحة الحكومية العتيقة. في طرقات المدينة كان يتبع وجهها شارداً، مرّ بالسوق القديم وشارع البحر ومحطة نهاية الترام، ولا يزال يسير سارحاً خلف ما لا يراه غيره. مرَّ أصدقاؤه على البيت مستفسرين عن غيابه، قالت لهم أمه القلقة إنه لم يعد يرجع إلى البيت بعد العمل، صار يقضي معظم اليوم بالخارج ويجيء للنوم، ذهبوا صامتين، وأغلقت الأم الباب خلفهم وانسابت دموعها، دخلت إلى غرفته تُرتَّب ملابسه القليلة في الدولاب المتهالك وتكنس وتنفض الغبار. فتحت الشباك فارتفعت أصوات المارة في الشارع، وبائعي العربات وأصوات الراديو المتداخلة من المقاهي والمحال المزدحمة، أخذت تتأمل الوجوه، ولم يكن وجهه بينها. عادت إلى أشغالها مطفأة العينين. تحت شمس الظهيرة التي تصب قيظها على المدينة، جلس على الشاطئ يتأمّل انسحاب الرمال في الأمواج التي تسحبها معها إلى أعماق البحر مرةً بعد أخرى. مرَّ بائع الفريسكا حاملاً صندوقه الزجاجي المربع على كتفه العارية وأبطأ أمامه مبتسماً، ليشتري منه كعادته قطعتين ‘لهما’. ظلَّ جامداً كتمثال لا يراه. واصل البائع سيره منادياً على الفريسكا والبسكويت، وغاص في زحام المصطافين والشمسيات والأجساد التي لوّحتها الأشعة القوية، وراحت تتراكض نحو الأمواج. نهض نافضاً يديه من الرمال، تاركاً كوب الشاي الفارغ منغرساً فيها، سار باتجاه المدينة.. الترام أفعوانٌ يتلوّى تحت قيظها، والبشر وجوهٌ مكررة، والمدى رماد. في المصلحة الحكومية كان ‘لفت النظر’ يتحوَّل إلى ‘إنذار بالفصل’، ويدور بين الأختام والتوقيعات والسجلات، وهو بعيدٌ وليس في ذاكرته سواها. في الطابق الثاني من الترام العتيق راح يراقب الشاطئ البعيد، هبطت الذكرى على روحهِ فمنحته سلاماً أدفأها وأقرّها. تركض حافيةً على الشاطئ، تضحك وهو يلحق بطرف ثوبها، فتفلت منه مراوغةً، تحتمي بالشراء من بائع الفريسكا. يتوقف ليلتقط أنفاسه. تحدّثه عن أمها التي تلمّح لها كلما حدّثتها بأن ‘جهازها صار يزحم البيت’ ويجب أن تتزوج سريعاً لتأخذه. تنطفئ ابتسامته ويتأمل الرمال تحت قدميه. تشعر بأنها تثاقلت عليه.. فتلمس وجهه بيدها. تسأله عن أحوال العمل في المصلحة. – لا شيء.. قريباً سنصبح هياكل محنّطة، وستستحيل إلى متحفٍ حي. – لا تكن كئيباً هكذا.. ……. يلفهما الصمت.. يطيّر الهواء بعض خصلات شعرها المتناثر على وجهه. قال إنه قام بحسبةٍ بسيطة فاكتشف أنه يحتاج إلى نحو ثمانين سنة تقريباً ليدخر ثمن شقةٍ من راتبه.. تصمت.. بعد قليلٍ تباغته.. – هل تعرف أنك لم تقل لي نكتةً منذ الصباح؟ ينظر إلى البحر.. كان منسحباً يبتعد إلى الداخل، رمادياً، غابت أمواجه المندفعة. لكزته في كتفه منتظرةً النكتة. نظر لها. – مرة واحد ‘حَبْ’… يصمت برهةً قبل أن يكمل.. – طحنوه! …………………………………………………………… نزل من الترام، سائراً باتجاه المقعد الحجري أمام الكورنيش. مرّت الوجوه جميعها ولم تمر، لم يكن سواها يسكن ذاكرة المدينة في كل ما تقع عليه عيناه وقد حمل الهواء عطرها القديم. لم يكن يراها في اللحظة نفسها تمنح جِنانها وأنهارها لفارسٍ آخر في بيتٍ عامرٍ بالوفرة في قلب المدينة، تماماً كما لم يرَ رسالة فصله من المصلحةِ تُكتب في سرعةٍ على الآلة الكاتبة العتيقة. أمام المقعد الحجري أخرج منديله ومسح مكان جلوسها المعتاد على يمينه، أخذَ يعدّ السفن التي تعبر من بعيدٍ حتى مالت الشمس عن الأفق متجهةً إلى قلب البحر.. نظر في ساعتهِ. قبل الغروب وضع يديه في جيبه وأخرج ما معه من جنيهات. راح يحسب كم حبةً من الفريسكا سيشتري لها، فقد كانت تحبها كثيراً.