الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، والرئيس الصيني شي جين بينغ
لندن- “القدس العربي”:
كشفت وثائق حصلت عليها “واشنطن بوست” عن تهرب دول من التورط في المواجهة الأمريكية مع الصين وروسيا.
وفي الوثائق التي باتت تعرف باسم “تسريبات ديسكورد”، فقد حاولت باكستان ومصر والهند عدم اتخاذ موقف من الحرب الروسية في أوكرانيا، مما عرّض أجندة الرئيس الأمريكي جو بايدن الدولية للخطر.
وفي التقرير الذي أعدته ميسي ريان، قالت فيه إن أجندة الرئيس بايدن تواجه تحديات مهمة، في وقت تحاول دول صاعدة تجنب المواجهة الأمريكية- الروسية- الصينية، وفي بعض الحالات استغلال التنافس لتحقيق منافع خاصة بها، وهذا ما كشفت عنه الوثائق المسربة على منصة ديسكورد. وهي تقدم نظرة نادرة عن الحسابات الخاصة للدول الصاعدة بما فيها البرازيل، الهند، باكستان ومصر.
أجندة الرئيس بايدن تواجه تحديات مهمة، في وقت تحاول دول صاعدة تجنب المواجهة الأمريكية- الروسية- الصينية، واستغلال هذا التنافس لتحقيق منافع خاصة بها
كما تقدم الوثائق التي لم يكشف عنها سابقا، نظرة نادرة حول العقبات التي واجهت إدارة بايدن لحشد الدعم العالمي لأجندة مكافحة الديكتاتورية واحتواء روسيا داخل حدودها، ومواجهة التأثير الصيني العالمي، في وقت ظلت القوى الإقليمية المؤثرة، متفرجة.
وقال ماتياس سبكتور، الباحث في وقفية كارنيغي للسلام العالمي، إن الدول الصاعدة تقوم بمعايرة علاقاتها، في وقت تواجه أمريكا منافسة قوية، مثل النفوذ الاقتصادي الصيني، والتأثير العسكري الروسي، مع أن الأخيرة تعاني من ضعف بسبب غزوها لأوكرانيا. وقال سبكتور: “ليس من الواضح من سينتهي في موقع القطب بعد عشرة أعوام، ولهذا فهم بحاجة للتنويع وتحويط رهاناتهم”. وهذا واضح في حالة باكستان التي تلقت مليارات الدولارات كمساعدات اقتصادية وأمنية من أمريكا بعد هجمات 11 سبتمبر، ولكنها تعتمد اليوم على الصين في مجال الاستثمار والقروض.
وبحسب الوثائق، فقد ناقشت حنة رباني خار، وزيرة الدولة الباكستانية للشؤون الخارجية، في آذار/مارس، أن بلدها “لم تعد تحاول موضعة نفسها في الوسط بين الصين والولايات المتحدة”. وفقا لمذكرة بعنوان “خيار باكستان الصعب”، فقد حذرت خار التي عملت سابقا وزيرة للخارجية، من أنه يجب تجنيب إسلام أباد مظهر مَن يسترضي الغرب، قائلة إن الميل السابق للحفاظ على الشراكة مع الولايات المتحدة يعني التضحية في النهاية بمنافع الشراكة الإستراتيجية مع الصين. ولا تقدم الوثيقة تفاصيل عن الطريقة التي حصلت فيها الولايات المتحدة على مواقف وأفكار خار.
وفي وثيقة أخرى مؤرخة بـ17 شباط/ فبراير، كشفت عن مداولات بين رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف والمسؤولين التابعين له حول تصويت الأمم المتحدة بشأن الحرب في أوكرانيا، وما تتوقعه الحكومة من ضغوط غربية من أجل دعم قرار يشجب الغزو الروسي. ونصح مساعد شريف، أن دعم القرار سيعطي صورة للتحول عن قرار الامتناع عن التصويت في قرارات أخرى، بحسب الوثيقة. ولدى باكستان القدرة على التفاوض بشأن التجارة والطاقة مع روسيا ودعم قرار الغرب، مما سيؤثر على هذه العلاقات بحسب الوثيقة. ورفض المسؤولون الباكستانيون الذين وردت أسماؤهم والدول الأخرى في الوثائق التعليق.
وفي الوقت الذي دعم فيه الحلفاء الرئيسيون في أوروبا وشرق آسيا، حملة بايدن في أوكرانيا، وقدموا مجموعات متنوعة من الأسلحة وفطموا أنفسهم عن الطاقة الروسية، إلا أن واشنطن واجهت مقاومة في أماكن أخرى. ولم تطلب واشنطن من الدول دعم طرف، سواء الولايات المتحدة أو الصين، وهي رسالة كانت واضحة في جولات وزير الخارجية أنطوني بلينكن، إلا أن دولا مثل جنوب أفريقيا وكولومبيا كبحت مواقفها فيما رأته اختيارا ضمنيا. وعندما زار بلينكن جنوب أفريقيا العام الماضي، الدولة الصاعدة الأخرى التي نظمت مناورات عسكرية مع روسيا، قال له مسؤولو البلد إنهم لن يعتقلوا فلاديمير بوتين الذي أصدرت محكمة الجنايات الدولية أمرا باعتقاله، لو زار جنوب أفريقيا أثناء قمة هذا العام. وأكدوا أنه لا يمكن الضغط أو التنمر عليهم لاتخاذ هذا القرار الذي لا يناسبهم.
قال مسؤولو جنوب أفريقيا لبلينكن، إنهم لن يعتقلوا فلاديمير بوتين الذي أصدرت محكمة الجنايات الدولية أمرا باعتقاله، لو زار بلادهم
وكذا الهند التي حاولت تجنب اتخاذ موقف بين واشنطن وموسكو خلال نقاش في 22 شباط/ فبراير بين مستشار الأمن القومي الهندي، أجيت كومار دوفال، ونظيره الروسي نيكولاي باتروشيف، كما في وثيقة أخرى مسربة. وأكد دوفال لباتروشيف على دعم الهند لروسيا في المحافل الدولية، وأن نيودلهي تعمل للتأكد من عدم تعرضها لضغط أثناء استقبالها قمة العشرين.
وفي لقاء لوزراء خارجية المجموعة بعد أسبوع، لم يتفق المجتمعون على بيان بشأن التحديات الدولية، نظرا للخلاف بشأن أوكرانيا. وتظهر الوثيقة أن دوفال تحدث عن مقاومة الهند للضغوط الدولية لدعم قرار في الأمم المتحدة بشأن أوكرانيا، حيث قال: “لن ننحرف عن موقفنا المبدئي الذي اتخذناه في الماضي”. وقال أشخاص على معرفة بالموقف الهندي، إن نيودلهي لا تدعم الحرب الروسية في أوكرانيا، وهو موقف قدمه شخصيا رئيس الوزراء ناريندرا مودي للرئيس فلاديمير بوتين، لكن الهند تعتمد على روسيا في مجلس الأمن، وليس لديها أي خيار إلا الحفاظ على العلاقات الأمنية والاقتصادية مع موسكو.
وعلى خلاف حركة عدم الانحياز أثناء الحرب الباردة، حيث دفعت الجزائر وكوبا ضد الاستعمار والهمينة الغربية، فلا يوجد هناك ما يجمع دول العالم الواقفة على الحياد وبدون أيديولوجية مشتركة، تحاول التحرك وسط التنافس بين القوى العظمى. إلا أن دول آسيا الوسطى تحاول استغلال التنافس واستثماره لتوسيع مصالحها بين الولايات المتحدة والصين وأوروبا، في وقت تحاول تخفيف تبعيتها لموسكو، حسب تقييم أعده في 17 شباط/ فبراير مكتب مدير الأمن القومي الأمريكي.
ولم تذكر الوثيقة هذه الدول، لكنها على الأرجح تضم أوزبكستان التي تحاول التخفيف من التأثير الروسي، وتطوير شراكات تجارية في مجال الطاقة. وبحسب الوثيقة، فإن قادة المنطقة “يرغبون بالعمل مع أي عرض يقدم لهم الأفضل، وهو ما تقدمه الصين حاليا”.
وحاول قادة في عالم الجنوب موضعة أنفسهم كوسطاء دبلوماسيين بين المتنافسين الثلاثة، كما في حالة البرازيل التي حاول رئيسها لويز إناسيو لولا دا سيلفا، البحث عن دور قيادي لبلده بعد سنوات من العزلة في ظل جائير بولسونارو.
وتقدم الوثائق المسربة مراجعة لرؤية لولا دا سيلفا للوقوف مع كتلة السلام العالمي، والتوسط بين المصالح الأمريكية- الصينية، والتوصل لوقف إطلاق نار في أوكرانيا، حيث قالت الوثائق إن الزعيم الميّال لليسار، كان يخطط لمناقشة هذا الأمر أثناء لقائه المقرر مع الرئيس الصيني في نيسان/ أبريل. وأغضب دا سيلفا الناتو عندما قال إن الحلف يطيل أمد الحرب في أوكرانيا من خلال تقديم الدعم العسكري لكييف، وأن على روسيا التخلي عن جزء من الأراضي التي تسيطر عليها والاحتفاظ بشبه جزيرة القرم.
وبحسب التقييم الأمني، فقد دعم مسؤولون في الاستخبارات الروسية مقترح دا سيلفا، وقالوا إنه سيواجه رواية الغرب “المعتدي- الضحية” حول أوكرانيا. وبعد عودته من رحلته إلى الصين، استقبل دا سيلفا وزير الخارجية الروسي في العاصمة برازيليا. وتشكلت رؤية حكومته مع وصول بارجتين إيرانيتين إلى ريو دي جانيرو، حيث أنهيتا رحلة إلى ميناء ريو دي جانيرو في 4 آذار/ مارس.
وقيّم البنتاغون أن الرئيس البرازيلي ربما صادق على استقبال البارجيتين الإيرانيتين من أجل تعزيز صورته كوسيط دولي، وصورة بلاده كدولة محايدة. إلا أن الزيارة لا تظهر توسعا في التعاون العسكري بين البلدين رغم تطلع إيران لهذه النتيجة.
وأشارت الوثائق إلى أن تشيلي وفنزويلا وأوروغواي والأرجنتين، رفضت طلبا لاستقبال السفن الإيرانية. وقبل الزيارة، حاول بعض المسؤولين الطلب من الإدارة الأمريكية الضغط على دا سيلفا لعدم استقبال السفينتين الإيرانيتين حتى لا يُنظر لها بأنها محاولة لتشكيل التحالفات الخارجية البرازيلية.
فكرت مصر بإنتاج 40 ألف صاروخ لروسيا، لكنها غيّرت موقفها تحت الضغط الأمريكي، وقررت إنتاج قذائف مدفعية لأوكرانيا
وبحسب الوثيقة، فقد قال مسؤول في وزارة الخارجية، إن البرازيل لا مصلحة لها من الزيارة بسبب سجل إيران الفقير في مجال حقوق الإنسان، ولا يوجد هناك أي دواع قانونية تمنع من رفض استقبالهما. وبحسب الوثيقة أيضا، فقد قللت البحرية البرازيلية من الزيارة للإعلام، وعقدت حفلة استقبال على متن البارجة دينا.
وتشير وثيقة أخرى إلى أن الرئيس الأرجنتيني، حاول استخدام تحالف أمريكا اللاتينية المكون من المكسيك والأرجنتين والبرازيل، كورقة قوة في التفاوض مع الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي.
وأشارت الصحيفة سابقا لتداعيات التوترات مع روسيا على مصر التي تحصل على أكثر من مليار دولار أمريكي من واشنطن كل عام، لكنها عمقت صلاتها مع روسيا، بمشاريع طاقة نووية مدنية، ووعود بتقديم الدعم العسكري. وتكشف الوثائق عن محاولة مصر التعامل بحذر مع المواجهة في أوكرانيا، والموازنة بين الدعم العسكري الروسي ومطالب الولايات المتحدة.
وفكرت مصر بإنتاج 40 ألف صاروخ لروسيا، لكنها غيّرت موقفها تحت الضغط الأمريكي، وقررت إنتاج قذائف مدفعية لأوكرانيا.
ويقول سبكتور إنه رغم محاولة إدارة بايدن مغازلة وليس إجبار الدول النامية لدعم أولويات واشنطن الدولية، إلا أنها ظلت قلقة، و”هذه الدول تنظر للولايات المتحدة بأن الأخيرة أقوى منها، وعندما تتعامل مع عملاق، فلا يهم إن كان هذا العملاق متعاطفا مع ما تقول، لأنه عندما يتحرك تهتز الأرض”.