الفزع يجتاح العالم بمعدلات أسرع من انتشار فيروس كورونا الجديد. وكانت إسرائيل أول دولة في العالم توصي مواطنيها بالامتناع عن السفر للخارج تماما حتى إشعار آخر. بينما حركة السفر والتنقلات بين دول العالم هبطت بشدة خلال شباط/ فبراير. وإذا استمر الحال على ما هو عليه خلال الأيام المقبلة، فإن الاقتصاد العالمي سيصبح على شفا كساد جديد، ليس بسبب عوامل مرتبطة بالسياسات أو بالدورة الاقتصادية، ولكن بسبب عوامل وقائية مالتوسية (نسبة إلى الاقتصادي البريطاني توماس مالتوس) تهدد بموت الملايين طالما لم تتوصل شركات الأدوية حتى الآن إلى لقاحات وأمصال للوقاية والعلاج من المرض المميت.
كل التقديرات بشأن الخسائر التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي تتغير من ساعة إلى ساعة، لكننا إذا افترضنا أن دولا أخرى في العالم قد تلجأ إلى اتخاذ قرار كذلك الذي أعلنته إسرائيل، فإن الاقتصاد العالمي سيصاب بحالة من الشلل خلال الأسابيع المقبلة، إذا توقفت حركة السفر والتنقلات عبر العالم، بما يعنيه ذلك من تهديد لقوة العمل واضطراب في الإنتاج والمبادلات التجارية وحركة السياحة والمعارض والمؤتمرات وغيرها.
ويقدر صندوق النقد الدولي إن معدل النمو في الصين سينخفض بنسبة تقل عن نصف نقطة مئوية إلى 5.6 في المئة هذا العام، لكن هذا التقدير مبني على فرضية ان الفيروس سينحسر بعد الربع الأول من العام الحالي. أما إذا استمر انتشاره فإن نمو الاقتصاد العالمي سيتعرض لضربة قاسية، بينما هو لم يتعاف بعد من الركود الذي يمر به منذ نهاية الأزمة المالية الأخيرة عام 2008.
مؤشرات انتشار الإصابة بفيروس كورونا الجديد خارج الصين تبعث على القلق الشديد، خصوصا في إيران وإيطاليا. فعدد المصابين بالفيروس حتى صباح يوم الجمعة الماضي في العالم قدر بحوالي 83 ألفا، الأغلبية الساحة منهم في الصين (95 في المئة). بينما عدد الوفيات بين المصابين بلغ حتى ذلك الوقت حوالي 2860 حالة، منهم حوالي 2800 في الصين وحدها بنسبة 98 في المئة من العالم. بذلك فإننا نقدر معدل الوفيات بين المصابين على المستوى العالمي حتى الآن بحوالي 15 في الألف خارج الصين، وحوالي 35 في الألف داخل الصين. لكن معدل الوفيات في إيران هو الأعلى في العالم على الإطلاق، إذ يبلغ 10.6 في المئة مقارنة بـ 3.5 في المئة في الصين.
الخطير منذ يوم 24 شباط/فبراير أن معدل انتشار الفيروس خارج الصين تجاوز مثيله فيها، وهو ما يعني مرحلة جديدة من الخطورة تتمثل في سرعة انتشار المرض افقيا على خريطة العالم. ومع ذلك فإن دولتين تثيران قلقا بالغا في الوقت الحاضر هما إيطاليا وإيران. وتعتبر إيطاليا هي الوسيط لانتشار الفيروس في أوروبا، في حين أن إيران تلعب الدور نفسه، وبشكل أشد حدة في الشرق الأوسط. وتبلغ نسبة الوفيات بين المصابين في إيطاليا حاليا حوالي 26 في الألف.
من الضروري أيضا ان نحذر من احتمالات انتشار الفيروس مثل النار في الهشيم في معسكرات اللاجئين والنازحين في سوريا، والمهاجربن غير الشرعيين المحتجزين في ليبيا، إضافة إلى خطورة انتشاره أيضا في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية التي لا تتمتع بنظام رعاية صحية مثل قطاع غزة، أو معسكرات اللاجئين الفلسطينيين بشكل عام التي تعاني بالفعل من قصور في الخدمات الصحية وتدهور خدمات الصرف الصحي والنظافة أو غيابها. لذلك فإن الحد من انتشار الفيروس يمثل حتى الآن السلاح الأول.
إن الفيروس الذي ظهر في الصين، ثم انطلق ليكتسح العالم، أصاب المجتمعات والحكومات والمنظمات الدولية بالفزع، ونزل على الأسواق مثل الصاعقة. ففي الصين توقف العمل واقيمت الحواجز بين المدن، وتم تقييد حركة القطارات، وتخفيض رحلات الطيران أو وقفها تماما، وتعرضت مراكز التسوق لحالة من الشلل، حتى عيادات الأطباء توقفت عن العمل، ولجأ المرضى إلى الخدمات الطبية اونلاين.
فوائد وخسائر
ولأن مصائب قوم عند قوم فوائد، فإن شركات الخدمات الطبية الإلكترونية، التي تقدم الاستشارات عبر الإنترنت حققت مكاسب هائلة منذ بداية أزمة انتشار الفيروس في الصين. وقدرت شركة علي بابا للخدمات الطبية أنها قدمت استشارات للعملاء في يوم واحد فقط بلغ عددها 100 ألف. وقد استفادت أسهمها وغيرها من شركات الخدمات الطبية على الإنترنت، فارتفعت أسهم علي بابا للخدمات الطبية في كانون الثاني/يناير بنسبة 58 في المئة، على العكس من أسهم الشركات الأخرى مثل النفط والغاز والطيران والنقل والسياحة وشركات الصناعات الهندسية والكهربائية التي هبطت بشدة.
وقد تعرضت أسواق الأسهم في الصين، ثم في بقية أنحاء العالم لموجات هبوط متتالية، توافقت مع كل قفزة في معدلات انتشار الإصابة بفيروس كورونا الجديد، خصوصا بعد انتشاره في اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايلاند. ومع اتساع نطاق انتشار الإصابة بالفيروس في كل قارات العالم، فقد زادت حدة خسائر الأسواق المالية، كما عمت هذه الخسائر كل أسواق العالم من طوكيو شرقا إلى نيويورك غربا.
وقد ردت أجهزة صناعة السياسة الاقتصادية في الصين على انتشار الإصابة بفيروس كورونا الجديد، بتقديم حزمة من السياسات المالية والنقدية لتيسير الأوضاع التي تواجه الشركات في كل القطاعات، شملت تخفيض نسبة الاحتياطي النقدي الذي يجب أن تحتفظ به البنوك، وزيادة السيولة لديها عن طريق البنك المركزي. لكن دولا أخرى مثل اليابان تواجه أزمة حقيقية، يمكن أن تؤدي إلى تعرض الاقتصاد للانكماش في الربع الأول من العام الحالي الذي ينتهي في آخر اذار/مارس. وعلى الرغم من أن صندوق النقد الدولي قلل من خطورة تأثير فيروس كورونا على النمو العالمي، فإن تقديرات الشركات لإيراداتها الفصلية تشير إلى انها ستتعرض لانخفاض في الإيرادات بنسبة تتراوح بين 10إلى 30 في المئة. وكانت التقديرات الأولية لشركة آبل على سبيل المثال تشير إلى انخفاض الإيرادات بنسبة 7.5 في المئة لكن يبدو أن النسبة أكبر من ذلك، وستتوقف على مدى انتشار الفيروس، وتأثر سلسلة الإمدادات الصناعية والتجارية للشركة التي تلعب الصين دورا محوريا فيها. وكانت أشد معدلات التراجع في الإيرادات لدى شركات السيارات وشركات الطيران ومصافي النفط.
المزيد من الضغوط
ومع غياب المعرفة بطبيعة الفيروس الجديد وكيفية علاجه، فإن من الصعب توقع إمكان السيطرة عليه بدون إجراءات قاسية من شأنها ان تضر بالاقتصاد وبنواحي الحياة اليومية. هذه الإجراءات من شأن استمرارها ان يتعرض الاقتصاد العالمي للمزيد من الضغوط التي قد لا يستطيع مقاومتها بدون خسائر شديدة، نظرا لحالة الضعف العام التي يعاني منها النمو على المستوى العالمي، وانتشار الأزمات في الكثير من القطاعات في الدول الصناعية المتقدمة لأسباب أخرى غير انتشار الفيروس.
وتقدم إيطاليا، أكثر البلدان الأوروبية إصابة بفيروس كورونا نموذجا لصعوبة مواجهة انتشاره في دولة صناعية متقدمة، على الرغم من الإجراءات القاسية التي اتخذتها الحكومة هناك لمحاولة حصر انتشار الفيروس داخل الأماكن المصابة في شمال البلاد التي وصلت إلى عزل الشمال عن بقية البلاد. ولن تستطيع إيطاليا مواجهة انتشار الفيروس بدون الحصول على مساعدات كبيرة من الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية المعنية وأهمها منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر الدولي، إضافة إلى مراكز البحوث الطبية وشركات المستحضرات الصيدلية التي تعمل في مجال تطوير إنتاج الأمصال واللقاحات الضرورية للوقاية والعلاج.
بؤرة خطيرة
إيران تحولت خلال أسبوع واحد إلى بؤرة خطيرة للإصابة بالفيروس في الشرق الأوسط، ثم انتشر منها عن طريق حركة السياحة الدينية والسفر إلى العراق والكويت والبحرين والإمارات وسلطنة عمان. ونظرا للظروف الاقتصادية الصعبة جدا التي تواجهها إيران بسبب الحصار والعقوبات الاقتصادية، فإنها مهددة بانتشار الفيروس بمعدل سريع جدا، واستمرار انتقاله عبر الحدود. وعلى الرغم من أن الدول المجاورة أوقفت حركة السفر من وإلى إيران، فإن هذا الإجراء وحده لن يكفي، لأن إيران تحتاج الآن إلى مساعدات حقيقية سريعة، تسمح بإقامة مراكز للحجر الطبي، والعلاج والرعاية الصحية والوقاية من انتشار الإصابة بالفيروس.
إن عجز إيران عن تحقيق ذلك بسبب العقوبات المفروضة عليها، من شأنه أن يصيب كل دول المنطقة بأضرار شديدة يصعب تخفيف نتائجها بعد ذلك. ومن المفترض أن إجراءات الحصار المفروضة على إيران لا تتضمن الإمدادات الغذائية والطبية، ولذلك فمن الضروري التعاون بين دول المنطقة ودول العالم من أجل مساعدة إيران على مواجهة انتشار الفيروس، وألا تتحول إلى بؤرة إقليمية لانتشار المرض المميت.
ويعتبر موسم العمرة والسياحة الدينية الذي بدأ فعلا في السعودية، من أخطر المناسبات التي يمكن أن تعزز انتشار الفيروس وانتقاله على نطاق واسع. ولذلك قررت السعودية تعليق الزيارة لغرض العمرة والسياحة، وربما يمتد ذلك إلى موسم الحج إذا استمر الحال على ما هو عليه. كذلك أعلنت الحكومة اللبنانية وقف السياحة الدينية إلى خارج البلاد تماما، وهو ما يعني وقف السفر إلى كل من السعودية وإيران.
ولا يتوقف تهديد انتشار الفيروس على موسم العمرة والحج فقط، وإنما يشمل الحركة والتنقل عبر المطارات، خصوصا تلك التي يزداد فيها نشاط رحلات الترانزيت مثل مطارات دبي واسطنبول والقاهرة. ونظرا لانتشار الفيروس في معظم بلدان الشرق الأوسط، خصوصا في دول الخليج، فقد قررت شركات الطيران في هذه الدول وقف أو تخفيض رحلاتها فيما بينها، وإلى الدول ذات الإصابات العالية، وفي بعض الأحوال عدم السماح لركاب الترانزيت من هذه الدول بالعبور من خلال مطاراتها.
وقد سجلت الأسواق الخليجية نزولا حادا لأسهم شركات الطيران والسفر والسياحة المسجلة للتداول مثل الشركة العربية للطيران، وذلك تماشيا مع الاتجاه العالمي لنزول أسعار أسهم هذه الشركات في أسواق طوكيو وشنغهاي وفرانكفورت وميلانو ولندن ونيويورك. وبلغت خسائر الأسهم الخليجية في يوم واحد أكثر من 57 مليار دولار. وليس من المتوقع أن يتوقف هبوط الأسعار قبل أن يطمئن المستثمرون إلى وجود إجراءات موثوق في فاعليتها لتحقيق الوقاية والعلاج من الفيروس ووقف انتشاره. ويتفق هذا الاتجاه مع تراجع أسعار الاسهم في الأسواق العالمية التي هبطت بنسبة تتجاوز 10 في المئة خلال الأيام العشرة الأخيرة، وبلغ معدل هبوطها في يوم واحد (الخميس 27 شباط/فبراير حوالي 4.5 في المئة) وهو أعلى معدل هبوط في تاريخ سوق المال الأمريكية منذ نشأتها. وفي حال استمرار هذا الاتجاه في الأيام المقبلة، فقد تنهار أسهم الكثير من الشركات، خصوصا شركات الطيران التي أظهرت قدرة ضعيفة على مواجهة الضغوط، ويصبح خطر الكساد العالمي حقيقة واقعة.
الأيام المقبلة حاسمة، وسيظل خطر انتشار كورونا قائما، حتى يطمئن العالم إلى وجود مصل أو لقاح لعلاجه. وقد ينحسر الفزع من كورونا، في حال أثبتت مؤشرات انتشار الإصابة خارج الصين تراجعا في أواخر اذار/ مارس، أما إذا استمرت على حالها، فإن الاقتصاد العالمي سيقع لا محالة في فخ الكساد، وسيعاني من تأثير الكساد لسنوات مقبلة.