و’النعم’ من هذا التغيير!

حجم الخط
0

في المرحلة الثانوية، حصلت على المرتبة الأولى في المشاكسة في الوقت الذي كنت أتنقل فيه من مدرسٍ لآخر، بسبب طردهم لي وغضبهم من تصرفاتي ـ وكان المدرسون ينوهون لبعضهم عن عدم إستقبالي في الدروس الخصوصية بمجرد سماعهم باسمي ـ، وأحياناً كنت أنا من يتركهم، في الحقيقة كنت أكره المدرس الذي لا يشجع على التدخين وأكره جداً الأستاذ الذي لا يمنح طالبه سيجارة من الحمراء الطويلة والفاخرة بعد الإنتهاء من حصة الرياضيات القاتلة وفي أغلب الأحيان كنت أكتفي بالتشرد في مكياج الآنسات أثناء حصص العلوم المملة في مخبر الثانوية الذي لم أدخله سوى لمرةٍ واحدة بغية رؤية مُدرسة الفلسفة التي كانت من جيلي تقريباً وتدرس بـ ‘ الوكالة ‘.
كذلك الأمر كنت أكره أكثر الأساتذة الذين لا يأكلون الفلافل ولا يدعمون الصناعة الوطنية ولا فرق بين الفلافل والمدرس والأساتذة والآنسات، فكلهم لا يقدرون جهودي في التغيير والطرفة أثناء حياتي الثانوية حينما بدأت بالكتابة في الصحف الكردية المحظورة في سوريا، كان لي فقط صديق فلسطيني يشجعني على الكتابة ويعتبر أول مدرس لمادة الرياضيات في مدينة حلب بعد خبرة أكثر من ثلاثين عاماً وما زال هذا المدرس يزداد شباباً ومن دون حسد. كان ينهي دروسه الخصوصية في الثانية عشرة ليلاً لدرجة كنت أقول له في بعض الدروس بأن أبي الآن قد بدأ بتوزيع بيجامات النوم في بيتنا وسيسجلني غياباً إن لم أذهب.
في نفس الوقت تعرفت على مدرسٍ آخر لمادة الرياضيات عن طريق أحد أصدقائي المشاكسين أمثالي في ثانوية المأمون وقال لي بأن هذا المدرس يملك أسلوباً رائعاً في التدريس ويسمح للطلاب بالتدخين أثناء الدرس، وما جذبني إلى هذا الأستاذ هو التدخين أثناء الدرس، ودون أن أفكر تركت الدروس الخصوصية عند أول مدرس في حلب وألتحقنا أنا وصديقي المشاكس إلى دروس هذا المدرس العبقري الجديد الذي يسمح بالتدخين وكان معهده قريباً من معهد مدرسنا الأول وبقيت محافظاً على صداقتي معه بينما بقي المدرس الآخر الجديد إلى الآن كلما رأى أحداً يعرفني قال له: هذا جوان كيف صار كاتبا !!؟؟ ‘
وبعد فترة قصيرة من معرفتي به طلب مني هذا الأستاذ رقم هاتف مدرسي الأول، وأعطيته الرقم ليتصل به بعد ذلك ويوعدهُ بالغزو، قائلاً وبالحرف الواحد وبالمشرمحي: ‘ والله لأطالعك من كل السريان’ وهذا الكلام على ذمة مدرسي الأول، وأكتشفـــت فيما بعد أنه طالب رياضيات أو ‘ إحصــــاء رياضي’ في السنة الثانية ومن مواليد 1988، لذا من بعد معرفتي بذلك استغنيت عن كلمة ‘أستاذ ‘ أثناء ندائي له في بعض أخطائه الفاضحة كاستبدال محور السينات بالعينات أثناء الرسم الهندسي في دروس الجبر.
وكان هذا الذي يدعي بأنه أستاذ وبأنه سيدع مدرسي الأول لترك حلب ـ وخاصةً حي السريان كونهم جيرانا والله أوصى بسابع جار، يصاحب أحد الأشخاص التافهين من أصدقائي، والذي أنقطعت علاقتي به منذ مدة، هذا الصديق السابق الآن أو ذاك الصديق بالأحرى كان من مؤيدي الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا ومسؤول عن منظمة طلاب جامعة حلب بالرغم من أنه طالب ثانوي فاشل مثلي، وبالصدفة عرفت أيضاً بأن هذا الصديق الفاشل الأعور الذي كان يضع نظارات طبية في عينيه الخائنتين، قد دعا إلى إستقالة عبدالحميد درويش ‘الأمين العام للحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا منذ العصر الحجري’ قبل موجة الربيع العربي بحجة أنه كبير في السن ولا يسمع كثيراً وضعفَ نظره أيضاً دون أن يذكر لنا إن كان عاجزاً عن ممارسة الجنس، فقط كان هذا مطلب صديقي من درويش ليترك المجال للشباب الكادحين أمثاله ـ ليقوم السيد درويش فما بعد حسب نظرته السياسية بطرده من الحزب مع أعضاء منظمة جامعة حلب بشكل كاملٍ ـ بمن فيهم المترجم الأعرج الذي ترجم كتاب قواعد اللغة الكردية ووافق ‘شنُ طبقة’ في صداقة مدرسي الثاني لصديقي الفاشل التافه الأعور دون أن يترك مدرس الرياضيات الأول مدينة حلب حتى تحت القصف وما زال يسرح ويمرح في دروسه الخصوصية في السريان والله يبارك له، في الوقـــت الذي أتجه درويش إلى حضور مؤتمر جنيف دون أن يستقيل من الحزب لترك المجال أمام الشباب وبقي الأعور مع الأستاذ الأجدب فـــي الريف النائي دون ماء وكهرباء ‘وكأنك يا أبو زيد ـ ما غزيت ـ والله والنعم من هيك تغيير من ورا هيك شكيلات’.
جوان سوز

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية