والبيدق فكاهة الموتِ في الشطرنج

حجم الخط
0

(إلى أصدقائي السوريين في الأردن)
الحنين
مُذْ ألهمتْ كَتيبةُ عفاريتَ تَنحدرُ مِن مسوخٍ حائرةِ الشكلِ الأنظمةَ العربية جرّ البشرِ إلى الشارع ليصفقوا للربّ الجديد (الرئيس)، غادر البلادَ كُثرٌ، ونسوا فيها أوانيهم الفائضة عن الحاجة؛ قلوبهم مثلاً، من يومها عربد الحنين:

تقول الحكاية:

رجلٌ وامرأةٌ يلعبان الشطرنج في ليلة من ليالي شهر مارس عام 2011 ببيتهما الريفيّ، يناور الرجلُ بتحريك القلعتين والفيلين والوزير، تنتبهُ الزوجة لمحنة البيادق فتبكي.
– ما الذي يُبكيكِ الآن في هذا الليل ؟
– البيدق.

البيدق؛ فكاهة الموتِ في الشطرنج، يسقط البيدق، بيدقان، ثم ثلاثة، حنيناً تسقط البيادق لا بسالةً
‘وحدة البيدق في الشطرنج لا يجوز له الرجوع لمكانه على الرقعة’
الحنين برواية الجدات في المخيمات الفلسطينية ظل يقتل المهاجرين فرداً فرداً ويقودهم لجهة المقبرة، كانوا يُصرّون عليه في نهاية الأمر:
‘فالحنين مسامرة الغائب للغائب،والتفات البعيد إلى البعيد، الحنينُ هو التزويرُ البريءُ للوثائقِ لحمايةِ مرجعيّةِ المنفيِّ من الصدأ،هو الكلسُ الضروريّ لتلميعِ البيوتِ المهجورة’

المهاجرون

كنتُ قد كتبت قصة بعنوان ‘الطوّاف’ وهي قصة تحكي عن رجل يحمل زوّادتهُ معهُ أبداً ويرحل ولا يقيم بأرضٍ إلّا ليتزود لهجرة تقفو هجرتهُ الأولى، سيقابل هذا الطوّاف راعياً عند منحدرات جبال الجنوب فيدور حديثٌ سريعٌ بينهما وينتهي سريعاً كما بدأ:
‘ سيترك الطوّافُ الراعي عند منحدرات الجبال وسيضرب لجهة الشرق،سيسألهُ الفتى إذ يرى الربكة في خطواتهِ :
– وكيف تعرف جهة السفر الجديدة ؟
– بالوجع الذي هنا ويشير الطوّاف لقلبه هذا الذي يقود، فالألم هو الدرب
هذه الحكاية للمهاجرين السوريين من أصحاب العقول (الكردي سليم بركات، الموسيقار مالك جندلي، الفنان سميح شقير، رسام الكاريكاتير علي فرزات ومعهم مئات العقول المهاجرة التي لم تعرف سلطة الحزب الذي ظنَّ أن لا إله إلّا هو قيمتهم.

أعرفهم بخطواتهم

ونفسُ الأرضِ، لا ليست نفس الأرضِ، أنتَ تقرّى من مرَّ بها، من آبَ، ومن ودّعَ، ومن كان كل صباحٍ يَجوزها كالظلالِ وينسى فيها أثرَ نعليه، تقرّاه لتعرف تاريخها.
– تقول الجدةُ تاريخُ الأرضِ شكل النعال التي تعبرها، وماتت المسكينة حافيةً أو كانت تنتعل لحم قدميها
– أثر النعل ليس أثرَ القدم، النعل مع حفظ الألقاب مراتب وسلالات، وتعود تُذخّر منطقها:
والخُطى – مع حفظِ ألقاب النعال – مراتبُ أيضاً
مثالٌ وحيد: أثرُ خُطوة المهاجرِ على الأرض ليس يُشبهُ أثرَ خطوة المقيم مع حفظِ الألقاب ـ مجدداً- للنعال.

‘إلى أصدقائي اللاجئين السوريين في الأردن’

حكاية من بلاد الهنود الحمر

هناك حيثُ تيكل، آغوتيكا كعبتا الهنود الحمر في قلب غابات أمريكا الجنوبية،عاش فلكيو الألفي عام السالفةِ قبلَ عبور الأسطول الإسبانيّ عام 1519 الأطلسي باتجاه أمريكا الوسطى غازياً،هناك فقط صُكت قوانينُ الحروب العادلةِ :
– لا يُشاركنَّ في صراعاتنا العامةُ، الحروب للأمراء والنبلاء والعامةُ كانوا ينظرونَ الحروبَ بقلوبٍ مُشفقةٍ على الزعماء، ويطلبون يد الله:
– يا ربُّ، خُبزكُ المقدس نحنُ، سنقطع أعضائنا لنبذرَ مكانها بذور السلام.
‘هذه الحكاية الصغيرة للأصدقاء في سوريا، أبطال الحراك السلميّ’

النهاية

في الصباح الخامس بعد المائة طافت مائة ألف جثةً حول القصر الجمهوري، جثث جاءت من كل البلاد، حاملةً مشاعل مُطفأةٌ، واستغاثاتٍ طويلةٍ لأمهاتٍ فقدن أعينهن من فرط البكاء:
– ‘سيجثو الرئيس على ركبتيه’ قالت جثةٌ بلا رأس وأكملت مع جمهرات الجثث سيرهُا للقصر
ليلٌ غامضٌ لم يعرف فيه أحدٌ يومها ما الذي جرى،لكن من شهد الواقعة أكد أن حشوداً جاءت تركض من كل الجهات وأنها اقتحمت القصر وداست كل صور الرئيس، وظل الكرسيُّ مكانهُ، خارجاً بدت الأرصفة كما لو أنها تلوكَ الخرسَ من جديد
– تك تك تك
وسيروي دارسوا التاريخ في الشمال وصفاً دقيقاً للبلاد قبل الهجوم بقليل :

في غرف التحقيق

المحقق:
– من كنتَ تقصد بالرئيس ؟
الجثة:
– الرئيس هو الرئيس سواءً أكانَ الجالس في الصفحة الأولى من الجريدة، أو ذاكَ الواقفُ خلف الميكرفون ويتكلمُ عن العدل، الرئيس تناسخٌ بلا نهايةٍ لمسوخٍ حائرة الوظيفة بين دورِ الإله والشيطان
كانت التحقيقات المشفوعةُ بالسريّة تواصل شؤونها في أجساد الناس الذين لم يعودوا خائفين هذه المرة من الإشارة علناً لشخص الرئيس، بينما في الخارج كانت الصورة قد بدأت تتضح، حشودٌ بأيديها معاول وفؤوس تبحث عن ثلاثة أشخاص، الرئيس ومعاونهُ ومُخبر القصر الأمين

كلام الجثث

سكونٌ يُصغي بإذنين من رمل للأصوات الذابلة التي بقيت محشورة في حيز القصر الجمهوري كصدى
– أهرب ؟
– لأيّ جهةٍ ؟
– الماء، كانت حنجرتهُ تتشقق من العطش
قيل:
خرج الرئيس بجروحٍ في جميع أنحاء جسدهِ ومعهُ معاونهُ، وكدليلٍ قياف يحرث أمامهم الدرب مثل كلبٍ أمينٍ مُخبرُ قصرهِ الأمين وكان سليم الجسد .
الكل سيخسر، الرؤساء والعامة، الكلاب، وزوجة الرئيس، وعذراوات الجنوب، وحدهم المشرفون على التعذيب المباشر يُخطئهم القصاص .

*قاص وكاتب عربي
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية