يراودني شعور بالتقصير وقلّة الوفاء والخجل لعدم التطرّق في سياق كتاباتي الوجدانية مؤخرا للانجازات غير المسبوقة التي حقّقتها ‘الثورة السورية’ في جميع مراحلها المجيدة طوال عامين متتالين على الصعد الانسانية والاجتماعية والصحية والاقتصادية، للسوريين الذين يتكاثر وجودهم بشكل مطّرد في الدول المجاورة. لست معنيا ببرهان غليون الذي آلت خطاباته وطروحاته الى دخان ملوّث لمقاهي ارصفة باريس. ولا لعبد الباسط سيدا الذي ساهم في نشر وباء ‘سيدا’ التهجير الممنهج. ولا لعقاب صقر الذي انتهى به الامر الى راع للبقر في مزارع هولندا من كثرة ما وزّعه من حليب ولبن ولبنه للنازحين على الحدود السورية التركية. ولا الى معاذ الخطيب الذي يتنافس امراء المحميات النفطية والمسؤولون الكبار في دول الانتداب الجديد على خطب ودّه واستمرار مأساة الشعب السوري. كل ما سبق لا يعنيني. بل يعنيني العائلات النازحة التي تسكن مرائب السيارات التي تفتقر الى ابسط ضرورات التهوئة والصرف الصحي، والى الاطفال الابرياء المنكوشة شعورهم الذين يرتدون الثياب الرثة ويفتقدون الى أتفه أمور الرعاية الصحية والغذائية الاساسية، وهم تائهون في الازقة الضيقة، ولا تعليم لهم ولا ألعاب. يعنيني الرجال – الذين يعملون او لا يعملون – الذين يحملون ربطات الخبز وعلب السردين والبصل والسكر والشاي، ويفتقرون الى كل شيء تفرضه حياة المدن الحالية منبرادات وغسالات، وتنهب اشتراكات مولّدات الكهرباء وأكلاف الاستئجار ما تبقى في جيوبهم الخاوية. تركوا مزارعهم وماشيتهم وبيوتهم وارزاقهم في مهب ريح ‘الثورة المجيدة’ على بيادر القتل والنهب والتعصّب والرعب. هؤلاء هم من أشاركهم عيش كربتهم ونكبتهم في النفق السوري الطويل والمجهول الذي لا ما زالت الظلمة الحادة بعيدة عن حالة الضوء المرتقب في نهايته. ويعنيني ايضا ظاهرة الضيافة المحيّرة والغريبة للحجاج اللبنانيين عند من يدعى ‘ابو ابراهيم’، على اطراف الحدود السورية/التركية، الذين كانوا في طريق عودتهم مع نسائهم من زيارة للمقامات المقدسة. ويعنيني من يبذر سهول الحنطة ويحرث الارض ويجمع المحاصيل في حرب الارض المحروقة وقطع الرؤوس وانتهاك الحرمات على ايدي القتلة الاشرار. هل هؤلاء ‘الثوار’ سيحكمون سورية ونحيا في كوابيس تزمّتهم وتشتتهم وتقاتلهم! لست في صدد الدفاع عن حزب البعث الحاكم، ولكن لا يمكن ان توصل هذه الفوضى ‘غير الخلّاقة’ سوى الى حال العدمية المخيفة. لا بد من الاحتكام الى العقلاء – وهم كثيرون في سورية – والعودة الى التعقّل، بعيدا عن لغة القتل. انا لا اتوخى نظاما ديمقراطيا لشعب عاش اربعة عقود تحت سيطرة وغلبة حزب واحد، بل ان تتشكّل لجان مناطقية من جميع اطياف الشعب السوري – من خارج حزب البعث وخارج الاطراف المتصارعة – دولة او ميليشات – ويجتمعون تحت رعاية روسية واميركية وصينية وبرازيلية وجنوب افريقية – وفي احد فنادق هذه الدول، من اجل التوصل الى نص دستور يرعى امور الشعب ووحدة سوريا. ولكن، في البداية، من الضروري جدّا وقف تسليح ‘الثوار’ وتحييد الجيش العربي السوري عن اي توريط داخلي، على ان يبقى العامود الفقري لوحدة سورية وسلامة ارضها وامنها الوطني والاقليمي. وليس اللجوء الى حلّه والوقوع في الدهليز الذي انتهى اليه الجيش العراقي على يد الاحتلال الاميركي. سعد نسيب عطاالله – لبنان[email protected]